بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

ندوة مركز الدراسات الاشتراكية

علاقات العمل بمؤسسات الجيش الاقتصادية بعد محاكمة عمال الترسانة عسكريًا

يتجلى التوسع الاقتصادي للجيش على الساحة المصرية، والذي امتد ليضم قطاع أوسع في السنوات الأخيرة ويمس ذلك بالطبع علاقات العمل للمدنيين العاملين تحت تلك المظلة، وآخر مَن ذاقوا من ذلك التوسع هم عمال الترسانة البحرية بالإسكندرية المحالين للمحاكمة العسكرية بتهمة التظاهر والامتناع عن العمل، إثر إضرابهم للمطالبة بحقوقهم.

في هذا الإطار، عقد مركز الدراسات الاشتراكية ندوة، لمناقشة علاقات العمل في ظل تمدد الدور الاقتصادي للجيش، تحدث فيها إبراهيم الصحاري الباحث الاقتصادي الاشتراكي الثوري، وسعود عمر القيادي العمالي بالسويس، وسوزان ندا المحامية وكيل مؤسسي حزب العيش والحرية ورئيسة وحدة العمال بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالإسكندرية وأدارت الندوة النقابية الاشتراكية فاطمة رمضان.

ما سبب تميز الجيش المصري وتصدره المشهد السياسي مقارنة بوضع الجيوش الأخرى في المنطقة؟
أجاب إبراهيم الصحاري أن “الجيش المصري تحول لشركة تجارية بتوقيع اتفاقية “كامب ديفيد” وبمرور 37 سنة على توقيع الاتفاقية أصبحت عقيدة الجيش الربح، فبالإضافة لكون الجيش وكبار جنرالاته هيئة أركان مسلحة، فهم أيضًا جزء من الطبقة الحاكمة يحمون ويدافعون عن ثرواتها وهم أيضًا يدافعون ويحمون مصالحهم وما يملكوه وراكموه خلال الأربعين عامًا الماضية”.

وبحسب الصحاري: “الجيش راكم ما يقدر بـ 25% من الاقتصاد القومي، أي أن الجيش يضع تحت يده اقتصاد تقدر قيمته بــ 500 مليار جنيه، وهي أصول اقتصادية تدر لجنرالات الجيش على أقل تقدير عشرات المليارات سنويًا. وأضاف “سمة من السمات المميزة لاقتصاد الجيش، هي محطات وقود “الوطنية”؛ ففي سنة 1992 امتلك الجيش 6 محطات فقط على مستوى الجمهورية، وفي سنة 2002 تضاعف الرقم 4 مرات ليصل إلى 22 محطة، وفي 2011 تضاعف الرقم عشرات المرات ليصل إلى 400 محطة، وهذا يشكل 13.5% من إجمالي عدد المحطات في مصر، وهذه فقط أرقام سنة 2011 وبالتأكيد هذا الرقم زاد في السنوات الأخيرة”.

استكمل الصحاري قائلا: “هذا المثال يرينا نمط توسع الجيش في مشروعاته، ولا يعمل الجيش فقط في توزيع المواد البترولية، بل يدخل في مياه الشرب المعدنية “صافي” إلى الكيماويات إلى أنابيب البترول ومواسير المياه إلى الأسمنت والإنشاءات، فلم يقف تدخل الجيش في الاقتصاد عند أي مجال، وما يعانيه عمال الترسانة البحرية في غاية الأهمية؛ لأنه يوضح نمط توسع الجيش الاقتصادي. ونحتاج إلى أن نسلط الضوء على موضوع مهم في الشهور القادمة وهو الحديد والصلب، فلا يمر عام أو أكثر إلا ونجد إضراب لعمال القطاع، فالشركة تخسر والعمال بعد شقاء سنة يطالبون بالأرباح السنوية، ولا تستطيع الدولة بالتالي تنفيذ تلك المطالب فتضطر لقمع العمال، لكن في النهاية ينتصر العمال. نفس الوضع في ترسانة إسكندرية البحرية”.

وأكد الصحاري أن “الحاكم داخل المؤسسة العسكرية الآن هو الربح، الذي يشكل لهم في لحظة ما نشاط الأعمال القوي في مجال الإنشاءات والذي يمثل الحاجة لامتلاك مصانع أسمنت، فبالتالي ينشأ الجيش مصانع أسمنت، أسمنت العريش، ولو توافر وضع الجيش الحالي في مجال الإنشاءات في فترة التسعينات لكانت كل مصانع الأسمنت التي امتلكها للقطاع الخاص في أيدِ للجيش. المؤسسة العسكرية استولت على الترسانة البحرية بالقيمة الدفترية لها بعد تخسيرها، نفس اللعبة يحاول الجيش لعبها الآن مع الحديد والصلب، الذي يتم تخسيره لصالح شركات الحديد والصلب الخاصة، عز الدخيلة، أو أبو هشيمة وغيرهم”.

واختتم “الصحاري كلمته أنه: “من مصلحة المؤسسة العسكرية اليوم بدلًا من شراء الحديد من الغير في مشاريعهم الإنشائية، امتلاك مصانع الحديد والصلب. وكل متابعي ذلك القطاع سمعوا بالتأكيد عن مساعي الجيش للاستحواذ على مصانع الحديد والصلب ودخولهم شركاء كجهاز الخدمة الوطنية. وبالتأكيد هذا الاستحواذ له علاقة بعسكرة العمل، فالجيش يبحث كأي رأسمالي عن تخفيض التكاليف وذلك يحدث بامتلاكه لتلك الصناعات إانتاجها بنفسه، ورأينا في أسمنت العريش عند احتجاج العمال دخل الجيش وقتل العمال داخل المصنع”.

الترسانة البحرية بالإسكندرية نموذج للاقتصاد المصري
وفي كلمة المحامية سوزان ندا، تحدثت قائلة: “إن الترسانة البحرية نموذج للاقتصاد المصري. في سنة 1964 تم إنشاء الترسانة البحرية بالإسكندرية وبدء العمل بها، وفي سنة 1973 تحولت بقرار من رئيس الجمهورية لشركة مساهمة مصرية، وبموجب القرار رقم 217 لسنة 1993 تحولت لشركة قابضة، وفي سنة 2003 أصبحت تابعة لجهاز الصناعات والخدمات البحرية التابع لوزارة الدفاع. هذا بالظبط ما يحدث في الاقتصاد المصري تتحول الشركات لمساهمة ثم قابضة ثم تخضع بشكل أو بأخر لوزارة الدفاع.

واستكملت “سوزان” حديثها بسرد ما تعرض له عمال الترسانة البحرية بالإسكندرية، في 23 مايو الماضي: “رفع العمال مطالب، ووفقًا للتقرير الذي كتبه “اللواء” رئيس مجلس الإدارة، كانت المطالب باعتراضهم على القيمة المالية الممنوحة لهم من القوات المسلحة لشهر رمضان الكريم بقيمة 75 جنيه، في حين أنهم حتى سنتين اعتادوا صرف شهر منحة لرمضان وشهر منحة للعيد ودخول المدارس، وطالبوا أيضًا بتسديد الشركة لباقي مديونية صندوق الزمالة للعاملين بقيمة 3 مليون جنيه، وتحديد موعد لإصدار حركات الترقيات للعاملين بالشركة، فالترقيات متوقفة بالشركة منذ 2007 وحتى الآن”.

وأضافت “لم يجد العمال إلا التسويف والتأجيل لمطالبهم، لذلك نظموا وقفة احتجاجية داخل المصنع يوم 34 مايو، وفي اليوم التالي توجهت الشرطة العسكرية ومدرعات الأمن المركزي وأغلقت الشركة ومنعت العمال من الدخول، وصدر استدعاء لـ 26 عاملا، توجه 13 منهم للنيابة العسكرية لمعرفة التهم الموجهة لهم وبعد التحقيق معهم تم إبلاغ محاميهم بإخلاء سبيلهم بضمان محل الإقامة كل من القسم التابع له. توجه العمال للأقسام ليفاجئوا بالقرار حبس 4 أيام على ذمة التحقيق، حيث تم تجديد الفترة لـ 15 يوما ثم 15 يوما آخرين وحضروا الجلسة الأولى يوم 23 يونيو ويبدأوا من السبت 25 يونيو جلسات يومية.

وعرضت “ندا” التهم الموجهة للعمال بناءً على قرار الإحالة الصادر من رئيس النيابة العسكرية، “حرضوا العاملين بقطاعات الشركة المختلفة على الامتناع عن العمل بأن قاموا بالدعوة للتجمع وتنظيم وقفة احتجاجية داخل الشركة بقصد عرقلة سير العمل والإخلال بنظامه لتحقيق غرض وهو تحقيق مطالبهم المبينة بتقرير قطاع الأمن بالشركة المرفق بالتحقيقات”.

عن علاقات العمل في ظل المؤسسات العسكرية
تكلم سعود عمر، عن علاقات العمل في ظل المؤسسات العسكرية، بأنه من المهم الحديث عن الحجم الاقتصادي للمؤسسة العسكرية والإشارة لحالة التعاظم والتمدد هذا، لأننا نواجه الآن مشكلة حقيقية؛ فالمؤسسة تضع يده، بالأمر المباشر، على شركات وقطاعات بآليات خارج آليات السوق الموجود، بشكل يمكن أن نطلق عليه “قطاع عام عسكري”.

وأضاف، يمكن لعامل أن يعمل في مؤسسة مدنية يخضع لقانون العاملين المدنيين بالدولة، يستطيع اللجوء لمكتب القوى العاملة لحل المناوعات بينه وبين صاحب العمل، ليجد العامل نفسه فَقَد كل هذا وأصبح تحت المؤسسة العسكرية، وهذا شيئ خطير.

واستكمل “من الواضح أننا أمام خطة طويلة المدى، فعندما نتكلم عن قطاع الخدمة المدنية داخل الجيش وتحوله، سنكتشف على سبيل المثال في ترسانة السويس البحرية أن جهاز الصناعات والخدمة البحرية تم إنشاءه سنة 2004 واستولى على الترسانة البحرية في 2007، وأتذكر زملائنا النقابيين في الترسانة الذين حضروا معنا في تنسيقية الاتحادات النقابية، قبل الثورة عامي 2007 و2008، ناقشوا المواجهات والمشاحنات بينهم وبين الإدارة الجديدة. وشركة “كوين سيرفيس” “بلاتنيوم” سابقا، التي قدمت الخدمات لشركة مؤانئ دبي والعين السخنة، وكانت مملوكة لمدني واستحوذ عليها “كوين سيرفيس”، وعند احتجاج العمال تم ضربهم بالغاز والقبض عليهم وترحليهم لقيادة الجيش الثالث الميداني وحبسهم ليصبح العمال مرغمين على العمل أو الحبس. هنا تقع الخطورة، بعد أن كنا أمام علاقات تعاقدية بين أطراف محددين معلومي الهوية، والجميع يخضع لقانون العمل، فجأة يتحول هذا الإطار بمجرد دخول المؤسسة العسكرية لتتحول علاقات العمل “لمصالح إستراتيجية” يدفع ثمنها العمال.