بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

في إطار سياسة "الاحتواء بالعين الحمراء"

هجمة جديدة على الحريات النقابية والمدافعين عن حقوق العمال

صورة أرشيفية | عمال المستقبل لصناعة الأنابيب

منذ أن أطلق النظام الدعوة لمحاورة الشباب والاستماع إلى مطالبهم، وكلنا نتابع كيف تعمل أجهزته الأمنية على قدم وساق لـ “احتواء” الشباب عبر المزيد من عمليات الاختطاف والتعذيب والتنكيل.

ولم تميز أنياب الاحتواء – والشهادة لله – بين الشباب والفئات الشعبية والعمالية، فتزايدت جرائم التعذيب والقتل داخل الأقسام بالمحافظات المختلفة لإرهاب الجموع، كما يتواصل الهجوم على القيادات العمالية والحريات النقابية، عبر إصدار قرار وزاري يوم 25 نوفمبر الماضي، بتوجيهات من السيسي شخصيًا، يحظر تقريبا عمل النقابات المستقلة.

واللافت هنا أن رأس السلطة المعبرة عن طبقة الرأسماليين بأجنحتها المختلفة (عسكر – بيروقراطية – خاص) قرر أن يتدخل بوجه مكشوف مجددًا إلى ساحة الصراع الطبقي داعمًا لطبقته الاجتماعية ومعلنًا الحرب على المدافعين عن منتجي هذا الوطن من عمال وفلاحين ومهنيين.

وكأن لسان حال النظام يقول، تستطيعون فقط العمل أو التعطل كما تريدون، ولكن تنظيم أنفسكم للمطالبة بإصلاحات اقتصادية أو سياسية فـ “انسوا”.

وعلى الرغم من أن السلطة لم تتردد طيلة الفترة الماضية عن المضي قدمًا في محاصرة الحريات السياسية والنقابية، ولكن يبدو جليًا أن حالة السخط المتنامية نتيجة لإجراءات التقشف غير المسبوقة، ومع اقتراب ذكرى 25 يناير، تسبب إرباكًا للنظام، الذي قرر أن يعمل على يزيد من جرعة الاحتواء، حتى ولو ناقض بذلك الدستور الذي وضعه السيسي، على عجل عام 2014، وينص صراحةً على الحرية النقابية، ولكن يبدو أن وقتها كان هناك ضرورة للضحك على الجماهير.

ويرصد مؤشر الحراك العمالي الصادر عن مؤشر الديمقراطية، المقاومة الاجتماعية، في ظل حصار إعلامي غير مسبوق، لافتًا إلى أن 111 احتجاجًا عماليًا نظموا خلال شهر نوفمبر الماضي مسجلًا ارتفاعًا بـ 17 احتجاجًا عن شهر أكتوبر الماضي والتي بلغت فيه الاحتجاجات العمالية 94 احتجاجًا.

ويرصد تقرير “المسار الديمقراطي” الصادر عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عن شهر أكتوبر التراجع النسبي لاحتجاجات جماعة الإخوان المسلمين، مقابل الاحتجاجات ذات الطابع الاجتماعي.

ويتلاحظ أن الاحتجاجات امتدت إلى الفلاحين وطلاب الثانوي وغيرهم، بل أن بعض المحتجين تجاسر ونظم مظاهرات في قلب ميدان التحرير (الحاصلون على الماجستير والدكتوراه) إلى جانب مظاهرات السيول في المحافظات المختلفة التي هاجمت رأس النظام مباشرةً لتكشف أن الاصطفاف الاجتماعي “بدأ” يتهاوى.

وفي هذا السياق يمكن فهم الهجوم على النقابات المستقلة في الوقت الراهن – رغم ورقية وضعف أغلبها – والتي اعتبرها النظام “المحرض” على الاحتجاجات التي لا تراعي “أوضاع البلد”، إلى جانب رغبة النظام في إعادة ترميم الاتحاد العام الرسمي ليعود ليلعب دور المتحدث الشرعي والوحيد باسم عمال مصر.

ومنذ أيام قليلة، أُزيح الستار عن كتاب دوري صدر يوم 25 نوفمبر الماضي من مجلس الوزراء، بناء على توجيهات من رئيس الجمهورية مباشرة، يستهدف حظر النقابات المستقلة في مواقع العمل.

ولا يخفي كتاب مجلس الوزراء أن سبب إصدار الكتاب الدوري هو التخوف من “استخدام مواقع العمل لإثارة مشاكل”.

والكتاب الدوري يقول نصًا أن “في إطار متابعة محاولة إثارة القطاع العمالي واستغلال القوانين والقرارات والقوانين المنظمة لأحوال العاملين بالدولة، وبناء على توجيهات رئيس الجمهورية، ندعو السادة الوزراء، كلٌ في وزارته، لعدم التعامل سوى مع اللجان النقابية التابعة لاتحاد العمال الحكومي، في حل مشكلات العاملين”.

والحكومة في هذا السياق تعمل على وأد الحريات النقابية، وهو توجه ينسجم تماما مع مخططات الثورة المضادة لتأميم العمل السياسي والأهلي للإجهاز على مكتسبات ثورة يناير الرئيسية في حق الجماهير في التنظيم النقابي والسياسي.

ويتزامن صدور هذا الكتاب الدوري، مع قمع محسوب لعدد من التحركات لجماهيرية، ونقل عدد من النقابيين المكافحين من مواقع عملهم، ومن بينهم رفعت عرفات رئيس النقابة المستقلة في مترو الأنفاق، حيث نُقل إلى السكة الحديد، بعد أن تقدم بمذكرة لوزير النقل يكشف فيها ألوان الفساد بالهيئة.

وفي محاولة لذر الرماد في العيون، يتزايد الحديث الحكومي عن السيطرة على الأسعار، وإعادة الحياة مرة أخرى إلى المجمعات الاستهلاكية، وهي كلها أدوات للتسكين، لن تصمد طويلًا أمام متطلبات خطة التقشف الحكومية المقبلة في العام المقبل، ولا تخفيضات الأجور المتوقعة، ولا تأثيرات التشريعات التي تنتقص من حقوق العاملين بأجر.

ولكن القادم من الأيام، يحمل الأسوأ للأسف، فبرلمان الثورة المضادة ينقسم بين اليمين واليمين المتطرف، مما يعني أن كل سياسات النيوليبرالية، ستمر كما تمر السكين في الزبد، مما يعني محاولات لا تنتهي لخصخصة الخدمات، وعلى العمال والفلاحين العمل من الآن على تنظيم أنفسهم لخلق تكتلات جماهيرية تواجه الخطر القادم.

وفي الأغلب، فإن الجماهير، التي تكتشف كل يوم زيف دعاوي النظام وانحيازاته الاجتماعية لن تقف متفرجة، بل ستواصل المقاومة، رغم القمع، دفاعًا عن أوضاعها المعيشية، وهي عملية تستلزم، في رأينا، من الطلائع العمالية والثورية اتخاذ مجموعة من الخطوات الضرورية:

أولًا: توحيد جهود النقابيين والقوى السياسية المناصرة للعمال لمواجهة الهجوم على المدافعين عن حقوق العمال وعلى حق التنظيم والحرية النقابية، مع توقع الاسوأ وهو أن يصدر قانون النقابات العمالية عبر برلمان الرأسمالية المتوحشة ليحظر النقابات المستقلة تمامًا، وأن يتواكب ذلك مع إجراء انتخابات عمالية بالاتحاد الرسمي خلال الفترة المقبلة، مما يستوعب قطاعات واسعة من العمال حتى المنخرطين في التنظيمات المستقلة، وهو ما يحتاج إلى استعادة تجارب لجان عمالية مكافحة، تشكلت لدعم ومساندة وتنظيم الحركة العمالية قبل ثورة يناير (كاللجنة التحضيرية ولجنة تضامن واللجنة التنسيقية).

ثانيًا: أن تقوم النقابات المستقلة الحقيقية المكافحة، وعددها ليس كبيرًا، بفرز وتطهير صفوفها من الانتهازيين، وأن تعيد الاعتبار للعمل القاعدي، والاهتمام بالتواجد وسط العمال وبناء صف ثاني وثالث من القيادات، تمهيدًا لميلاد تجربة جديدة للتنظيم النقابي الديمقراطي والجماهيري والمستقل، ترتكز على النمو الذاتي عبر تحصيل الاشتراكات وليس المساعدات والمنح، وباحترام الجمعية العمومية لا إهدارها لصالح شريحة بيروقراطية تتحول لأصحاب مصالح.

على أن تناضل هذه اللجان، وسط القواعد العمالية وتعمل معها أساسًا، لنقل الخبرات وإشاعة ثقافة التضامن بين القطاعات العمالية، ولوضع تصورات لكيفية مواجهة الوضع الجديد في مواقع العمل، والعمل على خلق شبكة من لجان المندوبين النقابيين المرتبطين بقواعدهم العمالية.

ثالثًا: أن تشرع القوى السياسية والثورية المناصرة للعمال في تشكيل راية سياسية تضم كل الطامحين للتغيير واستكمال الثورة، على أن تكون المطالب الاجتماعية في قلبها، راية تكسر الحواجز بين العمل النقابي والسياسي، وتهتم بتسييس الحركة العمالية، لكي تتحول إلى رقم مؤثر وفاعل في الساحة السياسية، وتستطيع أن تكون حاضرة بقوة تنظيماتها النقابية والسياسية على رأس الموجة الثورية المقبلة.

وأخيرًا، فإن تاريخ النضال العمالي في مصر، بل وفي العالم أجمع، يعلمنا أنه من كبد المعاناة والصراع الطبقي سيتطور الوعي ويشتد الفرز، ليصلب عود من يستطيع تخطي العقبات، فاتحًا الطريق لكتابة فصل جديد من كتاب نضال العمال من أجل انتزاع حريتهم النقابية، وتشكيل تنظيماتهم المستقلة رغم كل أشكال القمع والبطش.