بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

تحت سيف "الخصخصة"

عمال “غزل المحلة”: تاريخ مُشرِّف ومستقبل مُقبض

مصنع "غزل المحلة" | عدسة: محمود طه | المصري اليوم

“يا أهالي كفر الحما، احنا جينا عشان نتكلم معاكم. بنك مصر عمل مصنع يغزل القطن اللي انتم بتزرعوه ويعمل منه القماش اللي انتم بتلبسوه.. كنا زمان بنزرع القطن ليأخذه منا الإنجليز.. احنا النهارده بنزرع القطن وحنحوله إلى قماش، احنا اللي حانزرع القطن وحنغزله وحننسجه عشان يبقى كل شيء من مصر.. صناعة وطنية. ابعثوا بأبنائكم عشان يتعلموا صنعة، ولما حيتعلموا حياخدوا أجر كويس”.

كان هذا ما تذكّره العامل والمناضل الاشتراكي الراحل فكري الخولي (1917-2000) من خطبة مندوب شركة مصر للغزل والنسيج أمام الفلاحين في دوار عمدة قريته الصغيرة بمحافظة الغربية عام 1928، وسجّله في روايته الملحمية “الرحلة”. لم تكن زيارة مندوب الشركة لقرية كفر الحما بمحافظة الغربية استثنائية، إذ جاب مندوبو الشركة قرى الدلتا وقتها بهدف استقدام عمال لتشغيل مصنع الغزل والنسيج بمدينة المحلة الكبرى.

أسس طلعت حرب باشا “مصر للغزل والنسيج” عام 1927 كإحدى شركات بنك مصر، برأس مال قدره 300,000 جنيه. وبحلول عام 1949 كانت مصر قد تحولت من دولة مستوردة للنسيج إلى دولة مصدّرة له. تزايد رأس المال تدريجيا ليصبح 4 ملايين سنة 1958، ويصل حاليًا إلى 1.5 مليار جنيه، وتصل مساحة الشركة حاليًا إلى نحو 1000 فدان بمحافظة الغربية. بدأت “غزل المحلة” عملها بـ2000 عامل، وارتفع العدد فى 1952 إلى 16 ألفًا، ثم بلغ 35 ألف عامل عام 1986، ومع تغول سياسات المعاش المبكر ووقف التعيين في عهد مبارك انخفض عدد عمال شركة غزل المحلة عام 2007 إلى 27 ألف عامل، ومع اتجاه النظام الحالي نحو تصفية وبيع الشركات المملوكة للدولة لا يتجاوز عدد العمال بالشركة حاليًا 16 ألفًا.

تاريخ من النضال
واجه عمال غزل المحلة سياسات الدولة الساعية لتشريدهم وإفقارهم ببسالة على طول الخط، وهم أصحاب تاريخ مشرف وطويل من النضال المنظم، ومثلت تحركاتهم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وبعدها احتجاجاتهم في السنوات التي سبقت ثورة يناير2011، إلهامًا لكل القوى الساعية للتغير في مصر، وكان إضرابهم في ديسمبر 2006 أول إضراب عمالي كبير عقب فترة ركود طويلة نسبيًا فى الحركة العمالية امتدت من منتصف التسعينيات وحتى بدايات الألفية، فقد كان آخر إضراب عمالى ضخم قبل هذا التاريخ هو إضراب عمال شركة غزل كفر الدوار فى سبتمبر 1994، والذى واجهته قوات الأمن بعنف شديد وفضته بالقوة وسقط فيه 3 من أهالى كفر الدوار برصاص الأمن المركزى.

استمر إضراب 2006 لمدة 3 أيام وشارك فيه ما يقرب من 20 ألف عامل، واضطرت الحكومة إلى التفاوض مع ممثلي الإضراب وتنفيذ مطالبهم وعلى رأسها صرف مكافأة سنوية بواقع أجر شهرين تحت بند الأرباح. وبعد سنوات طويلة من الرد على الإضرابات بالقمع الأمني والترهيب، برهن عمال المحلة للطبقة العاملة بهذا الإضراب أن التفاوض مع العمال وتنفيذ مطالبهم أو جزء منها (أو حتى التعهد بتنفيذها) أصبح مطروحًا بعد أن فرضته حركتهم على تعامل الدولة ورجال الأعمال مع الإضرابات العمالية، وفتحوا به الباب أمام الحركة العمالية التي توسعت تدريجيًا -رغم القمع- بين 2006 و2011.

وفي 23 سبتمبر2007 بدأ عمال غزل المحلة “إضراب الـ6 أيام”، إذ طالب العمال بإسقاط ديون الشركة المسؤول عنها مجلس الإدارة الذي جاء وقتها بانتخابات تم تزويرها، وطالبوا بإقالة هذا المجلس، وترتب على الإضراب أن قامت الحكومة بسداد ديون قدرها 952 مليون جنيهًا عن الشركة، كما تمت الإطاحة بآخر مجلس إدارة “منتخب” وتعيين مفوض عام من قبل الشركة القابضة، وتم الإفراج عن 5 عمال كان قد أُلقِيَ القبض عليهم خلال الإضراب.

وفي فبراير 2008 خرج العمال في مسيرات ضخمة داخل الشركة للمطالبة بحد أدنى للأجور 1200 جنيه. تجاهلتهم الدولة فدعوا للإضراب في إبريل من نفس العام وكانت دعوتهم مقدمة لانتفاضة 6 إبريل الشهيرة، وتحول مقر الشركة وشوارع مدينة المحلة الكبرى إلى ثكنات أمنية، ومنعت أجهزة الأمن الإضراب بالقوة وأُجبر العمال على العمل تحت تهديد الاعتقال، إلا أن الأجهزة الأمنية فوجئت بأن ما نجحت في إخماده بالشركة تحول إلى انتفاضة شعبية عمّت شوارع المدينة، إذ خرج آلاف المواطنين الغاضبين من سوء الأحوال المعيشية والحصار الأمني في مسيرات ضخمة واشتبكوا بعنف مع قوات الأمن المركزي، وشهدت الانتفاضة اسقاط وتحطيم صور مبارك علنًا لأول مرة، وكانت تمهيدًا لثورة يناير. ورغم القمع الوحشي الذي واجه به نظام مبارك الانتفاضة في 2008 إلا أنها نجحت في فتح الباب أمام تحركات عشرات الآلاف من العمال الغاضبين الذين حاصرت اعتصاماتهم الصاخبة مجلسي الشعب والوزراء في 2009 و2010.

وفي يناير 2009 نظم العمال اعتصامًا لمدة أسبوع احتجاجًا على الخسائر المتتالية للشركة وتدهور ميزانيتها رغم انتظام العمل و الإنتاج، وهو ما أرجعه العمال إلى فساد وسوء إدارة المفوضين المعينين من قِبل الشركة القابضة. اكتفت الدولة بالوعود التي لم تنفذ وعمدت إلى ترهيب العمال لفض الاعتصام.

وخلال ثورة يناير 2011 لم يكن العمال بعيدين عن المطالب الشعبية بالعدالة الاجتماعية والحرية، فتم تنظيم إضراب داخل الشركة خلال الـ18 يوما حتى تنحي مبارك.

تدهورت أحوال الشركة أكثر فيما بعد حتى وصلت لحد التوقف التام في 2012، فهدد العمال بالإضراب مطالبين بدراسة أوضاع الشركة وبعلاوة على الأجور، وتمت الاستجابة لمطالبهم قبل بدء الاضراب إذ تم صرف العلاوة ووعدت الدولة من جديد بدراسة أحوال الشركة.

وفي أعقاب انقلاب 2013 ومصادرة النظام للمجال العام تحت شعارات الحرب على الإرهاب بات عمال المحلة كغيرهم بلا نصير، وشرعت الدولة في التنكيل بقيادات الاحتجاجات بينهم، وبالرغم من أجواء القمع والترهيب تكررت إضرابات واحتجاجات عمال “غزل المحلة” في 2013 و2014 و2016 و2017، ورد النظام كل مرة بإرهاب العمال وتم اتهامهم بالعمالة في وسائل الإعلام و قامت الإدارة بفصل عدد منهم وتقدمت ضدهم ببلاغات في قسم الشرطة.

ويستمر نضال عمال غزل المحلة ضد السياسات الكارثية التى تنتهجها الشركة القابضة منذ سنوات، بداية من عدم السماح بوجود مجلس إدارة منتخب منذ 2007، إذ يدير الشركة مفوض عام يتحكم في كل القرارات، ويتم تعيينه من ِقبل الشركة القابضة، وهو ما يعد مخالفة صريحة للقانون الذى لا يجيز استمرار المفوض سوى لمدة 3 شهور فقط فى حين وقعت الشركة تحت إدارة المفوضين لما يقرب من 11 سنة شهدت فى عهدهم أسوأ فتراتها، إذ أكد آخر تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات والصادر بتاريخ 30 يونيو 2016 أن جملة خسائر الشركة بلغت 4.034 مليار جنيهًا، أي ما يفوق 3 أضعاف رأس مال الشركة البالغ 1.240 مليار جنيهًا. وتقوم الشركة القابضة حاليًا باستيراد خام قطن رديء من الصين وبوركينا فاسو وبنين مما أساء لسمعة منتجات الشركة ودفع العملاء الأوروبيين إلى التوجه لدول شرق آسيا التى تستحوذ على النصيب الأكبر من صفقات تصدير القطن المصرى صاحب الجودة والسمعة العالية، حيث يقومون بغزله داخل مصانعهم باستخدام آلاتهم الحديثة ويبيعونه للأسواق الأوروبية بجودة عالية.

كان آخر تحديث لماكينات شركة غزل المحلة فى 1992، ورغم وعود المسئولين بوجود خطة للتطوير والتحديث وضعها مكتب “وارنر” الأمريكى إلا أن تلك الوعود التى يسمع عنها العمال منذ سنوات لازالت حبرٌ على ورق، وكانت آخرها زيارة هشام توفيق وزير قطاع الأعمال العام للشركة منتصف الشهر الجاري التي وعد خلالها بالبدء في تنفيذ خطة تطوير شاملة لصناعة الغزل والنسيج خلال فترة 3 سنوات، وذلك بعد تقليص مدتها من 5 سنوات.

على خطى القومية للأسمنت
مؤخرًا، انسحب العميل الوحيد الدولي للشركة لأسباب غير معروفة، وكانت الشركة تعمل بربع طاقتها لتلبية طلباته وتصديرها للخارج فيما عدا ذلك لم يتبقى سوى إنتاج هزيل يباع بأسعار رمزية من المفروشات وبعض المنتجات الأخرى التي تباع بأسعار رمزية إلى مؤسسات حكومية مثل وزارة الدفاع وغيرها، وعلى مدار 5 سنوات تم البطش بكل العمال الذين اعتادو قيادة زملائهم في الاحتجاجات، وذلك من خلال فصلهم أو نقلهم تعسفيًا لأماكن بعيدة عن مقر الشركة بالمحلة، وقامت الدولة بتصفية النقابات المستقلة واعتقلت قيادات عمالية وزورت انتخابات النقابات العمالية الأخيرة بشكل فج.

يبدو أنه من المرجح أن نشهد قريبًا تصفية الصرح الأكبر للغزل و النسيج في الشرق الأوسط وتشريد ما يقرب من 16 ألف عامل بالشركة بعد مسلسل من الفساد والتخبط نتج عنه تضخم ديون الشركة و هروب العملاء وقلة الطلب على المنتجات بالخارج، وسط تنبؤات من داخل الشركة باستحالة استمرارها بنفس الوضع لأكثر من سنة على أفضل تقدير، وتتزامن التصفية مع موجةٍ جديدةٍ من الخصخصة، بشَّرَت بها حكومات السيسي، بعد الاتفاق مع المؤسسات الدولية، كالبنك الدولي وغيره، وهي عمليةٌ تشمل طرح أسهم شركات في البورصة، وبيع أصول بعض الشركات وتصفية الشركات الخاسرة، مثلما حدث مع الشركة القومية للأسمنت رغم أنها الشركة الوحيدة المملوكة للدولة في قطاع الأسمنت.