بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

جزيرة الوراق: الأزمة مستمرة

أهالي الوراق يتجمهرون احتجاجًا على إزالة قوات الشرطة مرسى معدية "دمنهور" التي تربط الجزيرة بشبرا الخيمة، الثلاثاء 18 ديسمبر

تجدَّد الصراع من جديد على أرض جزيرة الوراق إذ حاصرت قوات الشرطة، صباح يوم الثلاثاء 18 ديسمبر، معدية دمنهور، وهي أهم المعديات التي تربط الجزيرة بشبرا الخيمة من الناحية الشرقية، وأمرت أصحاب المعدية بإخلاء المرسى لإزالته من أجل تشغيل عبَّارة تابعة للجيش مكانها، وما إن علم الأهالي حتى تصدَّوا للشرطة لوقف عملية الإزالة، وتبع ذلك حضور قوات أكبر من الأمن المركزي والقوات الخاصة، ثم حضر مدير أمن القليوبية الذي أمر بسحب القوات خشية تطوُّر الأحداث.

ويرى الأهالي أن الهدف من عبَّارة الجيش الجديدة هو إحكام الحصار على الجزيرة وخنقها عن طريق تشغيل العبَّارة لعددٍ مُحدَّدٍ من الساعات يوميًا ومنع دخول مواد البناء حتى البسيط والأساسي منها، مثل الأسمنت والمؤن، علاوة على منع دخول الأثاث المنزلي.

ومنذ عملية الإزالة الفاشلة تلك تتواجد قوةٌ كبيرة من الشرطة برفقة العشرات من المدرعات أمام المعدية استعدادًا لعملية إزالة أخرى مجهولة الميعاد.

وداخل الجزيرة، دعا مجلس عائلات الوراق أهالي الجزيرة إلى حضور جلسة الطعن على قرار إنشاء مجتمع عمراني على كامل أراضي الجزيرة في مجلس الدولة يوم السبت الماضي 22 ديسمبر، مما حوَّل محيط مجلس الدولة بالدقي إلى ما يشبه الثكنة العسكرية مع تواجد عشرات سيارات القوات الخاصة والأمن المركزي ومئات افراد الشرطة؛ فيما أجَّلَت المحكمة القضية إلى جلسة 26/1 وسط غضبٍ كبير من الأهالي.

تُعَد جزيرة الوراق هي الأكبر في نهر النيل، إذ تبلغ مساحتها 1850 فدان، ويصل عدد سكانها إلى ما يقرب من 200 ألف مواطن. تحتل الجزيرة موقعًا متميِّزًا حيث تمثِّل الرابط بين محافظات القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية)، وتُعَد كذلك من أهم المناطق الزراعية، إذ تشغل الأراضي الزراعية أكثر من نصف مساحتها، وتنتج هذه الأراضي أجود أنواع المحاصيل، بينما يعمل معظم سكانها بالزراعة والصيد. وكانت الوراق تُعتَبَر، هي و16 جزيرة نيلية أخرى، محميات طبيعية وفقًا لقرار رئيس الوزراء رقم 1969 لسنة 1998، حتي أصدر شريف إسماعيل، رئيس الوزراء السابق، يوم 19 يونيو 2017، قرارًا مُفاجِئًا باستبعاد 17 جزيرة وعلى رأسها الوراق من هذا القرار.

تاريخ النزاع على أرض فقراء الوراق
بدأ النزاع في عام 2000 عندما أسفر حكمٌ لمجلس الدولة إلى وقف وإلغاء قرارات نزع الملكية، وصدور قرار رئيس مجلس الوزراء لسنة 2001 بعدم جواز إخلاء أي مبنى بجزيرة الوراق والدهب وأحقية الأهالي في الأرض، وكذلك عدم التعرض لحائزي الأراضي الزراعية بالجزيرتين. هذا إلى جانب قضية أخرى في القضاء الإداري بمجلس الدولة عام 2002 انتهت بحكم المحكمة بأحقية الأهالي في الأرض.

هدأت الأوضاع قليلًا حتى أعلن جمال مبارك، نجل الرئيس المخلوع حسني مبارك وأمين لجنة السياسات بالحزب الوطني المنحل، في 27 مايو 2007 عن مُخطَّط مصر 2050 الذي يهدف إلى إزالة المواقع الفقيرة وتحويلها إلى منشآتٍ سياحية وترفيهية.

تصاعَدَ الصراع عندما تعاقَدَت الهيئة العامة للتطوير العمراني التابعة لوزارة الإسكان مع شركة “كيوب” عام 2010 ضمن مُخطَّط 2050 لتطوير جزيرة الوراق، لكن اندلاع الثورة عام 2011 حال دون تنفيذ هذا المُخطَّط.

السيسي على خطى مبارك
صعدت القضية على السطح مُجدَّدًا عندما صدر قرارٌ بنزع ملكية بعض الأراضي من الأهالي عام 2016 لإنشاء محور روض الفرج، ووقعت بعض المناوشات بين الأهالي وقوات الأمن بعد هدم المنازل. ازداد التصعيد عندما حاصرب حملةٌ أمنية كبيرة من قوات الشرطة والقوات الخاصة والأمن المركزي، مدعومة بقوات الجيش، صباح يوم الأحد 17 يوليو 2017، جزيرة الوراق لمحاولة إخلائها بصورةٍ قمعية، وأسفرت الاشتباكات العنيفة بين الأمن والأهالي عن اعتقال العشرات من الأهالي وسقوط شهيد منهم، وتبع هذا الإخلاء حملةٌ مُوسَّعة لمحاصرة الجزيرة، علاوة على اعتقالاتٍ شملت العشرات من شباب الجزيرة بتهم التظاهر والتعرُّض للقوات.

كان السيسي قد علَّق على أزمة الوراق، في كلمةٍ له في مؤتمرٍ لعرض نتائج إزالة التعديات على أراضي الدولة، قائلًا: “فيه جزيرة في وسط النيل مساحتها أكثر من 1250 فدان، مش هذكر اسمها، وابتدت العشوائيات تبقى جواها وناس موجودة وضع يد وبتبني عليها”.

توالت القرارات حتى يومنا هذا، سواء من مجلس رئاسة الوزارء أو رئاسة الجمهورية، بنزع ملكية أراضي الجزيرة وكورنيش الوراق لأجل المنفعة العامة، فيما لم يعد للأهالي طريقٌ إلا اللجوء إلى ساحة القضاء من جديد وتنظيم مسيرات بصورةٍ شبه أسبوعية للتنديد بتلك القرارات، إضافةً إلى تأسيس مجلس لعائلات الوراق بغرض تمثيلهم.

الوضع القانوني للجزيرة
لطالما سمعنا من المسئولين تصريحاتٍ يشيرون فيها إلى الجزيرة، حتى وصل الحد إلى أن قال رئيس الجمهورية إن تلك الأراضي استولى عليها الأهالي ويجب استعادة أراضي الدولة “حفاظًا على هيبتها”.

لكن ذلك يتجاهل حقيقة أن 1810 فدان من جزيرة الوراق هي ملكياتٌ خاصة مُسجَّلة بالشهر العقاري، وهناك 40 فدان فقط تلمكهم الدولة مُقسَّمين بين وزارة الأوقاف وملكياتٍ للدولة يمتلكها الأهالي انتفاعًا مقابل مبالغ تُسدَّد للحكومة بانتظام. هذا ما يُفسِّر إنصاف القضاء للأهالي في كلِّ المرات التي لجأوا إليه.

وقد علَّق يحيى الشحات، رئيس المجلس المحلي السابق للوراق، أنه ليس من المنطقي أن تسعى الحكومة لاستزراع الصحراء بيد، في حين تستهدف باليد الأخرى تحويل أكبر المناطق إنتاجًا للخضروات في القاهرة إلى كتلٍ خرسانية.

ما يحدث الآن لسكان الوراق يُصنَّف تحت مسمى التهجير القسري الذي أدانه الدستور المصري نفسه بنص المادة (63)، التي تقول: “يُحظَر التهجير القسري للمواطنين بجميع صوره وأشكاله، ومخالفة ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم”. وكذلك تنص المادة (62) على أن “حرية التنقل والإقامة والهجرة مكفولة، ولا يجوز إبعاد أيِّ مواطنٍ عن إقليم الدولة ولا منعه من العودة إليه”.

من المستفيد؟
حتى الآن، فإن الشركتين المسئولتين عن عملية تطوير الجزيرة، بجانب اللجنة الهندسية للقوات المسلحة، هما شركة “آر إس بي” الإماراتية السنغافورية للتخطيط المعماري، التي تم التعاقد معها عام 2013، وشركة “كيوب” للاستشارات الهندسية التي تعاقَدَت معها حكومة نظيف عام 2010، وقد أعلنت شركة “آر إس بي” عن التصميم التي تود أن تُنفِّذه على موقعها الإلكتروني، لكنها حذفته بعد توجيه انتقاداتٍ شديدة لها.

التحرُّك الحكومي تجاه الأزمة
عقدت وزارة الدفاع منذ عدة أشهر، تحديدًا في شهر يوليو الماضي، اجتماعًا مُوسَّعًا مع الوزارات، حضره مندوبٌ من المجلس الأعلى للإعلام، وقد صدرت الأوامر من الأمانة العامة لوزارة الدفاع إلى المجلس الأعلى الإعلام بالترويج لفكرة إخلاء جزيرة الوراق وإنشاء مجتمع استثماري محلَّها، علاوة على أمرٍ لهيئة المساحة برفع إحداثيات الجزيرة. أثار هذا الاجتماع، الذي أُعلِنَ عنه موخرًا، الكثير من علامات الاستفهام، لسبب تدخُّل الجيش بشكل مباشرٍ في الموقف.

ومن الجانب الآخر كانت السلطة التنفيذية أكثر بطشًا مع أهل الجزيرة، إذ يتعرَّض أهالي الجزيرة للملاحقة، ويُلقى القبض عليهم بتهمٍ كيدية كنوعٍ من الضغط ومنع بيع الأراضي والمنازل إلا لهيئة التطوير العمراني، وأيضًا عندما التقت ليلاني فرحة، مُقرِّرة الأمم المتحدة المعنية بالحق في السكن اللائق، عددًا من سكان الجزيرة للبحث في مشاكلهم تم التعامل مع السكان بطريقةٍ تعسفية عقابًا لهم.

يبدو أن الحكومة لن تردعها الأحكام القضائية، بل وتتجه إلى تكرار سيناريو ما حدث في 17 يوليو 2017 ولكن بصورةٍ أعنف وسط تزايد الدعوات بين الأهالي إلى الصمود وعدم التسليم.