بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصراع بين الرأسمالية وعمال السياحة.. من الهيمنة إلى الاستعباد والاحتياج

يعتبر القطاع السياحي من أهم القطاعات التي تعتمد عليها الدولة في الحصول على الدخل القومي؛ حيث تعتمد استثماراته على البيئة الطبيعية للدولة من أرض ومناخ وآثار وبحار، وتكون الطبيعة في هذه الحالة هي المصدر الخام للثروة. ومن المفترض أن هذا ملك لورثتها من الشعب على مر الأجيال، لكننا نجد حفنة قليلة يستغلون هذه الطبيعة لتحويلها إلى ثروة هائلة في خزائنهم، بل واستعباد شعبها المالك الحقيقي وتسخيره في العمل من أجل زيادة أرباحه.

لذلك يعتبر القطاع السياحي هو نموذج حي للرأسمالية في شكلها المتكامل؛ حيث يُدار هذا القطاع الحيوي من كيان هو المسيطر الوحيد على تركيبة وتشكيلة هذه المنظومة، وهو المعروف لدى العاملين في القطاع السياحي بـ “اتحاد غرف وشركات السفر والسياحة”.

الهيمنة
رجال السياحة من رجال الأعمال هم الذين يحددون كيف يسير هذا القطاع من سياسات. نستطيع القول أن وزارة السياحة، ممثلة في وزيرها، لن تستطيع فرض أي قوانين أو قرارات تخص هذا القطاع الحيوي دون الرجوع وقبول الرضا من هؤلاء الأقلية، أي موافقة رجال الأعمال والرأسماليين السياحيين لهذه  السياسات.

هل تستطيع أن تتخيل أن أصحاب الأعمال من السياحيين هم القادرين علي تحديد عدد السائحين القادمين إلى مصر وفقا لحجم مشاركتهم في التسويق السياحي، بل وتحديد أنواع الجنسيات والأنماط السياحية التي يمكن للدولة أن تهتم بها، كما لهم القدرة علي توجيه وزير السياحة إلى أي مدينة يجب الاهتمام بها، لينقل الوزير بدوره هذه الرسالة إلى اجتماع مجلس الوزراء حيث رئيس الوزراء ووزير التنمية المحلية. لذلك نجد محافظات تم التركيز والاهتمام بها ومحافظات أخرى لا تُوضع على خريطة المناقشات السياسية، وتعاني قراها من انعدام الصرف الصحي ومياه الشرب النقية.

يتوازى ذلك مع تدليل رجال الأعمال وإعطاءهم أراضي الشعب في أرقي المناطق السياحية بسعر بخس لإقامة مشاريعهم الاستثماريه السياحية واقتصارها على جذب السياحة من الفئات الثرية فقط .

صور من الهيمنة
-الحج السياحي:
يعاني الحجاج من مصاريف و أعباء الحج التي تزداد عاما بعد الآخر، لتجد تكلفة الحجاج المصريين أعلى بكثير من حجاج قادمين من أوروبا مثلا. وقد يرجع هذا إلى عدة أسباب:
1- ارتفاع قيمة تذاكر الطيران من مصر إلى السعودية لتصل  7000 أو 8000 جنيها خلال موسم الحج، بما يزيد عن ضعف التكلفة العادية، بالرغم إنها نفس المسافة ونفس الطيران ونفس الخدمة، ولعل ذلك يرجع إلى انتهازية الدولة وتحالفها مع رجال الأعمال في زيادة سعر تكلفة الطيران، ليصبح الموسم ككل سبوبة لتلك الشركات.
2- توزع السعودية عدد تأشيرات الحج المسموح لها على جميع دول العالم، وتتسلمها الدولة المصرية وتوزعها على قطاعات الدولة، كوزارتي الداخلية والسياحة، وهي تأشيرات مجانية لا تكلفة لها، لكننا نجد أن المسيطرين على الإمبراطورية داخل القطاع السياحي يحولونها إلى سبوبة صريحة وتُباع بأسعار خيالية، بما يشمل توزيعها على المنتفعين وذوي المصالح والمقربين، كأقرباء الوزراء وأقرباء من قطاعات في الجيش خلال فترة الوزير فخري عبد النور قبل تعيينه كوزير صناعة.
3- الاستغلال لا يقف عند هذا الحد، بل أن وزارة السياحة، بالاتفاق مع اتحاد غرف ووكالات السفر، تفرض أنواع الفنادق التي تتعامل معها شركات السياحة في تنظيم رحلات الحج والإقامة فيما يُسمى “ضوابط الحج”. فقبل أن تعلن الوزارة تلك الضوابط، يقوم الأباطرة من مجلس اتحاد غرف ووكالات السفر والسياحة بعمل زيارات إلى مكة والمدينة المنورة والتعاقد مع هذه الفنادق إما بشكل رسمي عن طريق شركاتهم أو شركات تابعة لهم بشكل غير مباشر، ناهيك عن أن كبار وزارة السياحة الذين يمتلكون شركات سياحة لأقارب لهم، هم أنفسهم مَن يفرضون الضوابط المقررة للحج، ووضع شروط اختيار الفنادق، وعند البحث تجد شركات السياحة أن الفنادق محددة عن طريق هذه الضوابط وبالتالي يتم السيطرة علي أسعار الغرف خلال فترة الحج وفرض أسعارها على الدولة. هولاء هم سماسرة فريضة الله على الأرض.

-الطيران العارض:
ثاني أهم صور الهيمنة هو الطيران العارض المعروف بـ“الطيران الشارتر” حيث يقوم مجموعة من رجال الأعمال في القطاع السياحي بتأجير مجموعة من الطيارات الخاصة لجذب السائحين على البرنامج السياحي، ومن المفترض أن هناك ضريبة يتم دفعها على عدد المقاعد الموجودة في كل طيارة والتي تسمي بـ“ضريبة مغادرة المطار ”.قامت الدولة بدعم هذا الطيران، من أجل تدليل رجال الأعمال، عن طريق تخفيض قيمة الضريبة أو الدعم بتخفيض نسبة عدد المقاعد المفروض دفع ضريبتها. فعلى سبيل المثال، لو كانت عدد المقاعد في الطيارة 200 مقعد أي 200 سائج قادم، يكون عدد المقاعد المفترض دفعها كضريبة مغادرة قد تكون 50% أو 60% حسب نسبة الدعم وتتحمل الدولة بعد ذلك القيمة الأخرى، وقد يترتب على ذلك استغلال بعض الشركات الأجنبية لهذا القرار، ومنها إسرائيل، حيث قامت باستغلال الموقف للسائحين القادمين من بعض الدول البعيدة والتي ترغب في زيارة تل أبيب من إفريقيا أو أمريكا اللآتينية عن طريق السفر إلى مصر والإقامة في أحد فنادقها رخيصة الثمن ليلة واحدة فقط  للحصول على الدعم، ومن ثًم الدخول إلى تل أبيب عن طريق المعبر من طابا، لأن تكلفة الطيران المباشر من هذه الدول إلى تل أبيب يكون باهظ الثمن، لتصبح الدولة ذات نظام مشجع للسياحة الإسرائيلية.

الاستعباد
هل نستطيع أن نتخيل كيف تكون ظروف العمل للعاملين في القطاع السياحي، وخاصة المناطق البعيدة مثل شرم الشيخ،و طابا، ودهب..إلخ؟ هل نتصور كيف يعيش هؤلاء وكيف تكون إقامتهم وبأي صورة وكيف يكون مستوي الوجبات لهم وكيف يتم نقلهم إلى مقر عملهم، وما هو متوسط رواتبهم؟ بل هل نستطيع أن نتخيل أنواع الوظائف التي يعمل بها أكثرية العمالة هناك؟

الاحتيـاج
بعد سنوات عديدة من الدراسة يلجأ الكثير إلى العمل في القطاع السياحي آملا في رزق دائم ومتاح، لكن معظم هؤلاء يعملون في درجات دونية وبمرتبات أقل بكثير مما يتقاضاة أي عامل ذو جنسية أخرى، في ظل ظروف قاسية يفرضها صاحب العمل بتخفيض راتبة أو زيادة ساعات عمله بسعر بخس عن راتبه، وسط هجوم عنيف بتسريحه والاستغناء عنه مع انعدام حقوقه، فوزارتي السياحة والقوى العاملة جهات منفذة فقط بقوانينهم لكل ما يريده أباطرة السياحة على حساب عامل مقهور. فمَن يحاسب رجال الأعمال بعدما أغلقوا منشآتهم وسرحوا آلاف العمال؟

على الجانب الآخر، فالتنظيم النقابي للعاملين بالسياحة يعاني مثل باقي النقابات المستقلة من تراجع ملحوظ، وتهديد من قونين دولة لا تنصفه، وصاحب عمل يعيد عصر العبودية والقهر في ظل مناخ يدعي “تشجيع الاستثمار”.