بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الباعة الجائلون.. أعداء أم ضحايا؟

كثيرةٌ هي الأسباب التي يمكن أن تقف وراء تأييد فئات عديدة من المصريين لقرار الحكومة بطرد الباعة الجائلين من شوارع وسط القاهرة، دون أدنى شعور بالتعاطف مع أولئك الباعة، وتركهم لخوض معركة منفردة، إذا جاز تسميتها معركة، ضد الحكومة.

فدعاة الاستقرار هللوا لذلك القرار، بل ووصفوه بأنه جاء متأخراً، فـ (مصر الجديدة.. مصر ما بعد الإخوان.. مصر السيسي.. لا يجب أن تتكدس شوارعها بمثل أولئك الباعة، الذين شوهوا المنظر العام وحرموا المارة من التمتع بجمال بقعة من أقدم وأجمل بقاع القاهرة).

دعاة الأمن رأوا أن التخلص من الباعة الجائلين جاء انتصاراً لفرض سيادة الدولة، والتخلص من تلك العناصر الإجرامية التي تغذي أعمال العنف والإرهاب في شوارع القاهرة.

وأصحاب المحلات الكبرى تنفسوا الصعداء، بعد أن كان أولئك الباعة سبباً في تقليل مبيعاتهم، ومشاركتهم الأرباح.

وبعض الشباب والقوى الثورية لم تلقِ بالاً لهذا القرار، ولم تُبدِ تعاطفاً مع أولئك الباعة الذين ظلوا على مدار عام مضى، يد النظام المخلصة، التي لم تأل جهداً في تأييد نظام السيسي والتهليل له ورفع صوره ودعم التظاهرات المؤيدة له، والمشاركة في الوقفات المنددة بخصومه أو من تجرأوا على انتقاده، إلى جانب الخروج بالزجاجات الفارغة والشوم وأحياناً كثيرة بأسلحة نارية لضرب وتفريق المظاهرات المناوئة لحكم السيسي.

من يقف خارج المشهد متجرداً من مشاعره وانفعالاته وتحيزاته، قد يرى شيئاً من المنطق في تلك الأسباب. لكن، هل وجاهة هذه الأسباب تكفي لكي تدير ظهرك عن تلك الظاهرة، وعن هذه الفئة من الناس، التي قد لا تراها موجودة في شوارع وسط البلد خلال الأيام القادمة، وربما تلتقي بهم مجدداً في جنبات شوارع القاهرة يتحسسوا في صناديق القمامة ما يصلح للغذاء وما يصلح للملبس، بعد أن يفقدوا الأمل في الحصول على إحسان من المارة؟.

ربما تصادفهم في أقسام الشرطة أو قاعات المحاكم إذا كنت من مرتادي هذه الأماكن، أو ربما ترى صورهم وسط الجثث التي تم استخراجها من البحر بعد غرق قارب هجرة غير شرعي قبالة البحر المتوسط كان متوجهاً لأوروبا.

هنا لابد أن نسأل أنفسنا، لماذا عمدت تلك الفئة من الناس إلى تشويه المنظر الجمالي لشوارع وسط القاهرة، وإلى افتراش الأرض، والتعرض لمضايقات وإهانة القاصي والداني، في سبيل العودة ببضعة عشرات من الجنيهات؟ لماذا ارتضوا بمثل هذه الحياة التي ليست بحياة؟.. هذا هو السؤال.

يقدر بعض الخبراء عدد الباعة الجائلين بما يقرب من 5 ملايين بائع في عموم أنحاء الجمهورية، ووفقاً لعدة دراسات ميدانية، يبلغ نسبة الرجال ضمن الباعة الجائلين حوالي 85%، و15% من النساء، وتبلغ نسبة الأمية بين الباعة الجائلين الذكور حوالي 28%، بينما تبلغ 70% بين النساء. وتظهر الإحصائيات أن 68% منهم تحت سن الأربعين.([1])

وتؤكد الدراسات أن نسبة 90% على استعداد للاشتراك في نظام تأميني ولدفع ترخيص سنوي لحق البيع، ونسبة 87% على استعداد لدفع إشغال طريق بصفة سنوية، وهو ما يتناقض مع سلوكهم الحالي؛ حيث 98% من الباعة الجائلين مخالفين للقوانين، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على الطبيعة التعجيزية للإجراءات الحالية الخاصة باستصدار تراخيص البيع وإشغال الطريق.([2])

كذلك تُظهر الإحصائيات أن 87% من الباعة الجائلين لا يرضون أن يعمل أبناؤهم بنفس المهنة. وهو الأمر الذي يعكس بلا شك عدم رضا أولئك الباعة عن مهنتهم وأسلوب حياتهم، ويعكس ما يلقاه هؤلاء البائعون من تعب وإهانة في سبيل سد احتياجاتهم الأساسية.

هؤلاء الباعة لفظهم المجتمع، ولفظتهم الدولة بمؤسساتها، فلم ترع كبيرهم، ولم تحم صغيرهم. لم تهتم بمن تعلم منهم وصار خريج جامعي ما دام من الطبقة الفقيرة، ولم تبحث عن أولئك الذين منعتهم ظروف الحياة من استكمال تعليمهم فأصبحوا أُميين.

الدولة والنظم السياسية المتعاقبة ورجال الأعمال، منظومة الفساد والبيروقراطية، ومنظومة التعليم، ومنظومة الدعم، ومنظومة الصحة، النظام الرأسمالي العالمي وصندوق النقد الدولي والتبعية الاقتصادية هم جميعاً مسئولون عن معاناة تلك الفئة من البشر، الذين لم يطمعوا سوى في الحصول على أقل أسباب الحياة.

لم يؤيد أولئك الباعة السيسي يوماً، لاقتناعهم بأنه هو الزعيم الملهم، أو كرهاً في حكم الإخوان، إنما أملاً أن يكون هذا التأييد وأن تكون صور السيسي التي تصدرت بضاعتهم في الشوارع شفيعاً لهم لدى النظام ليبقيهم كما هم، يتحسسون الرزق في الشوارع دون أن يضايقهم أمناء الشرطة، ويطالبونهم بالمشاركة في أرباحهم، أو تطاردهم شرطة البلدية في جنبات الشوارع.

إن المجتمع والنظم السياسية المتعاقبة بسياساتها الرأسمالية المتوحشة هم من دفعوا بأولئك إلى الشوارع بعد أن ضاقت بهم أسباب الحياة، والآن هم يطالبون بطردهم من الشوارع، لكي يعدوا جيل جديد من البلطجية والسارقين والقتلة والغانيات.

فرفقاً بأولئك الضعفاء، وعليكم بالدولة التي يجب أن تُحاكم على تلك الجرائم التي اقترفتها في حق من حُرموا الحق في الحياة.

ساندوا هؤلاء الباعة، وإن لم تستطيعوا مساندتهم، فلا تتشفوا في معاناتهم.

 

[1]- سوسن جاد، تحليل بحث استطلاع الباعة الجائلين، اتحاد جمعيات التنمية الاقتصادية وتنمية الدخل، متاح على الرابط التالي:http://www.cipe-arabia.org/files/pdf/Informal_Sector/Analysis_Survey_Street_Vendors.pdf.

[2]- المرجع السابق.