بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

في المصابيح الكهربائية: الرأسماليون لصوص.. والعمال يديرون الإنتاج!

إن حكايات الاستغلال والقهر التي يتعرض لها العمال في مصر لا تنقطع يوميًا، وربما ازداد الأمر سوءًا في السنوات الأخيرة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية. ومع كل حكاية من حكايات القهر والظلم تولد بطولات جديدة للعمال في الكفاح والنضال من أجل حقوقهم ضد رأس المال. فأمام سطوة أصحاب الأعمال وانحياز الحكومة إلى جانبهم، لم يعد أمام العمال سوى الاعتماد على أنفسهم في الدفاع عن حقوقهم المسلوبة، التي يتم نهبها كل يوم.

حكاية عمال “المصابيح الكهربية” صفحة جديدة ناصعة من نضال العمال ووحدتهم ضد سطوة رأس المال المتوحشة. كان لا بد من التعرف على التجربة من قريب. ذهبت “أوراق اشتراكية” إلى العمال، جلسنا إليهم سمعنا منهم الحكاية كاملة، نزلنا إلى عنابر الإنتاج، الكل يعمل، ليس هناك مدير وعامل. رأينا إبداعات العمال في التغلب على المشكلات. إنها تجربة تستحق الإعجاب حقًا، فهؤلاء العمال البسطاء الذين وضعوا أيديهم في أيدي بعضهم البعض وانتخبوا لجنة تشغيل من بينهم ليعيدوا تدوير مصنعهم الذي توقف منذ عامين بعد أن قرر صاحبه رامي لكح إغلاقه، لا لشيء سوى أنه قرر الاستيلاء على أموال البنوك (132 مليون جنيه) التي أخذها بضمان المصنع والهرب إلى الخارج. أما مصير 600 عامل وأسرهم طبعًا لا يهم رامي “بيه” في شيء. نقول أن هؤلاء العمال ضربوا مثالاً رائعًا على التضحية والفداء، والأهم من ذلك أثبتوا أن العمال على قدر عالي من الكفاءة والتنظيم التي تمكنهم من تشغيل المصنع، بل وتحقيق أرباح.

ما هي تفاصيل التجربة؟ كيف استطاع العمال التماسك لمدة عامين حتى أعادوا تدوير عجلة الإنتاج مرة أخرى؟ ما هي المشكلات التي واجهوها، وكيف تغلبوا عليها؟ وما هي العقبات التي تقف أمامهم اليوم؟ وراء كل سؤال من هذه الأسئلة قصة نضال رائعة نتعرف عليها كما رواها العمال أنفسهم.

أول القصيدة طرد وتشريد
لماذا يتم إغلاق مصنع ذو كفاءة عالية في إنتاج المصابيح الكهربية، ولمصلحة من يتم ذلك، ناهيك عن تشريد عدد كبير من العمال من ذوي الخبرة والكفاءة على مستوى مصر؟ سألنا المهندس سيد عبد الحميد أحد أعضاء لجنة التشغيل عن حكاية “المصابيح” مع لكح فقال: أنا أعمل في المصنع منذ 14 سنة، وهذا المصنع كان في الأساس ملك “الشريف”، وعندما حدثت مشكلة توظيف الأموال، أصبحنا تابعين للنائب العام. ثم تم بيع المصنع لعلاء السيد، صاحب شركة الشروق، ثم عدنا إلى النائب العام مرة أخرى، ثم اشترى رامي لكح المصنع، وهنا بدأت المشاكل.

كان لكح قد اشترى المصنع في إطار صفقة مع النائب العام لشراء ممتلكات الشريف. وكان من نصيب لكح مصنع “المصابيح” إلى جانب مصنعين آخرين هما مصنع “فل” للمنظفات (الذي مازال يعمل ويصدر الأرباح إلى لكح في فرنسا بانتظام!!) والمصنع الآخر للحديد والصلب، قام لكح ببيعه لاحقًا. ماذا فعل لكح بمصنع “المصابيح” إذن؟ الإجابة التي أخبرنا بها المهندس سيد، والأستاذ إيهاب عواد (المدير المالي)، والأستاذ صالح نسيم (أمين عام اللجنة النقابية)، والعديد من العمال داخل العنابر، هي تقريبًا إجابة واحدة، لخصها جمعة سويلم العامل بالمصنع بأن: رامي لكح اشترى المصنع مش عشان يشغله، لكن عشان يخربه ويشرد عماله، وإن رامي نفسه قال إن المصنع فرض عليه من النائب العام، وإنه لم يكن يريد شرائه!!

ماذا فعل رامي بالضبط كي ينفذ مخطط غلق المصنع؟ أجاب المهندس سيد: أول ما فعله رامي إنه جاب إدارة مش فاهمة حاجة في صناعة اللمبات، كنا نعمل – قبل إدارة رامي – ورديتين في كل من قسم اللمبات والفلورسنت، وكان مصنع الزجاج يعمل 24 ساعة لمدة ستة أيام في الأسبوع. وعندما أتت الإدارة الجديدة قررت أن يكون العمل وردية واحدة ولمدة خمسة أيام فقط، رغم أننا كنا مش ملاحقين على الطلبات. كذلك قرر رامي إطفاء فرن الزجاج الذي لم يكن له مثيل في الشرق الأوسط سوى في العراق. وكان هذا الفرن يقوم بتصنيع زجاج اللمبات للمصنع وللمصانع الأخرى في مصر، أما الآن فيتم استيرادها بالعملة الصعبة!!

يضيف عم سلطان، الكيميائي المسئول عن الفرن: حتى الخبراء الذين أتى بهم رامي لكح كي يطفئوا الفرن قالوا خسارة هذا الفرن أمامه 10 سنوات عمل!! وأيضًا أخبرنا الأستاذ صالح نسيم أن: الفرن كان المفروض بتعمله عمرة، وكانت العمرة جاهزة في المخزن، وكانت تقدر تكلفتها في هذا الوقت بـ15 مليون دولار، قام رامي ببيعها لمصنع ياسين للزجاج بمبلغ 300 ألف جنيه!!

خطة رامي لكح إذن هي تصفية المصنع من خلال تقليص الإنتاج تدريجيًا، وبالتالي تقليل عدد العمال تمهيدًا لفصلهم جميعًا وإغلاق المصنع، وهو ما اتضح بعد ذلك. فبإغلاق مصنع الزجاج تم تشريد 160 عاملاً. ثم بدأ في بيع مخزون اللمبات تامة المصنع بأقل من أسعارها – كان سعر الكرتونة وقتها 100 جدنيه، في حين قام لكح ببيعها بـ60 و70 جنيه – كما أخبرنا عم صالح مدير الأمن في المصنع، الذي أضاف أن لكح قام بعد ذلك بإصدار قرار يفصل جميع العمال وإغلاق المصنع.

العمال في المواجهة
وجد أكثر من 250 عاملاً، هم الذين بقوا من التصفية، أنفسهم – بأسرهم – دون مورد رزق، مهددين بالموت جوعًا. ماذا يفعلون؟ “لم يكن بعد لقمة العيش شيء لكي يخافوا عليه.. ولما تبقى مهددة ما فيش غير إننا نقوم وناكل اللي بيهددنا”!! كانت هذه كلمات أحد العمال الذين شاركوا في المواجهة.

ماذا فعلتم بعد قرار الفصل؟ يقول المهندس سيد: قمنا بكل الإجراءات القانونية مثل تقديم شكاوي في مكتب العمل، وعندما لم يسأل فينا أحد ذهبنا واعتصمنا في فيلا رامي لكح. وكان اعتصامنا ملفت للنظر وسمع به الكثيرون، بالإضافة إلى أنه أحدث بلبلة نظرًا لأن موقع فيلا رامي على طريق المطار. بدأ المسئولون يشعرون بخطورة الموقف، فصرفوا لنا مبلغ من صندوق الطوارئ، كما أن أمن الدولة ضغط على رامي لكح فأعطانا جزء من مرتب شهر مبلغ 55 ألف جنيه، مقابل أن نذهب إلى المصنع ونبقى داخله، لم يكن أحد يتصور أن نعيد تشغيل المصنع بهذا المبلغ..
يبدو أن لعبة الأمن كانت سياسة العصا والجزرة المعتادة فقد استخدم مع العمال الجزرة – الـ 55 ألف جنيه – بالطبع مع التلويح بالعصا عن طريق التهديد بفض الاعتصام بالقوة دون طائل. ماذا فعل العمال؟ يستأنف المهندس سيد حديثه: قررنا ألا نصرف الـ 55 ألف جنيه على المرتبات، بل قررنا أن نشتري خامات بالمبلغ ونعيد تدوير المصنع. وهذا ما تم بالفعل واستطعنا أن نستمر في الإنتاج حتى الآن كما ترون.

ما هي المشكلات التي واجهتكم في إعادة التشغيل؟ الكلام للمهندس سيد أيضًا: أولاً لا أحد فينا له الحق القانوني في إدارة التشغيل، وبالتالي فليس لأحد منا حق الائتمان لدى البنوك. ورغم أن كلاً من مكتب العمل وأمن الدولة ساعدونا، إلا أن أيا منهما لم يساعدنا في الحصول على أوراق تثبت حقنا في الإدارة. وبناء عليه يمكن إنهاء إدارتنا للمصنع بالقوة في أي وقت. الحاجة الثانية في المشاكل إننا نستورد 70 % من مكونات المنتج من الخارج، ولكوننا ليس لدينا حق الائتمان في البنوك، فإننا نحاسب على ما نستورده على أنه تجاري – وليس صناعي – وهذا يزيد التكلفة ويقلل الأرباح، وبالتالي المرتبات.

ثم لخص الأستاذ صالح نسيم والأستاذ إيهاب عواد بقية المشاكل: ليس لنا أي مورد مالي حتى نستطيع شراء ما يلزمنا بالجملة لمدة شهرين على الأقل حتى نستطيع تقليل التكلفة وعمل عمرة للمصنع. هذا بالإضافة إلى تهديدنا من قبل التأمينات والكهرباء وغيرها بسبب عدم التسديد. ناهيك عن هجرة الكثير من الفنيين والكفاءات بسبب قلة الدخل ومع ذلك فيه ناس كفاءات ظلت معانا رغم كل المشاكل. ثم استطرد الأستاذ صالح في صوت منخفض: حأقولك على حاجة، المهندس سيد عرض عليه وظيفة بمرتب 6 آلاف جنيه في الشهر ورفض!!

كيف تديرون المصنع وكيف تغلبتم على المشاكل؟ الكلام للمهندس سيد: أولاً ما فيش حاجة اسمها مدير وعامل. كلنا زي بعض، كلنا بنشتغل عشان إحنا عارفين إنه لو ما اشتغلناش مش حنلاقي نقبض. وإحنا ابتدينا في الأول كنا بنقبض 50 % من المرتب، والـ بيحدد إحنا حنقبض أد إيه هو هامش الربح الذي نحققه بعد تغطية تكاليف الإنتاج. في الشهر الماضي وصلنا إلى 91 % من مرتبنا، ونتمنى أن نصل إلى 100 % هذا الشهر. وكلنا بنقبض بالتساوي، بداية من أصغر عامل إلى أعضاء لجنة التشغيل، يكفينا أن نقول بأننا بدأنا منذ سنتين ونصف بـ 55 ألف جنيه، والآن ما تم صرفه للعاملين 3 مليون جنيه بالإضافة إلى خامات في المخزن بـ 75 ألف جنيه. أما بالنسبة لمشكلة العاملة الفنية المدربة كنا نضع كل فني لدينا في وسط مجموعة من العمال غير المدربين جيدًا لكي يقوم بتدريبهم. كما أن فرن الزجاج الذي كان يعمل به حوالي عشرة مهندسين، الآن يديره اثنان من الكيميائيين فقط!!

ووسط العمال داخل العنابر رأينا ملحمة حقيقية، رأينا كيف تغلب العمال على الصعاب بإبداعاتهم ومهاراتهم الخاصة. أخذ العمال يروون كيف تغلبوا على مصاعب الإنتاج داخل المعمل والورشة بإنتاج قطع غيار ومواد بديلة حتى يوفروا ثمن استيرادها. واسترعى انتباهنا خط إنتاج متوقف يغطيه التراب، فسألنا عنه، فأجابنا العمال، إنه خط إنتاج اللمبات الفلورسنت الذي توقف نتيجة توقف فرن الزجاج. هذا الخط كان يعمل عليه من 15 إلى 20 عاملاً، وكانت الطلبات على إنتاجه لا تتوقف.

سمعنا من العمال الكثير عن حياتهم ومعاناتهم بعد الفصل والتشريد، وكيف واجهوا كارثة عندما وجدوا أنفسهم بلا مورد رزق، كيف أصبح العمال فجأة غير قادرين على مواجهة أعباء الحياة في ظل الغلاء المتفشي، مصاريف المدارس والغذاء والملبس وغيرها من أعباء الأسرة المصرية. روي لنا أحد العمال كيف اضطر إلى العمل كبائع خضار، ثم كيف عجز عن الوفاء بمستلزمات الدراسة لأبنائه!! وتساءل عامل آخر، عم جمعة سويلم: كيف نعيش ونحن ندفع إيجار لشقة فقط 70 جنيه؟ كيف ناكل ونشرب ونصرف على أولادنا؟ ألسنا بشر ولنا احتياجات نحن لا نطلب سوى العيش مثل باقي الناس.

ثم استطرد عم جمعة وهو يشير إلى مصنع “فل” الذي يفصله عن مصنع المصابيح سلك شائك: مرتبات زملائنا في مصنع “فل” تصل إلى 300 جنيه في حين لا تتعدى مرتباتنا في أحسن الأحوال 200 جنيه، مع العلم أنهم أيضًا يتبعون رامي لكح. ويقال أن مصنع “فل” يصدر للكح كل أسبوع نصف مليون جنيه في فرنسا!! في الوقت اللي إحنا بنلحس فيه البلاط عشان جنيه و2 جنيه، والله أولادي لم يستطيعوا الذهاب إلى المدرسة في أحد الأيام لأني لم أجد 2 جنيه ثمن المواصلات، وعشان كده مش حنخرج من المصنع إلا على جثثنا.. وختم عم جمعة كلامه بسؤال مهم: فيه أكثر من 2000 مصنع مغلقين، فهل تريد الحكومة إغلاق مصنعنا أيضًا؟ طيب نروح فين؟ أنا عمري 45 سنة، ولا توجد شركة أو مصنع سوف تقبل توظيفي في هذا السن. يوفروا لنا عمل وإحنا نذهب إليه، أم أننا سننضم لطوابير البطالة؟

مطالب عمال “المصابيح”
ماذا يريد عمال المصابيح حتى يمكنهم مواصلة العمل، وبالتالي الحفاظ على حياتهم وحياة أسرهم من الضياع؟ إن مطالب العمل البسطاء مقارنة بالتسهيلات الكبرى التي يحصل عليها أصحاب العمل – اللصوص – ليست معضلة ولن تخل بميزانية الدولة أو خزانتها. لقد لخص العمال هذه المطالب في الآتي:

1) إعطاء لجنة التشغيل الصفة القانونية في إدارة المصنع.
2) إعطائنا قرض قيمته 5.1 مليون جنيه كي نستطيع شراء خامات تكفينا لعمل العمرة اللازمة للفرن والمصنع، ونحن على استعداد لسدادها، ويمكن أن نتفق مع البنك الدائن (بنك القاهرة فرع ثروت) أن يعطينا القرض بأي ضمان حتى لو تطلب الأمر أن يكون للبنك مراقب مالي في المصنع لضمان حقه، على الأقل نحن لن نسرق القرض ونهرب إلى الخارج.
3) الحل الآخر لمشكلة التمويل أن يتم تمويل أزمة مصنع “المصابيح” من أرباح مصنع “فل” باعتباره ضمن ممتلكات لكح. وكما ذكرنا فمصنع “فل” يصدر لرامي نصف مليون جنيه كل أسبوع، نحن نريد حصيلة نصف شهر فقط لنفتح بيوت مئات العمال.
الرأسماليون طفيليات اجتماعية

إلى هنا تنتهي قصة نضال عمال “المصابيح”، لكن لم ولن تنتهي نضالات الطبقة العاملة طالما يحكمنا رأس المال بوحشيته واستغلاله. وفي النهاية توجه أسرة “أوراق اشتراكية” تحية خالصة إلى العمال الشرفاء في مصنع “المصابيح الكهربية”، ونشد على أيديهم ليستمروا في نضالهم ضد القهر والاستغلال. فالتجربة تقول أن الحقوق لا تسترد إلا من خلال نضال أصحابها في سبيلها. وتجربة عمال مصنع “المصابيح” تعلمنا شيئًا: أن المجتمع لا يحتاج إلى رأسماليين! تجربتهم تصفع هؤلاء الذين يدعون أنه بدون ملكية خاصة وبدون استغلال رأسمالي لا يمكن لعجلة الإنتاج أن تدور!! ولا يمكن للحضارة أن تستمر!! تجربتهم تثبت أن الرأسماليين أمثال الشريف، وعلاء السيد، ورامي لكح ليسوا إلا طفيليات اجتماعية، علينا أن نلقي بهم في مزبلة التاريخ، وأن الطبقة العاملة قادرة – بدون رأسماليين – على إدارة الإنتاج وصنع التقدم.

ونحن ندعو جميع الشرفاء المدافعين عن حقوق العمال والفقراء في هذا البلد إلى التضامن مع عمال “المصابيح” وجميع العمال الذين يواجهون أنياب الرأسمالية. كذلك نحن ندعو جميع العمال الذين مروا أو يمرون في مصانعهم بتجارب مماثلة – على سبيل المثال: شركة السامولي في المحلة حيث تم فصل 15 عامل دفعة واحدة، وشركة الأهرام للمشروبات بالشرقية حيث فصل 250 عامل، وشركة الأسمنت، وغيرهم الكثيرين – أن ينضموا إلينا لنكون جبهة واحدة قوية ضد بطش رأس المال واستغلاله.