العمال بعد 100 يوم من حكم السيسي

تصاعد موجة الاحتجاجات الاجتماعية لمواجهة الغلاء وتدنى الخدمات.
الدولة تهجم على الأجور.. وتفتح “النار” على العمال المضربين.
عامل: انتخبنا السيسي وأيدناه.. مش عشان يضربنا بالخرطوش.
قيادي عمالي: “المستقلة” باعت العمال.. ونحتاج الى نقابات جديدة وتفعيل التضامن.
عدنا لكي نعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل ثورة يناير، فلقد انتهى عصر البلطجة والفوضى وبدأ عصر العمل، هكذا كان لسان حال ممثلي الثورة المضادة من رجال الأعمال ورؤساء للشركات القابضة.. بعد فوز السيسي بالرئاسة.
الصبر مفتاح الفرج
السيسي، الذي تحدث كثيرا عن الفقراء في برنامجه الانتخابي، وربط وعوده لهم بتحسن الأحوال طالبا منهم الصبر والعمل، لم ينس أن يوضح أن من يخرج عن الصبر له شرطة وجيش تؤدبه وتهذبه.
ولا تستطيع أن تعرف أيهما كان أسبق الهجوم على أجور وحوافز ومكأفات العاملين بأجر، ولا إصدار قانون منع التظاهروالإضرابات، فكلاهما الشيء ولزومه.
يا عمال مصر انسوا
“انسوا أي حديث عن رفع المرتبات.. أنا هجيبلكم منين؟” هكذا تحدث السيسي، مضيفا بالكاد نستطيع أن نطبق الحد الأقصى للأجور ليصل إلى 42 ألف في بعض القطاعات، بينما مازالت قطاعات أخرى ترفض علانية التنفيذ مثل القضاء، ولا يعرف أحد أين ستنفق تلك الأموال؟
إصلاحات هزيلة
والدعم الخليجي للسيسي أتاح له تقديم إصلاحات هزيلة في محاولة لامتصاص غضب جماهيري من أوضاع معيشية ثار عليها الشعب، من قبيل إصدار قانون رقم (120) لسنة 2014 بشأن تعديل مواد قانون التأمين الاجتماعي الحالي لإلغاء حرمان أصحاب المعاش المبكر من الزيادات المقررة بالمادة 165 لتحسين المعاشات المنخفضة.
أو قراره في 8 سبتمبر 2014 بتعيين 30 ألف معلم وإعداد نحو 60 ألفا من خريجي التعليم الفني، لسد احتياجات السوق الخليجية من العمالة الفنية. كما أصدر النائب العام قرارا بتأجيل التصرف في محاضر بنك التنمية والائتمان الزراعي .ووقف تنفيذ الأحكام النهائية ضد الفلاحين المتعثرين، إضافة إلى مد مظلة التأمين الصحي للفلاحين والعمالة الزاعية وإنشاء صندوق التكافل الزراعي لمواجهة الكوارث.
ولكن هذه التنازلات وغيرها لم تكن بالتاكيد شبيهة بحجم إصلاحات عبد الناصر التي ضمن بها تسكين الصراع الاجتماعي لفترة زادت عن 15 عاما، فبدأت تحركات اجتماعية خاصة مع الارتفاع الرهيب في الأسعار وتدني الخدمات لمستوى غير مسبوق .
وهي الاحتجاجات التي قابلها السيسي بالتجاهل أو بتطبيق قانون التظاهر، وفي بعض الأحيان بالقبول، خاصة في المواقع التي بها تضامن عمالي واسع أو في المناطق المؤثرة اقتصاديا وسياسيا، ولعل المثال الأبرز هو ما جرى في شركة الإسكندرية للغزل والنسيج (عبود) في شهر سبتمبر الجاري، وعندما ثار العمال ونظموا وقفة ردا على تسويف الإدارة، أصدر ضابطا كبيرا أوامره لجنوده بالضرب فى المليان، مما أدى إلى 8 إصابات بالخرطوش، كما جرى تعذيب أحد قيادات شركة لينين جروب المحتجين في الأمن الوطني إلى جانب القبض على قيادات عمال بريد بالإسكندرية أثناء إضرابهم من منازلهم، في مشهد غير مسبوق، كما تم حبس 12 من عمال الأوقاف لمدة عامين الشهر الجاري بتهمة خرق قانون التظاهر.
ولكن القمع لم يفلح حتى الآن في إخماد الحركة الاجتماعية التي تتصاعد ببطء، فقد واصل عمال الغزل للإسكندرية إضرابهم رغم الضرب بالخرطوش واعتقال عدد من زملائهم. وفي اليوم التالي مباشرة تظاهر واعتصم عمال في الإسكندرية والقاهرة والشرقية.
التشريد وقطع الأرزاق
وعلى عكس تطلعات العمال استمر فصل القيادات العمالية بل وتوسع الفصل، فشهدت شركات كارجيل وسمويد وفاركو للأدوية والشبكات وغيرها تشريد للعمالة، كما أعلن رجال الأعمال الحرب على حقوق العمال في المدن الجديدة، وبات لسان حالهم “اللي مش عاجبه الباب يفوّت جمل”.
ولذا لم يكن مستغربا أن تعلن جمعيات المستثمرين ورجال العمال رفضها لمسودة قانون العمل الجديد التي قدمتها الحكومة، رغم كل ما فيه من امتيازات يوفرها لهم لإنه تجرأ وذكر كلمة الإضراب حتى ولو قيده وفرغه من مضمونه.
ولم تعد قيادات العمال إلى أعمالهم إلا عندما أضرب العمال واعتصموا داخل شركاتهم كما حدث في بروبيلين بورسعيد وفي السويس.
وفي هذا السياق حرص السيسي – كسابقية العسكري ومرسي – على عدم إصدار قانون الحريات النقابية، بل تم جلب اتحاد عمال الدولة بطل موقعة الجمل ليحتل المشهد النقابي من جديد.
كما لم تشهد المائة يوم الأولى للسيسي إعادة الشركات التي تم خصخصتها بتراب الفلوس للدولة، حتى التي حصلت على أحكام قضائية تامة – كما يقولون – وبالتالي أهدرت الدولة التي خرمت رؤوسنا من الكلام عن قدسية القضاء أحكاما نهائية.
وهو ما قابله عمال تلك الشركات بمواصلة الكفاح لتنفيذ الأحكام، والشركة الوحيدة التي نجحت في ضخ استثمارات للتشغيل هي شركة وبريات سمنود بالغربية وذلك بعد أن قطع عمالها السكة الحديد واعتصموا وأضربوا داخل الشركة، ثم جاءوا للقاهرة وافترشت العاملات رصيف النقابة العامة للغزل والنسيج في شبرا الخيمة التي أغلقت أبوابها أمامهن في تحد صريح لقانون التظاهر.
وبالطبع فإن قرب وصول بعثة صندوق النقد الدولي سيجعل أي حديث عن عودة الشركات ضربا من عمل الشيطان العمالي، الذي لابد من حبسه للأبد.
تصاعد وتيرة المقاومة
صحيح إن الاحتجاجات العمالية والفئوية قد انخفضت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، بالمقارنة بعهد مرسي كما رصد مركز المحروسة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في يونيو الماضي، فالربع الثاني من العام الجاري شهد 231 احتجاجا عماليا في مقابل 1420 احتجاجا في الربع الأول من العام نفسه.
ولكن الوضع ازداد سخونة في شهرأغسطس الماضي، الذي شهد تنظيم 647 إحتجاجا كما يقول مؤشر الحراك الاحتجاجي الصادر عن برنامج مؤشر الديمقراطية المصرية.
ويشير التقرير إلى أن جماعة الإخوان المسلمين تصدرت المشهد الاحتجاجى خلال الشهر بـ 414 بنسبة 63.98% من إجمالي الاحتجاجات.
ويفيد التقرير أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تشكل 35% من المشهد الاحتجاجي، وتصدرت المطالب الخاصة ببيئة العمل هذه الحزمة من الحقوق حيث خرج 43 احتجاج للمطالبة بالمستحقات المالية، و10 للمطالبة بالتعيين وتوفير فرص عمل بالحكومة، و8 ضد النقل التعسفي، و8 ضد نقل مكان العمل، و6 للمطالبة بالتثبيت، و4 اعتراضا على مد ساعات العمل بدون مقابل، و4 ضد الفصل التعسفى.
ولمواجهة تدني الخدمات خرجت الجماهير فى 34 احتجاج للتنديد بانقطاع الكهرباء، و10 ضد غلاء الأسعار، و5 للمطالبة بوحدات سكنية، و3 للمطالبة بتوفير مياه الشرب، و3 للمطالبة بتوصيل الصرف الصحي.
وجاءت الفئات المحتجة من أجل بيئة العمل كثان فئة محتجة بـ 121 احتجاجا، وجاء عمال المصانع والشركات فى مقدمة هذه الفئات بـ 35 احتجاجا، تلاها موظفى الهيئات الحكومية بـ 26، ثم القطاع الطبى بـ 9. وقام السائقون بـ 9 كانت أغلبها للمطالبة رفع تعريفة الركوب، ثم الباعة الجائلين الذين يقاومون نقلهم لأرض الترجمان بـ 8، والقطاع التعليمي 7 احتجاجات، والصحفيون 7، وأمناء الشرطة بـ 5.
صحيح أن هذه المعارك عنوانها هو الدفاع عن الحقوق التي جرى انتزاعها خلال سنوات الثورة، وبالتالي فهي معارك دفاعية بالأساس، كما إنها تتسم بإنها جزئية ومفتتة، ولم تشهد تضامنا حقيقيا بين العمال في المواقع المختلفة ولكنها مهمة جدا في فتح الطريق للنضال السياسي من جهة ولإظهار انحيازات نظام السيسي الاجتماعية التي تتشكل بروابط وثيقة بين قيادات ضباط الجيش الذين يسيطرون على نحو 30% من ثروة البلاد وبين شبكة من رجال الأعمال الذين يعملون الان بشكل مشترك في مشروع القناة وفي الكهرباء والنقل وغيرها من الخدمات.
ويبدو إن النظام فاته أن عشرات الآلاف من العمال الذين شاركوا في تمهيد الطريق لإسقاط محمد مرسي، بتنظيم أكبر موجة من الإضرابات والاعتصامات في تاريخ مصر، لم تكن دوافعهم العداء العقائدي لمرسي ولكن الاعتراض على استمرار تبنيه لنفس السياسات التي ثاروا عليها أيام المخلوع مبارك.
عقبات في الطريق
ولكن طريق النضال ليس مفروشا بالورد في ظل ثورة مضادة عادت لتنتقم، بينما يستعد رجال أعمال الفلول لكي يقتنصوا كراسي مجلس الشعب المقبل فهناك عوامل عدة تكبح النضال العمالي، الذي يتصاعد تدريجيا.
حالة الانتظار والترقب لما سيفعله السيسي الذي مازال في وجدان قطاعات واسعة من الجماهير يمثل صورة البطل المخلص من أوضاع بات من الصعب احتمالها، فأحوال قطاعات واسعة من الشغيلة تدهورت في السنوات الثلاثة التي تلت الثورة كما أوضح مشروع القناة الجديدة إن قطاعات واسعة تساند السيسي وتصدق نواياه، أضف إلى أن المذابح الدموية التي شهدتها الفترة الماضية تبث الخوف في قلوب العمال أيضا.
هذا إلى جانب اصطفاف قوى سياسية عريضة إلى جانب السيسي ومطالبتهم للشعب بالصبر والهدوء، وإن كان الشرخ بدأ يدب في تحالفات 3 يوليو السياسية.
إصدار سلسلة من القوانين التي تستهدف تقويض المشاركة الشعبية (المكسب الرئيسي لثورة يناير) كقانون التظاهر الذي يجرم المظاهرات والإضرابات ويقيدهما ويشدد العقوبات عليهما.
الإحباط الذي ضرب قطاعات من العمال من مواصلة الثورة والاحتجاجات دونما عائد حقيقي عليهم خاصة في ظل خيانة الأخوان المسلمين للثورة أثناء توليهم للحكم، وغياب بديل سياسي جماهيري يتبنى مطالبهم.
تأثير الدعاية السيساوية عن المؤامرات والحروب التي تخوضها مصر. وما يفعله تنظيم “داعش” بالعراق من إثارة الخوف والقلق على وجود البلد ذاته.
يتواجد الإعلام كلاعب مهم في دعم نضالات العمال أو تشويهها أو تجاهلها، فبينما كان معظمه في عهد مرسي إعلامًا داعيا للتظاهر، تحول في الوقت الراهن إلى إعلام مبرر للأزمات ومصبر على تحملها.
نجح السيسي في توحيد الفرقاء نقابيا، فدعت أغلبية النقابات المستقلة والحكومية العمال للوقوف وراءه ودعوات صريحة لوقف الإضرابات بدون أي ضمانات بالحصول على مطالب العمال، وحسب كلام قيادي عمالي من السويس: البروفة الأولي من التنظيمات المستقلة انتهت، وهناك احتياج لبناء تنظيمات نقابية وجماهيرية تدافع عن العمال، مستفيدة من أخطاء ودروس التجرية الأولى ولفت القيادي العمالي كذلك إلى ضرورة نشر ثقافة التضامن بين العمال بعضهم وبعض والتي تعد من أهم الأسلحة الغائبة من يد العمال حتى الآن، مما سيؤدي إلى زيادة تأثير العمال ونقل المعركة من صراع جزئي إلى صراع معمم مع رجال الأعمال.
الدور الذي تلعبه بعض منظمات المجتمع المدني في إفساد القيادات العمالية وتدجينها وإبعادها عن قواعدها.
ضوء في نهاية الممر
ولكن المؤكد أن الصورة تتغير يوما بعد يوم، فمن كان منا يتوقع أن الاحتجاجات الاجتماعية تتصاعد رغم كل هذا القمع والإحباط، بل وأن تتراجع الدولة وتطلق سراح علاء عبد الفتاح ورفاقه، بل ويتحدث الجلاد محمد إبراهيم عن تعديل قانون التظاهر والأهم أن يتعمق الشرخ السياسي، فتعلن 7 أحزاب مشاركتها في معركة الأمعاء الخاوية وهي أحزاب جل مواقفها مؤيدة لمواقف النظام.
كما أن الأرضية الشعبية للسيسي تتآكل تدريجيا، فالدعاية والفضائيات مهما كانت قوية لها حدود ولن تعيد على سبيل المثال الكهرباء لمن باتوا يلعنون الظلام، كما تزاد معدلات الغلاء الذي يلتهم جيوب ملايين من العاملين بأجر يقفون عاجزين عن تلبية متطلبات حياتهم، ومصاريف المدارس، واحتياجات التعليم في ظل رأسمالية متوحشة لا تعترف سوى بالأغنياء، وكما يقول أحد عمال شركة الأسكندرية للغزل (عبود) “دعمنا السيسي وساندناه، ولكننا لم نتوقع منه أن يضربنا بالخرطوش”.
وهو ما يجعلنا نتوقع أن تواصل الاحتجاجات صعودها ببطء ولكن بثبات، المهم أن يولى الثوريين والقوى السياسية المنحازة للشغيلة الأهمية لمساندة الحركة الاجتماعية ودعمها وتنظيمها، وانتهاز كل الفرص المواتية لتسييسها كمعركة قانون التظاهر الراهنة، وانتخابات مجلس الشعب المقبلة.
ويبقى أن هذا الكفاح لن يؤتي ثماره ويتحول العمال إلى رقم مؤثر في الحياة السياسية بدون بناء تنظمات نقابية حقيقية وحزب جماهيري يساري يضم قيادات العمال.





