بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

طيارين مصر.. الأوضاع المُتردية لعمال التوصيل في مصر

مقدمة
نمت شركات الخدمات اللوجستية التي تعتمد على تطبيقات الهواتف الذكيَّة (توصيل الطلبات عبر الإنترنت) بسرعة في السنوات الأخيرة، مما أدى إلى تحول جذري في نمط هذه الخدمات الحضرية التي تعتمد على التقنية في تنفيذ عملياتها بوجود نمط شبه أوتوماتيكي في تلقي الطرود وتنفيذها من قبل الأطراف المختلفة في العملية. ونمت الشركات التي تنشط فيها هذه النوعية من المجالات فأصبحت تُغطّي طيف واسع مثل خدمات توصيل الطعام وخدمات البريد السريع وخدمات توصيل البقالة وخدمات التسليم عند الطلب ومنصات تسليم التجارة الإلكترونية وغيرهم. وتعتمد هذه الشركات عادةً على شبكة من المقاولين المستقلين أو الموظفين الذين يستخدمون سياراتهم (أو دراجات هوائية ونارية) الخاصة لإجراء عمليات التسليم أو ما أصبح يعرف في هذا المجال بالطيارين.

في شركات التقنية، تُعتبر الفجوة في المزايا والظروف بين العمال غير التقنيين (مثل عمال التوصيل والخدمات المعاونة والتعبئة والتغليف) والموظفين التقنيين (مثل المهندسين والمبرمجين) تجسيدًا للا مساواة. الموظفون التقنيون غالبًا ما يتمتعون بحزم رواتب تنافسية وخطط مكافآت سخية وفرص للتطور الوظيفي وتأمين صحي شامل وأحيانًا أسهم في الشركة.

على الجانب الآخر، العمالة غير التقنية غالبًا ما يُنظَر إليهم كجزء هامشي ويعملون وفق نماذج عمل غير مستقرة مثل العمل الحر أو العقود المؤقتة أو من خلال خدمات التعهيد. هذا يعني أنهم غالبًا ما يفقدون الاستقرار الوظيفي ولا يحصلون على نفس المستوى من المزايا الصحية أو التقاعدية. فضلاً عن ذلك، يمكن أن يتقلِّب دخلهم بشكل كبير استنادًا إلى عدد الساعات التي يعملون بها وعدد العمليات التي ينفذونها.

لا تتلقَّى العمالة غير التقنية غالبًا التدريب والتطوير المهني الذي يمكن أن يعزز مهاراتهم ويفتح أمامهم فرصًا وظيفية جديدة. في حين أن المهندسين والمبرمجين يُشجَعُون على حضور الدورات التدريبية والمؤتمرات التقنية التي تُعزز معرفتهم وتُحافظ على مهاراتهم محدَّثة مع التطورات الأخيرة في مجالهم.

هذه الورقة تتناول وضع عمال التوصيل كمثال على وضع العمالة غير التقنية في شركات الخدمات اللوجستية التي تعتمد على التكنولوجيا. مع التركيز على الشركات التي تقدم خدمات توصيل الطعام (مثل طلبات والمنيوز) والبقالة (مثل انستا شوب وبريدفاست) والتجارة الإلكترونية (مثل أمازون وجوميا) والتوصيل حسب الطلب (مثل مرسول).

وتبدأ الورقة أولًا بشرح كيفية عمل تطبيقات التوصيل، ثم نتناول شكل العمل في شركات توصيل الطلبات ومركزية عمل عُمَّال التوصيل فيها، ومن ثم ننتقل إلى نقاش أوضاع عملهم السيئة وأكثر المشاكل التي يواجهونها.

1. كيف تعمل تطبيقات التوصيل
تعتمد عملية التوصيل بشكل كامل على المنصَّة التي تُقدِّمها شركات الخدمات اللوجستية التي تعتمد على التكنولوجيا، والتي سنُشير لها في هذه الورقة بـ(شركات التوصيل). هذه المنصة تربط بين المشتري (المستخدم/العميل) والبائع (محل البقالة أو المطعم مثلا) وعامل التوصيل ويكون ذلك بواسطة تطبيقات مُخصَّصة لكل طرف من الأطراف الثلاثة تربط بينهم جميعًا البنية التحتية للمنصَّة. فتبدأ العملية عندما يقوم المشتري، الذي يبحث عن سلعة أو خدمة، باستخدام التطبيق المُخصَّص للمستخدمين لتصفح مختلف الخيارات المُقدَّمة من البائعين المشتركين في المنصة. وبعد أن يختار المشتري ما يريد، يُضِيف السلع إلى سلَّة التسوّق الافتراضية ويختار طريقة الدفع (دفع رقمي أو عند الاستلام) من خلال طرق الدفع المتعددة التي توفِّرها المنصَّة.

ما أن يتم تأكيد الطلب من قبل المشتري، يُرسَل إلى البائع المعني، الذي يستخدم تطبيقاً مُخصَّصاً لإدارة الطلبات الواردة. يُراجع البائع الطلب ويُجهّزه للتوصيل. في هذه الأثناء، تعمل منصة التطبيق على تحليل الطلبات المُستلَمة وتحديد عامل التوصيل المناسب بناءً على عدّة عوامل مثل الموقع الجغرافي للبائع وعمال التوصيل المتاحين.

بمجرد تحديد عامل التوصيل المناسب، تُرسِل المنصَّة إشعار إلى تطبيقه الخاص يحوي كل التفاصيل اللازمة لاستلام الطلب من البائع وتوصيله إلى المشتري. يتضمَّن هذا الإشعار عنوان البائع وتفاصيل الطلب وعنوان المشتري بالإضافة إلى أي معلومات أخرى قد تساعد في عملية التوصيل.

يتوجّه عامل التوصيل إلى البائع لاستلام الطلب، ومن ثم يستخدم الخرائط والتوجيهات الموجودة في التطبيق الخاص به للوصول إلى عنوان المشتري. عند الوصول، يقوم بتسليم الطلب ويستخدم التطبيق لتأكيد عملية التوصيل.

تعتمد هذه العملية بشكل كبير على التكامل الفعّال بين الأنظمة التكنولوجية للتطبيقات الثلاثة وعلى تبادل البيانات في الوقت الفعلي، مما يسمح بتقديم تجربة قابلة للتنفيذ في أقل وقت ممكن.

2.1 كيف تربح الشركات المالكة لمنصات التوصيل؟
شركات التوصيل تعتمد على مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات لتحقيق الإيرادات. على سبيل المثال لا الحصر؛ رسوم التوصيل، حيث يدفع العملاء مبلغًا للحصول على منتجاتهم في مواقعهم المختارة. تُحدّد قيمة هذه الرسوم استنادًا إلى المسافة التي يتوجب قطعها للتوصيل. كما تحصل المنصَّة على عمولات من المتاجر والمطاعم جراء كل عملية بيع تتم بواسطتها، وتُعدّ هذه العمولات مصدر دخل رئيسي.

تلعب الإعلانات دورًا مهمًا في النموذج الاقتصادي لهذه الشركات، عن طريق توفير مساحات إعلانية ضمن تطبيقاتها ومواقعها الإلكترونية، وتمنح شركات التوصيل الفرصة للبائعين لزيادة وصول منتجاتهم وخدماتهم لعملاء أكثر. أيضًا يُعدّ التسعير الديناميكي أيضًا جزءًا من استراتيجيات ربح شركات التوصيل، حيث تُعدّل الأسعار وفقًا للعرض والطلب، خاصة في أوقات الذروة. وقد تسعى هذه الشركات أيضاً لتحقيق الإيرادات عبر تقديم خدمات مضافة كالتوصيل السريع أو تغليف الهدايا، والتي تأتي عادة مقابل رسوم إضافية. من ناحية أخرى، تستفيد شركات التوصيل من البيانات التي تجمعها في تحسين خدماتها أو بيعها كتحليلات سوقية لأطراف ثالثة، مما يعود بالنفع المادي.

على الرغم من التطورات التكنولوجية والتوسع السريع في نطاق خدمات هذه المنصات، تظل رسوم التوصيل العمود الفقري لنموذج أعمالها.

3.1 العمل في شركات التوصيل
في النظام البيئي لشركات التوصيل، تُمثِّل القوى العاملة نسيجًا من الأدوار المتنوعة، يتفاعل كل منها مع المفاهيم الاقتصادية المهمة مثل وسائل الإنتاج وديناميكيات العمل وخلق القيمة الفائضة وتخصيصها. يتطلب فهم هذه المكونات إلقاء نظرة فاحصة على أنواع الوظائف المختلفة وصلتها بالهيكل الاقتصادي للشركة.

الموظفون داخل شركات التوصيل هم عبارة عن مزيج من الأفراد العاملين في جوانب متعددة من عمليات الشركة. يعمل موظفو التوصيل بمثابة العمود الفقري لتنفيذ الخدمة، حيث يقومون بنقل البضائع فعليًا إلى العملاء. وفي الوقت نفسه، يضمن مطوري البرامج ومحللي البيانات وفرق دعم تكنولوجيا المعلومات أن البنية التحتية الرقمية قوية وموثوقة. ويُعدّ وكلاء دعم العملاء بمثابة الخط الأمامي للشركة في التفاعل مع العملاء وموظفي التوصيل ومعالجة المشكلات وتسهيل الحلول. وفرق التسويق والمبيعات هي محركات النمو، حيث تركز على ترويج العلامة التجارية واكتساب العملاء، بينما يضمن مديرو العمليات والخدمات اللوجستية التدفق السلس للسلع من خلال التخطيط الاستراتيجي والإدارة اليومية. ويدعم الموظفون الإداريون السلامة الهيكلية للشركة من خلال إدارة الموارد البشرية والشؤون المالية والقرارات التنفيذية.

يمكننا أن نُحدِّد وسائل الإنتاج في نمط شركات التوصيل على أنها تشمل الأصول التكنولوجية والمادية اللازمة لتقديم الخدمات. ويشمل ذلك منصات التكنولوجيا مثل تطبيقات الهاتف المحمول وأنظمة البرامج والمساحات المكتبية والمعدات وأسطول النقل – والتي غالبًا ما يملكها موظفو التوصيل أنفسهم. كما تُشكِّل الملكية الفكرية -مثل خوارزميات الملكية والعلامات التجارية- أيضًا عنصرًا حيويًا في ترسانة إنتاج الشركة.

2. مركزية عُمَّال التوصيل في عمل شركات التوصيل
على الرغم من أهمية المنصة والتطبيقات الثلاثة في خلق ظروف للتبادل والاستهلاك وتمهيد الطريق للأطراف المشاركة في سلسلة القيمة، إلاَّ أن المنصة والتطبيقات لا تُولِّد قيمة فائضة من تلقاء نفسها. إذا لم تُسلَّم البضائع، تظل الخدمة غير مكتملة وتضيع القيمة المحتملة.

عُمَّال التوصيل هم الركن الأساسي في صناعة الخدمات اللوجستية، حيث يُعدُّون الواجهة الأساسية للشركة أمام العملاء، متفاعلين معهم مباشرةً ومعبرين عن قيم الشركة ومعاييرها من خلال جودة الخدمة المُقدَّمة والتفاعل الشخصي. أداؤهم يؤثِّر بشكل مباشر على سمعة الشركة ومصداقيتها، فالتأخير أو التعامل غير المهني يُمكِن أن ينتج عنه تجارب سلبية تضر بالعلامة التجارية، في حين أن دقة التوقيت وحفظ حالة السلعة هما محوريان لرضا العملاء وتحقيق القيمة التبادلية الكاملة للمنتجات. كما أن تحسين الكفاءة التشغيلية هو جزء لا يتجزأ من القيمة التي يُضِيفها عمال التوصيل، فهم يمثلون حلقة رئيسية في دائرة الابتكار والتحسين المستمر من خلال ملاحظاتهم القيمة التي تساعد في تطوير العمليات والتقنيات.

ويكون دورهم الرئيسي في تحقيق القيمة التبادلية للسلع هو الأكثر وضوحًا في مركزيتهم، فعمال التوصيل يقومون بتحويل الخدمة -ماديًا- من خدمة محتملة إلى خدمة فعلية بواسطة التسليم المادي. إن خطوة التسليم هي التي تتحقق فيها القيمة التبادلية للمنتج حيث يُصبِح سلعة مستهلكة، أي أنها العملية الأساسية لتوليد فائض القيمة.

ومع ذلك، وعلى الرغم من دور عمال التوصيل المحوري في تحقيق القيمة، فإن عمال التوصيل غالبًا ما يكون لديهم الحد الأدنى من السيطرة على ظروف عملهم. إن فائض القيمة الذي يُولِّدونه من خلال عمليات التسليم، التي تكمل الخدمة وتحقق قيمتها، يتم الاستيلاء عليها من قبل الشركة مالكة المنصة.

يعمل عمال التوصيل في ظروف صعبة للغاية، وتطرح تساؤلات جادة حول العدالة والاستدامة في نموذج عملهم، وتُظهِر الحاجة المُلحَّة لإعادة النظر في التشريعات العمالية وحماية حقوق العمال في هذا القطاع المتنامي.

3. الأوضاع المتردّية لعمال التوصيل
في إطار تحديد أوضاع عمال التوصيل، فقد جُمِعَت المعلومات المتعلقة بأوضاع العمل المُتردّية التي يواجهونها بواسطة التواصل المباشر مع مكاتب توظيف هؤلاء العمال، وتحليل المحتوى المنشور في المجموعات الإلكترونية المُخصَّصة لعمال التوصيل، بما في ذلك الشكاوى والتعليقات المتوفرة على الإنترنت، والتي تعد مصدرًا غنيًا ومتنوعًا للمعلومات. هذه الطريقة في جمع البيانات أتاحت فهمًا معمقًا للظروف المهنية والمعوقات التي تواجه هؤلاء العمال يوميًا.

1.3 انعدام الأمن الوظيفي لعمال التوصيل
تتبنى العديد من شركات توصيل الطلبات (نموذج التعهيد) هذا النموذج الذي يتميز بتفكك الرابطة التقليدية بين العامل والمؤسسة التي يُقدِّم لها خدماته. تعتمد هذه الشركات على التعهيد الخارجي، حيث تقوم بالتعاقد مع مكاتب توظيف تتولى بدورها استقطاب عمال التوصيل وتوظفهم تحت لوائها. هذه الطريقة تتيح لشركات التوصيل التنصُّل من الالتزامات المرتبطة بالتوظيف المباشر، مثل توفير الحماية الاجتماعية أو الأمان الوظيفي. وترتب على ذلك العديد من المشاكل، يُمكِن الإشارة إلى أهمها فيما يلي:

l مكاتب التوظيف التي تُعيِّن عمال التوصيل لا توفِّر أي نوع من الحماية الاجتماعية لهم. الغالبية العظمى من عمال التوصيل يعملون بدون عقود عمل مُحدَّدة الشروط، أو في أفضل الحالات، تُوقَّع عقود عمل صورية ومؤقتة لا تتعدى سنة واحدة، مما يتركهم في حالة من عدم الاستقرار الوظيفي والشكوك حول مستقبلهم المهني.

l على الرغم من أن طبيعة العمل تحمل العديد من المخاطر المرورية والعملية، فإنهم يفتقدون للتغطيات التأمينية الشاملة. بعض الشركات قد توفِّر تأمينًا محدودًا ضد الحوادث لكن حدّه غالبًا لا يكون كافياً في حالة الحوادث، ولا يوجد أي شكل من أشكال التأمين الاجتماعي أو الصحي.

l لا يحظى عامل التوصيل بمرتب شهري ثابت يضمن دخلًا منتظمًا، بل يتقاضى مقابلًا عن كل عملية توصيل يُنجِزها، ويتأثر هذا المقابل بشكل كبير بالطريقة التي تدير بها شركة التوصيل سياساتها المالية. هذا الأسلوب يخلق حالة من عدم الاستقرار المالي للعامل، حيث يصبح دخله رهينًا لعدد الطلبات التي يُمكِنه توصيلها والتي قد تتأثر بعوامل خارجة عن إرادته.

l يُقسَّم عمال التوصيل على (مستويات) عادة ما تكون 3 مستويات، كل مستوى يختلف في المقابل المادي الذي يتلقّاه العامل نظير كل عملية توصيل. ويتنقل عمال التوصيل بين هذه المستويات- صعودًا أو هبوطًا- بناء على التقييمات وعدد عمليات التوصيل التي يقوم بتنفيذها. وكلما زاد المستوى زاد المقابل الذي يحصل عليه نظير كل عملية، الأمر الذي يحفزهم على العمل لساعات طويلة وبكثافة عالية للحفاظ على مستواهم أو الارتقاء به.

l تتراوح ساعات العمل المعتادة للعامل بين 8 إلى 12 ساعة يوميًا، ويُمنح العمال حرية اختيار وردياتهم، غير أنهم لا يتمتعون بوقت مُخصَّص للراحة. فالالتزام بالمواعيد يُعد جزءًا حاسمًا من العمل، حيث أن أي تأخير عن موعد الوردية التي يختارها العامل يؤدي إلى تدني مستوى العامل وبالتالي انخفاض المقابل المالي لكل عملية، أو حتى الحرمان المؤقت من الحصول على أي طلبات.

l كما تطلب الشركات أو المكاتب من عمال التوصيل التوقيع على إيصالات أمانة بمبالغ مالية كبيرة تضمن حسن تنفيذهم للعمل وتسليم الحصيلة المالية للمنتجات الموصّلة. هذا الإجراء يضع العامل تحت ضغط مالي مستمر ويشكل عبئاً إضافيًا.

l عادة ما يتلقى عمال التوصيل رواتبهم أسبوعيًا، إلاَّ أنه من الملاحظ تأخر مواعيد القبض دائمًا، ويظهر ذلك في شكاوى العمال المستمرة في مجموعاتهم على الإنترنت.

2.3 العامل يشتري كل أدواته
في حين أن الوظائف التقنية والإدارية في شركات التوصيل يتمتع عاملوها بالعديد من الميزات مثل الرواتب الثابتة المرتفعة والاجازات المدفوعة والتأمين الصحي والتأمين الاجتماعي وفرص التطور المهني، وفي بعض الأحيان مزايا مجانية مثل اشتراكات صالات الألعاب الرياضية وتسهيلات في الحصول على خدمات بنكية وقسائم شراء. إلاّ أننا نجد عمال التوصيل يتحملون عبئًا كبيرًا من المسؤوليات المالية واللوجستية المتعلقة بعملهم.

حيث تفرض عليهم الشركات أو مكاتب التوظيف تحمل تكاليف الأدوات والمعدات الرئيسية اللازمة لأداء الخدمة، بدءًا من وسيلة الانتقال وصولاً إلى الزي الرسمي وأدوات السلامة. في هذا الإطار يُمكننا الإشارة إلى ما يلي:
l يُعدّ توفير وسيلة الانتقال لتوصيل الطلبات من أبرز التحديات التي يواجهها عمال التوصيل. لا توفر الشركات أو مكاتب التعهيد أي نوع من الدعم فيما يتعلق بالمركبات، سواء كانت سيارات أو دراجات نارية أو هوائية. يُطلب من العامل أن يأتي بوسيلة نقله الخاصة. هذه السياسة تفرض ضغوطًا مالية على العامل، وخاصةً إذا كان حديث العهد بالعمل وغير قادر على تحمل تكاليف شراء أو استئجار وسيلة نقل.

l إضافة إلى تكلفة وسيلة الانتقال، يُفرض على عمال التوصيل شراء الزي الرسمي الذي يحمل شعار شركة التوصيل. ويتضمن هذا الزي (عادةً تيشرت أو جاكت) يتعين على العامل ارتداؤه أثناء العمل ليكون معرفًا بشكل واضح كممثل للشركة. على الرغم من أن هذه الملابس تعمل كأدوات تسويقية للشركة، إلا أن العامل هو من يتحمل تكلفتها.

l كما يُطلب من عمال التوصيل شراء صندوق التخزين الذي يستخدموه لحفظ ونقل السلع. هذا الصندوق، الذي يُثبَّت عادةً على الدراجات النارية أو الهوائية، يحمل أيضًا الشعار واسم الشركة. ويُعدّ شراء الصندوق تكلفة إضافية يتحملها العامل بالرغم من كونه جزءًا أساسيًا من تجهيزات العمل التي تستفيد منها الشركة للحفظ السلع بأمان أثناء التوصيل.

l ونظرًا لأن عملية التوصيل والعمل يعتمد بالكامل على الهواتف الذكية، فعامل التوصيل أيضًا يتحمل تكلفة شراء هاتف ذكي ومصدر طاقة (Power Bank) بالإضافة إلى تكاليف الإنترنت والاتصالات.

3.3 التنظيمات النقابية والمفاوضات الجماعية
إن التحديات التي تواجه عمال التوصيل في اقتصاد الوظائف المؤقتة المتعددة الأوجه، تنبع إلى حد كبير من تصنيفهم كمقاولين مستقلين وليس كموظفين تقليديين. ويحرمهم هذا التصنيف من الحماية والحقوق الممنوحة عادة للعمال، بما في ذلك الحق في الانضمام إلى النقابات والمشاركة في المفاوضات الجماعية. ونتيجة لذلك، غالبًا ما يجد عمال التوصيل أنفسهم تحت رحمة سياسات الشركات وهياكل التعويضات، والتي يمكن أن تتغير دون إشعار أو تفاوض.

يجد عمال التوصيل، المرتبطون بأصحاب عملهم عبر التطبيقات والخوارزميات، أنفسهم في بيئة عمل حديثة حيث يكون عملهم فرديًا للغاية. إن الافتقار إلى مكان عمل مركزي والطبيعة الانفرادية لأدوارهم والتشتت المادي عبر مناطق جغرافية شاسعة يجعل من الصعب تكوين اتصالات مع زملائهم العمال ويعيق تطوير الهوية الجماعية والتضامن اللذان يُعدّان ضرورة للتنظيم النقابي التقليدي.

بالإضافة إلى ذلك، فإن معدل الدوران المرتفع في اقتصاد الأعمال المؤقتة – حيث ينظر الكثيرون إلى أعمال التوصيل باعتبارها وظيفة مؤقتة أو انتقالية- يُقوِّض العمل الجماعي المستدام. إن العمال الذين يدخلون ويخرجون باستمرار من اقتصاد الوظائف المؤقتة ليس لديهم حافز كبير للانخراط في جهود تنظيمية طويلة المدى. وتؤدي الطبيعة العابرة لهذه القوى العاملة إلى نقص المُنظِّمين ذوي الخبرة الذين يمكنهم بناء حركة والحفاظ عليها.

إن استخدام التكنولوجيا المتطورة من قبل شركات التوصيل لا يقتصر على تنظيم لوجستيات العمل فحسب، بل يعمل أيضًا كحاجز أمام التنظيم الجماعي. يمكن للتطبيقات التي توزِّع الوظائف وتدير المدفوعات أيضًا مراقبة سلوك العمال وربما معاقبة أولئك الذين قد يسعون إلى التنظيم. ويصبح العمال تابعين للمنصة، حيث تمارس الشركات سيطرتها ليس فقط على عملهم، بل وأيضاً على قدرتهم على المقاومة أو التفاوض.

4.3 عزلة اجتماعية وظروف عمل قاسية
يواجه عمال التوصيل في كل يوم تحديات شاقة في بيئة عملهم. من بين هذه التحديات ساعات العمل الطويلة والممتدة التي يتوجب عليهم قضاؤها لتلبية توقعات العملاء بالحصول على خدمات توصيل سريعة. وتؤدي هذه الساعات الطويلة إلى إرهاق جسدي ونفسي كبير للعمال، ونادرًا ما يُعوضون بشكل مناسب عنها. ويُطلب من عمال التوصيل العمل في أجواء جوية متقلبة وأحيانًا قاسية سواء كانت الحرارة شديدة أو الأمطار غزيرة أو البرد قارسًا، يُتوقع منهم أن يؤدوا مهامهم بنفس الكفاءة والسرعة.

أيضا عمال التوصيل يجدون أنفسهم في مواجهة مستمرة مع المخاطر الجسدية، وأبرزها حوادث السير. وتحت ضغط التسليم السريع والالتزام بجداول زمنية مٌحكَمة، قد يجد العمال أنفسهم يقودون لساعات طويلة دون استراحات كافية، مما يزيد من خطر التعب وانخفاض التركيز أثناء القيادة. هذه الظروف تجعل الحوادث المرورية أكثر احتمالاً، وهي تشكل خطراً جسيماً على سلامة العمال وصحتهم.

يتجاوز الخطر الذي يواجهه عمال التوصيل الإصابات الناجمة عن الحوادث فحسب، إذ تمتد المخاطر لتشمل تهديدات تعرضهم لجرائم، فقد يطلب منهم تسليم الطرود ذات قيمة عالية، مما يزيد من جاذبيتهم كأهداف للسرقة أو والاعتداء. يجد العمال أنفسهم في أحيان كثيرة يعملون في ساعات متأخرة من الليل أو في مناطق نائية أو غير آمنة، مما يعرضهم لخطر الوقوع ضحية لهذه الجرائم. كما أن الطبيعة الفردية لعملهم تعني أنهم في الغالب يواجهون هذه المخاطر وحدهم، دون وجود دعم فوري أو حماية.

عمال التوصيل يقضون جزءًا كبيرًا من يومهم في الانتقال بين نقاط التسليم المختلفة، وهم في معظم الأحيان يعملون بمفردهم. هذه الطبيعة المنفصلة لعملهم قد تؤدي إلى شعورهم بالعزلة، حيث تقتصر تفاعلاتهم الاجتماعية على التبادلات السريعة والسطحية مع العملاء أو الموظفين في المستودعات. النقص في التواصل البشري العميق والمستمر يمكن أن يكون له تأثير سلبي على الصحة النفسية والاجتماعية للعمال.

يلعب نظام التقييم والتصنيف دورًا حاسمًا في تحديد دخل عمال التوصيل واستمرارهم في العمل. العملاء مدعوون بعد كل عملية توصيل إلى تقييم الخدمة، وهذه التقييمات تؤثر بشكل مباشر على فرص العمال في الحصول على المزيد من الطلبات وبالتالي تأمين دخل أفضل. هذه التقييمات تُمثِّل مصدر قلق كبير لعمال التوصيل، خاصةً عندما لا تعبر بشكل دقيق عن جودة العمل الذي يقدمونه. فقد لا تأخذ التقييمات في الاعتبار العوامل الخارجة عن إرادتهم مثل تأخيرات الطرق ومشاكل التوصيل بسبب أخطاء العناوين من العملاء أو حتى بسبب الظروف الجوية القاسية.

خاتمة
هذه الورقة تكشف أن شركات التوصيل تمزج بين الجوانب التقنية واللوجستية في عملياتها، ما يجعل تصنيفها في إطار واحد تحديًا بحد ذاته. ويتضح أن الشركات المالكة تربح من خلال نماذج أعمال متنوعة تعزز من المرونة والقدرة على التكيف في سوق متغير. ويقف عمال التوصيل في قلب هذا النموذج العنصر الأساسي الذي تقوم عليه هذه الصناعة. وعلى الرغم من أهميتهم، فإن الأوضاع المتردية التي يعملون بها وانعدام الأمن الوظيفي الذي يواجهونه وضرورة شراء الأدوات اللازمة لعملهم من أموالهم الخاصة، تشير جميعها إلى وجود توازن مختل في نظام يستفيد من عملهم دون توفير الدعم الكافي.

تبرز الحاجة إلى التنظيمات النقابية والمفاوضات الجماعية كوسيلة لسد الفجوات في الحقوق والحماية لهؤلاء العمال. يجب أن تكون هذه الجهود متعددة الجوانب، تشمل تحسين ظروف العمل وتقديم شبكة أمان اجتماعية للحد من العزلة والقسوة التي يواجهونها.

وبينما نتجه نحو مستقبل يزداد فيه الاعتماد على التقنيات اللوجستية، لا بد من إعادة النظر في السياسات والأطر التنظيمية لضمان أن تطورات هذا القطاع لا تأتي على حساب العمال الذين يشكلون حجر الزاوية فيه.