بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

قبل أن يتكلم نور

عن نور عاشور، موظف شركة “تيلي بيرفورمانس” الذي تُوفي إثر إلقاء نفسه من الدور الثالث لمقر عمله منذ أيام قليلة، بعد معاناته من ضغوط العمل وضيق الحياة، يأتي هذا المقال مغلفًا بغاية الأسف.

أسفٌ لنور الذي ما عرفته إلا بعد الحادث الأليم.

أسفٌ لزملائه الذين شهدوا موتهم بوفاته.

أسفٌ لنفسي ولكل من يلقى ما لقى نور؛ فما نحن –العاملون بأجر– إلا أنوارٌ مؤجلة.

أما لأسرته؛ فلا شيء يُكتَب.

وقبل أن يُحال ملف نور عاشور إلى إحدى قنوات النسيان في مجتمعنا، أي قبل أن يتناوله المتخصصون بعلم الإدارة والموارد البشرية من حيث أن الأزمة أزمة قيادة وتدريب. وقبل أن يتناوله آخرون من حيث كون المسألة مسألة أخلاقية وأن مزيدًا من الرحمة كانت لتنقذ الموقف، وقبل أن يتناوله العارفون بقوانين العمل والتعويضات –وكله جهد مشكور في محله– وقبل حتى أن يتكلم نور –افتراضًا– ليشكو همَّه وما وجده في العمل، نحاول هنا أن نسيطر على انفعالنا بالحادث الأليم وأن نجيب على سؤال “ما الذي قتل نور؟”.

للإجابة عن هذا السؤال، نطرح فكرتين أساسيتين يعيشهما كل عامل بأجر ويختبرهما بشكل يومي وإن لم يجد لهما تعريفًا في وعيه: الأولى هي الاغتراب، والثانية هي الاستغلال.

الاغتراب
ربما يحتاج الأمر لكتاب أو أكثر لنفهم ما يقصده كارل ماركس بالاغتراب، وباختصار نقول إن الاغتراب هو عدم امتلاك ولا سيطرة العامل على وسائل إنتاجه؛ فينتهي به الأمر غريبًا عن بيئة عمله ومجتمعه بل وغريبًا عن نفسه. تخيَّلوا معي فتاةً تعمل في مصنع لإنتاج فساتين الزفاف، ويوم عرسها لم تجد سوى اقتراض فستان من صديقة أو جارة ترتديه في هذه المناسبة الهامة، أو أن مهندسًا يشيِّد وزملاؤه عشرات البنايات السكنية ثم يذهب آخر يومه لمسكنه الذي لا يصلح مخزنًا حتى. إن ما تشعر به فتاة المصنع ومهندس البنايات من ضيق وعدم قدرة على تلبية احتياجاتهم الناتج عن عدم التحكم في إنتاجهم هو الاغتراب.

الاغتراب إذًا هو منبع ذلك الضيق والحرمان رغم الكد والإحساس بالجري في المكان وأن كل جهد إلى لا هدف، هو تشوُّه النفس وكآبتها، هو حِمل نعيش به فوق أكتافنا ليثقلنا. الاغتراب هو ما صعد بنور إلى شرفة الدور الثالث.

الاستغلال
إذا طرحنا سؤالًا اقتصاديًا في الأوساط الأكاديمية يقول “من أين يأتي الربح؟” ستتعدد الإجابات. البعض سيجيبنا بشرح عن العرض والطلب وتكاليف الإنتاج، وربما يسترسل حتى يحدثنا عن يد خفية تضبط الأسعار، وحتى أن البعض سيعزي الأمر إلى ذكاء الرأسمالي وروحه المغامرة وصبره حتى تؤتي استثماراته عوائدها.

لكن ماركس يجيب بنظريته عن فائض القيمة، ويشرح أن فتاة المصنع –العروس– تتقاضى مثلًا أجرًا يوميًا يساوي 10 جنيهات، وتنتج في اليوم الواحد عدد 4 فساتين قيمة الواحد 10 جنيهات. أي أن الفتاة -إذ تعمل 8 ساعات يوميًا– تنجز قيمة أجرها خلال أول ساعتين فقط من العمل، لتذهب الساعات الست الباقية مباشرةً إلى جيب الرأسمالي. من هنا يأتي الربح، من استغلال قيمة ما فاض عن ما ينتجه العامل مقابل أجره.

ليس الأمر كذلك فحسب، يمضي ماركس لأبعد من ذلك ليوضح تفصيلًا أن ما يستثمره الرأسمالي في الأدوات والخامات ثابت، وأنه مع كل دورة لرأسمال يميل معدل الربح للانخفاض، فلا يجد الرأسمالي حينها سبيلًا لزيادة أرباحه سوى الضغط على أجور العاملين، فإما أن تتقاضى عروس المصنع أجرًا أقل من 10 جنيهات وإما أن تعمل أكثر من 8 ساعات. هذا إذًا مزيدٌ من الاستغلال، وهنا تأتي سخافة المديرين وجبروت المشرفين للضغط على العامل، وهنا نتلقى نحن العاملون بأجر مزيدًا من الضربات لاستخلاص مزيدٍ من الأرباح منا. الاستغلال هو من دفع نور من شرفة الدور الثالث.

إن مقالًا واحدًا لا يتسع للحديث عن فكرتين مركزيتين في النظرية الماركسية، وأدعو القارئ أن يستزيد منهما قراءةً؛ فالمبحثان ممتعان في تناول تجارب يومية قاسية.

نعود الآن لسؤالنا الأول: من قتل نور؟

إن كل عامل بأجر هو مكافح في المجتمع الرأسمالي، وخصوصًا في مجتمع مثل المجتمع المصري وبيئة العمل المصرية، وفي ظل هذه الدولة المصرية التي تحمي مصالح رجال الأعمال في اعتصار العمال. والاغتراب هو ما يحمله ذلك المكافح فوق كتفيه؛ يثقله ويثقل روحه ويشوِّه إنسانيته. ثم يأتي الاستغلال كضربات متلاحقة يتلقاها المقاتل العامل بأجر. ولا سبيل لانتهاء هذه الحالة إلا بأحد ثلاثة أمور.

إما الاستكانة وتحمُّل مزيدٍ من ثِقل الاغتراب وتلقّي مزيدٍ من ضربات الاستغلال حتى حين، وإما أن نعي جميعًا خطورة الحِمل ومن أين تأتي الضربات، فنهب لننفض عن أنفسنا اغترابًا لا طاقة لنا به وندافع عن أنفسنا ضد ضربات رأسمالية ممنهجة، وإما اختيار ثالث ما كان نور ليختاره في هذا المجتمع ولا في هذا الزمن.