بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

صناعة الأثاث في دمياط.. وقف الحال بأمر الدولة

رغم ما أعلنه محافظ دمياط من أن حصيلة مبيعات المعرض الأول من سلسلة معارض الأثاث “صنع في دمياط” بأرض المعارض بمدينة نصر بالقاهرة، التي شارك فيها 42 معرض، بلغت 2 مليون و11 ألف جنيه، وما سبقه من إعلان مسئولين بالدولة عن وضعهم للسياسات والخطط لتطوير صناعة الأثاث في دمياط، تسيطر على هذه الصناعة المهمة في تلك المدينة التاريخية حالةٌ من الركود لا يبدو الخروج منها سهلًا.

تتمثَّل أسباب هذا الركود في أزمة تسويق المُنتَج النهائي للورش وبيعه، وسيطرة سماسرة الموبيليا على معظم مداخل هذه المدينة الحرفية، وفي المقابل وعود زائفة من الدولة بتحسين الحال، ليجد العامل والحرفي في النهاية فسادًا وشبكات مصالح تُشارك جهاز الدولة في مراكمة المزيد من معاناة العامل وغيره من آلاف الحرفيين في دمياط، وعدد لا ينتهى من معارض يقول عنها المحافظون المتتاليون إنها تهدف لحماية “صغار الصُناع” وتسويق منتجاتهم.

أبدى عددٌ من الحرفيين في صناعة الموبيليا بدمياط استياءهم من تصريحات غادة والي، وزيرة التضامن الاجتماعي، في شهر سبتمبر الماضي، أثناء افتتاحها معرض “فرينكس دمياط” بمدينة دمياط للأثاث الجديدة، الذي قالت فيه: “لم أسمع من الصُناع أيَّ حالة ركود في الصناعة، على العكس وجدت نشاطًا ملحوظًا في حركة البيع والشراء”. في المقابل، قال أسامة محمد، نجار: “الوزيرة لا تعرف عنَّا شيئًا، وكلُّ ما فعلته أنها قابلت عددًا من التجار والمستورِدين، الذين وصفوا لها الحال على أنه الأفضل، بينما الحقيقة أن الحال لا يسُر”، مشيرًا إلى ورشة أغلقها صاحبها وترك مهنته ليعمل “قهوجي”!

كان من ضمن تصريحات المسئولين التي أغضبت العمال والحرفيين ما ردت به منى ميخائيل، محافظة دمياط، الشهر الماضي، على انتقادات الصُناع لطريقة اختيار المعارض المُشارِكة في معارض تسويق الأثاث، إذ قالت إن المعارض يُعلَن عنها بمقر جهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، دون أن تُجيب عن آلية الاختيار وشكاوى صغار الصناع.

تسويق داخلي فاشل
أنشأت الدولة معارض تسويق الأثاث في الداخل، بالشراكة مع أصحاب رؤوس الأموال، في محاولة منها لتنشيط تسويق الأثاث في دمياط، ففي مايو الماضي وقَّعَت وزارة التضامن الاجتماعي ومحافظة دمياط وشركة مدينة دمياط للأثاث الجديدة وجمعية المُصدِّرين المصريين “إكسبيولينك”، بروتوكول تعاون، لتنظيم معرض “فرينكس دمياط” كأول معرض يُقام داخل “مدينة دمياط للأثاث” الجديدة.
وتُنظم المحافظة، بالتعاون مع جهاز تنمية المشروعات الصغيرة، سلسلة معارض بعنوان “صنع في دمياط”، بأرض المعارض بمدينة نصر في القاهرة، بواقع أسبوع لكل معرض، بدءً من المعرض الذي أقيم في 3 أكتوبر الماضي، وحتى المعرض الأخير الذي ينتهي في 4 يناير 2019.

لكن حلول الدولة للتسويق الداخلي لم تحل أزمة الركود، إذ زادت حالات إغلاق الورش الصغيرة في دمياط، واستبدل مئات الحرفيين عملهم بأعمالٍ أخرى خارج إطار صناعة الأثاث، وضعفت القدرات التمويلية لمعظمهم، وقلَّت رغبة الحرفيين والعمال في التعامل مغ مشروعات الدولة نظرًا اللبيروقراطية والكلفة التي سيتكبَّدونها خلال سعيهم لاستخراج أوراق المطلوبة للمشاركة في المعارض التي ينتج عنها، فوق ما سبق، اقتطاع جزء من دخولهم للضرائب.

يقول منجِّد سابق، رفض ذكر اسمه “توقيت سلسلة المعارض يجب أن يكون مُكثَّفًا خلال فترة الصيف”، مشيرًا إلى انفصال المحافظة وأجهزة الدولة عن أوضاع السوق، وعدم فهمهم أوقات الرواج والتراجع في حركة البيع والشراء.

مدينة دمياط للأثاث
قبل أن تبدأ إدارة الأشغال العسكرية في بناء مدينة دمياط الجديدة للأثاث على الطريق الدولي، في إطار خطة الدولة للنهوض بصناعة الأثاث عبر تصديره، تم تجاهل النظر إلى ما اعتبار غالبية الحرفيين أن المشروع ليس إلا ضياعًا للوقت والجهد، إذ أن هذه المدينة لن تقدم جديدًا، باعتبار أن محافظة دمياط نفسها تعتبر مصنعًا كبيرًا لإنتاج الأثاث، وبالتالي فإن المدينة الجديدة لن تُضيف شيئًا يذكر لرفع المعاناة عن آلاف الحرفيين، وهو ما يُعبِّر ليس فقط عن عدم اهتمام الدولة بمعاناتهم، بل أيضاً عن انحيازاتها الطبقية ضدهم.

ولو افترضنا جدلًا أن المدينة الجديدة وقدراتها التصديرية ورؤيتها لتطوير صناعة الأثاث بالتكنولوجيا الحديثة ستجلب المزيد من الدولارات، كما تزعم الدولة، فإن الأسئلة التي تطرح نفسها الآن هي كيف ستستوعب هذه المدينة آلاف الحرفيين في دمياط؟ وكيف يُمكن اتهام العمال بأنهم لا يُطورون صناعاتهم وهم تحت مقصلة غلاء الأسعار وتحكم التاجر والمستورد؟، وهل يحتاج الحرفي الدمياطى لشركة الحُكير السعودية لبناء المزيد من معارض الأثاث لتسويق منتجاته؟

في أغسطس 2017 وقَّعت مدينة دمياط للأثاث وشركة الحُكير السعودية مذكرة تفاهم لإنشاء وتشغيل وإدارة المنطقة التسويقية بالمدينة الجديدة، بإجمالي 300 معرض تجاري وأرض للمعارض بمساحة 70 ألف متر مربع، بالإضافة إلى 4 قاعات للسينما، وكافتيريات، ومركز ترفيهي وآخر دولي للمؤتمرات، وقاعات احتفالات، إلى جانب خدمات المساندة لرجال الأعمال، حسب ما أعلنته الصفحة الرسمية لمحافظة دمياط.

تبدو المدينة التى يستكمل الجيش بناءها الآن، كواحدة من أهم المشاريع التي يهتم بها السيسي، وهو ما يظهر في الزيارات الميدانية المستمرة للقيادات العسكرية للمدينة، لمتابعة تنفيذ استكمال بناء المدينة، باعتبار أن هذه المدينة الجديدة والعملاقة لن تتجه إلى التصدير فقط بل ستدخل المنافسة بالسوق المُحلي، حيث يوضح فيديو توضيحي لمشروع المدينة، أعدته القوات المسلحة، أنها ستضم أيضاَ معارض للتسويق الداخلي، خاصة مع موقعها المتميز على الطريق الدولي، وهو ما جعل من السهل على مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، التوقف في الطريق، أثناء جولته بين محافظتى الدقهلية وبورسعيد الشهر الماضي، ليتابع الموقف التنفيذي للمشروع.

يُعطينا هذا مثالًا للمستهلك المحلي الذي تريده الدولة، والذي بالقطع لن تستفيد منه دمياط، وهو المستهلك القادم من المحافظات الأخرى، والذي تقطع المدينة الطريق بينه وبين دمياط، حيث أنها تقدم أحدث أنواع الأثاث، بعيداَ عن ورش الحرفيين العشوائية، ومضايقات سماسرة الموبيليا على الطريق، فلا داعي لدخول المحافظة لشراء الأثاث.

سماسرة الأثاث
لعل الخبر المنشور في الصحف الذي يفيد أن مباحث الاموال العامة ألقت القبض على 15 سمسارًا بتهمة العمل بدون ترخيص، قد أثار جدلًا، إذ أرجع كثير من الحرفيين تدهور عملية التسويق في المحافظة إلى ما يصفونه بالبلطجة، التى يمارسها السماسرة على الوافدين من المحافظات الأخرى لشراء الأثاث، ما أعطى سمعة سيئة عن المحافظة، بينما قال آخرون إن عملية القبض مجرد صراعات بين تجار الأثاث وتضارب مصالح، يُستَخدَم فيها الأمن.

يرى بعض الحرفيين والعمال الدمايطة أن الحل هو تجريم هذه الظاهرة، بينما يرى آخرون أن منح تراخيص للسماسرة هو الحل الأفضل، لكن من المهم هنا أن نطرح سؤالًا حول الأسباب التي تدفع حرفيين سابقين لترك عملهم والعمل كسماسرة، وقد تكون الإجابة هو أن مهنة السمسرة أسهل وأسرع في الحصول على المال، لكن هذا لا ينفي أن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والأزمة التي تعانيها صناعة الأثاث أحد أهم الأسباب التى تدفع بالمزيد من الحرفيين للعمل خارج إطار حرفتهم، وأحد هذه الأعمال هو العمل في سمسرة الموبيليا.

ما العمل؟
من الممكن كتابة عشرات المُقترحات مُمكنة التطبيق والمطروحة منذ سنوات، من حيث إعادة النظر في التشريعات المتعلقة بالضرائب العامة وضرائب المببعات فيما يتعلق بالمواد الخام ومنتجات الأثاث وتنشيط عمل الملاحق التجارية في السفارات المصرية في الخارج وغيرها من مقترحات تطوير التعليم الفني الثانوي والجامعي، بما يواكب تطور السوق العالمي لصناعة الأثاث، لكن تبقى هذه المقترحات حبرًا على ورق، إذ أن الدولة تعمل في اتجاه آخر على الطريق الدولي في مدينة الأثاث، بل تنفي وجود حالة ركود من الأساس وتصفها بالشائعات، إضافة إلى أنه من ناحية أخرى فإن المطالب البسيطة للحرفيين في دمياط، والتي تتلخص في خلق فرص العمل ووضع حد لغلاء خامات التصنيع وغيرها، لا يمكن فصلها عن مُجمل سياسات نظام السيسي التي تنحاز لمصالح المستثمرين ورجال الأعمال وتحمّل العمال والحرفيين أعباء الأزمات الاقتصادية التي تسببوا فيها.

وفي ظل الغياب الكامل للقوى السياسية بعد مصادرة النظام لمساحات العمل، والتراجع الكبير فيما تم التقدم نحوه في 2013 من طرح فكرة تكوين نقابات حرفية في دمياط، وفي ظل قوانين نقابية مقيِّدة، فإن العمال والحرفيين في دمياط ليس أمامهم طريق آخر لتنظيم أنفسهم إلا عبر تكوين روابط، وانتزاع حق تكوين نقابة للحرفين، وإنشاء لجان نقابية للدفاع عن مصالحهم.