بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

في ندوة بمركز الدراسات الاشتراكية:

إضراب العمال.. سلاح ضد الإفقار والاستبداد

قبل أكثر من 4 شهور، اعتقل نظام الثورة المضادة العامل محمد زكي من شركة بتروتريد، بعد أن داهمت الشرطة بيته وتعدت بالضرب عليه، ووجهت له تهم الانتماء إلى كيان إرهابي وقلب نظام الحكم وحيازة أسلحة ومنشورات. فيما اقتادت القيادي العمالي ياسر أبو السعود من شركة غاز مصر، وتم تلفيق نفس التُهم السابقة في محاولة لتوجيه انتقاما مريرا يثني الحركة العمالية عن إضراباتها ومطالبها المشروعة.

وفي شهر مايو من كل عام، تتجدد ذكرى البطولات النضالية للعمال في عيدهم الذي أقر حق الإضراب، ليعقد مركز الدراسات الاشتراكية ندوة يوم الجمعة الماضي، 22 مايو، بعنوان ”الإضراب سلاح العاملين بأجر في وجه الإفقار والاستبداد“، وبحضور صلاح الأنصاري القيادي والباحث العمالي، وخالد البلشي عضو مجلس نقابة الصحفيين، وكمال الفيومي القيادي بشركة غزل المحلة، ومصطفى عمران مهندس اشتراكي ثوري.

الإضراب.. حق نضالي تاريخي
في كلمته، أكد صلاح الانصاري أن ”إضراب عمال حفاري المقابر في عهد رمسيسي الثالث هو أول إضراب حدث في التاريخ. أما في التاريخ الحديث، فقد خاض عمال التبغ عام 1899 نضالا بطوليا أسفر عن المطالبة بتحسين ظروف عملهم وتكوين أول نقابة مصرية، بما يعني أن النقابات جاءت من رحم الإضرابات“.

ووفقا للأنصاري، توالت الإضرابات في العشر السنوات الأولى من القرن الماضي. إضراب عمال الترام عام 1908، كمثال، وضع برنامج مطلبي أقرته كل المواثيق الدولية اللاحقة. فيما رفعت منظمة العمل في عام 1919 شعار العدالة الاجتماعية وأقصت بعض الاتفاقيات وأقرت في الوقت نفسه، الحق في التنظيم والمطالبة الجماعية، بما يضع للعمال ضمنيا الحق في تكوين النقابات المستقلة دون تدخل من أحد. وفي عام 1966، صدر العقد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ووافقت عليه مصر عام 1981، وشملت المادة 8 منه حق العمال في الإضراب، في نفس الوقت الذي جُرم قانون العقوبات المصري ذلك الحق!

واستغرب الأنصاري وصف مجدي البدوي، نائب رئيس اتحاد العمال، للاتفاقات التي وقعت عليها مصر بأنه ”عفا عليها الزمن“، بما يعكس جهلا نقابيا مزريا ورؤية مقصورة ، والأغرب من ذلك أن رئيس نقابات عمال مصر طالب السيسي بإلغاء الإضراب ضاربا بعرض الحائط المطالب الملحة للحركة العمالية، حيث أكد الأنصاري أن ”أي اتفاقية دولية صادقت عليها الدولة تصبح ملزمة، ويجب أن تُدخلها في نصوص التشريع المحلي حتى لا يتم تصنيفها في قائمة اللوائح الفردية أو ما يُسمى بـ ”القائمة السوداء“ لعدم احترامها لما وقعت عليه“.

ووفقا للأنصاري فإن ”قانون العمل الصادر عام 2003، لم يستطع المُشرع فيه الهروب من الالتزام الدولي بإقرار حق الإضراب، لكنه في المقابل التف على ذلك بمزيد من القيود التي شملت إخطار صاحب العمل بموعد الإضراب قبل البدء فيه، كذلك شرط موافقة ثلثي أعضاء النقابة العامة، بما يعني تفريغ مؤكد لمضمون الإضراب كسلاح في يد الطبقة العاملة. لكن عمال المحلة، في المقابل، في ديسمبر عام 2006، كسروا تلك القوانين بالتحرك على الأرض وأثبتوا قوة عددية قادرة على فرض حقها في الإضراب. وفي الأيام الأخيرة من حكم مبارك خاضت الطبقة العاملة في جميع المحافظات موجة هائلة من الإضرابات أجبرت الدكتاتور مبارك على الرحيل“.

وما بين الالتفاف على الطبقة العاملة وحقها في الإضراب، أصدر المجلس العسكري مرسوما بحظر الإضرابات، بحجة ”منع الإضرار بالمنشآت“ ليشمل غرامات مادية وصلت إلى نصف مليون جنيه! فيما أصدر مجلس الدولة حكما في قضية عمال الوحدة المحلية بالمنوفية وإلصاقه بـ”الشريعة الإسلامية“ كجزء من تحفظ شهير تضعه مصر على كل اتفاقية دولية ”بما لا يخالف الشريعة الإسلامية“!

تحجج القضاء وإعطاء صبغة دينية على أحكامه ضد الإضرابات العمالية هي نقطة في غاية الخطورة، وتنقل تلك الأحكام من خانة ”التجريم“ إلى ”التحريم“، بل وتضع صاحب العمل في مقام الولي الملزم طاعته!

وأبدى الأنصاري تحفاظاته على الممارسات الإضرابية، موضحا ”إن لم تصب الهتافات والتحركات العمالية، أثناء الحشد، على مطالبها المباشرة فستمثل نقطة ضاربة لها، كما أن الإضراب، في مفهومه، هو الامتناع عن العمل داخل مقر العمل، وليس خارجه لتفويت فرصة ضربه، مثلما حدث في اعتصام طنطا للكتان الذي استمر 57 يوما أمام مجلس الشعب، واستطاعت عائشة عبد الهادي، وزيرة القوى العاملة والهجرة السابقة، ضربه بإعلان مبالغ ضخمة على المعتصمين للخروج إلى المعاش المبكر“.

الإضراب مشروع.. ضد الفقر وضد الجوع
أما كمال الفيومي فأكد أن خروج عمال مصر في الثورة كان من أجل أهداف رئيسية ”عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية“، لكن ما يحدث الآن هو استهتار بحقوق الشعب المصري كله، ليعاقب العمال بدلا من المجرمين الحقيقيين والمسئولين في الحكومة ليس فقط بالفصل التعسفي من العمل، لكن بقوانين تشدد من قبضة الاستغلال والاضطهاد.

قانون الاستثمار، يعفي المستثمرين من دفع حصة التأمينات والضرائب، ومنع تدخل أي طرف بين المستثمر والحكومة بما يعني تجاهل تام لكل الحقوق العمالية، أما تطبيق بنود قانون العمل المجحفة فتتيح لصاحب العمل فصل العمال تعسفيا في أي وقت دون توقيع أي عقوبات عليه.

وأكد الفيومي أن ”سياسة حماية الفاسدين أفسدت بالتبعية كل الصناعات مثل المراجل البخارية ومصر للألبان والقطاع الزراعي، ليخرج علينا وزير العدل في تصريحات مشينة تمنع ابن عامل النظافة من تولي منصب قضائي“، واستنكر الإدعاءات الباطلة التي تروجها التصريحات الرسمية لضرب مطالب العمال المشروعة قائلا: ”إضرابات المحلة ليست كما يروج لها إعلام رجال الأعمال باعتبارها ”مطالب فئوية“، لكنها لحماية القطاعات ومحاكمة الفاسدين وتشغيل الشركات، كذلك إضرابات الأطباء المطالبة بتوفير الرعاية الصحية الكاملة للمواطنين“.

إضراب الصحفيين: وحّد صفك ضد الفساد
وفي كلمة خالد البلشي فإن: ”إضراب الصحفيين يأتي في إطار انتهاك حقوقي وتصعيد خطير ضد الصحفيين على كل المستويات، وفي ظل أوضاع متردية من حملات وقوائم مجهزة في كافة الصحف لفصل العاملين وتقسيم الصحافة إلى مرئية ومسموعة بما يخدم تفتيت المصالح المشتركة بين الصحفيين. جاءت دعوة الإضراب لتشمل كل العاملين بالصحافة الذين يعانون تأخر الرواتب لعدة شهور، وحرمان الكثير منهم الانضمام لعضوية النقابة، بالإضافة إلى أكثر من 150 مفصول من جريدة اليوم السابع، وقوائم كبيرة أخرى تُعد في كثير من الصحف“.

”كما يأتي الإضراب، في هذه الظروف، كوسيلة للدفاع وتوحيد الصفوف وتكوين مسئولين حقيقيين يعبرون عن مصالح العمال، بل ودافع لكثير من الصحفيين في إعادة الثقة للتكاتف مجددا في معارك الحريات العامة وفي القلب منها الصحفيين المعتقلين مثل يوسف شغبان، كوقفة إضراب جريدة الشروق“، مؤكدا أن ”الإضراب هو حق كل العاملين بأجر، والانقضاض عليه هو تجريد المعارضين من أسلحتهم في الدفاع عن حقوقهم، وجزء من هجوم أشرس ضد الثورة المصرية“.

وانتقد البلشي مساعي السلطات لتغييب الصحفيين أنفسهم عن معاركهم معللا بأن الإعلام يُدار الآن ضمن سياسات السلطة الحاكمة في إعادة هيكلة تخدم مصالح الثورة المضادة فقط.

الإضراب وسيلة لإسقاط الاستغلال
أما مصطفى عمران فرأى أن ”الإضراب هو نوع من مقاومة الاستغلال لتحقيق بعض المكاسب، لكن الأهم أن معركة الإضراب لا تقضي كليا على الاستغلال“، موضحا أن ”العاملون بأجر هُم مَن ينتجون الثروة الحقيقية، في المقابل تتراكم أرباح كبار الموظفين وأصحاب الأعمال في ظل ظروف اقتصادية طاحنة وفقر مدقع تدفع إلى إضراب العمال، ليصبح تجريم الإضراب هو عقد مشترك في النظام، مرورا بعهد مبارك والمجلس العسكري ثم الإخوان والسيسي، ويعطي أصحاب الأعمال سلطة قانونية. على الجانب الآخر، فالدولة ليست كيانا محايدا للتحكيم في النزاعات بين العمال والمستثمرين، بل تستخدم القوة القضائية والمسلحة في فرض نفس شروط الاستغلال بالقوة، واتحاد العمال لا يعدو سوى مندوبين من الطبقة الحاكمة وسط العمال، ليصبح الإضراب هنا هو فرض سياسة جديدة لصالح العمال تعكس دفة الصراع“.

ووفقا لعمران فإن معركة الإضراب لا تتجزأ أبدا عن معركة حقنا في التنظيم وحرية تكوين النقابات المستقلة، والدور الذي تطرحه المرحلة هو الانتقال من تحسين شروط الاستغلال في وسيلة الإضراب إلى مقاومة النظام المستغِل نفسه بتكوين جبهات أوسع من التضامن العمالي على مستوى كافة القطاعات.