بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

“صناعة الغزل والنسيج”.. التطوير بين الماكينات الحديثة وحقوق العمال

احتفى الكثيرون بإضراب عاملات مصانع الملابس عن العمل، الذي بدأ الخميس الماضي ولا يزال جاريًا، احتجاجًا على استثناء شركة غزل المحلة، ضمن قطاع الأعمال التي تتبعه، من قرارات السيسي الأخيرة برفع الحد الأدنى للأجور إلى 6 آلاف جنيه.

قد يحمل هذا الاحتفاء نوعًا من الحنين إلى الماضي، عندما كانت نضالات عمال غزل المحلة مركزًا لقيادة وتطوير الحركة العمالية في مصر، بانتزاع هؤلاء العمال الحق في الإضراب، بل وفي بلورة مطلب الحد الأدنى للأجور لكل عمال مصر، في فبراير 2008، كمطلب عام للطبقة العاملة المصرية.

يأتي الاحتفاء هذه المرة في سياق مختلف كثيرًا، فالقبضة الأمنية التي انتهجها نظام عبد الفتاح السيسي كان لها بالغ الأثر في تراجع الحركة العمالية، والتي بدورها فتحت الباب واسعًا لسحق العاملين بأجر، وتمرير سياسات اقتصادية مدمرة أحالت الحياة اليومية إلى كابوس يومي مرعب في توفير أدنى متطلبات المعيشة، من هنا يأتي إضراب عمال المحلة كبشارة وحدثٍ مركزي في ظل هذه الأوضاع التي لا تُحتَمل.

احتقان الشارع
هذا ما يؤكده أحد عمال غزل المحلة في حوار أجرته معه بوابة الاشتراكي في وقتٍ سابق من الشهر الجاري. قال العامل “حسين” (اسم مستعار) إنه سُئِلَ من عاملٍ في أحد القطارات التي استقلها قريبًا “انتوا في المحلة مش ناويين تعملوا إضراب أو حاجة؟”. كان الدافع وراء السؤال هو ضرورة الرد على الأوضاع الاقتصادية المتردية وغلاء الأسعار، لكنه لم يكن مجرد دردشة قطار خلال رحلة سفر، بل يشير إلى نظرة الطبقة العاملة للنضالات التي قادها عمال المحلة في السابق، تلك النضالات التي كانت قاطرةً لعمال مصر في السنوات السابقة على إسقاط مبارك.

جاء هتاف عاملات المحلة “واحد اتنين، قرارات الريس فين” (إشارةً إلى مطلب الحد الأدنى للأجور الذي أقره السيسي) في وجه محافظ الغربية، الذي جاء ليحتفل بحضور أحد المعارض التي تنظمها الدولة، ليجبره الهتاف على المغادرة، ويلحق بوزير التموين الذي أجبره الأهالي أيضًا على المغادرة من معرض “أهلًا رمضان” بشبرا الخيمة قبل أيام، حين احتجوا على على ندرة السلع وزيادة أسعارها.

يشير ذلك إلى تكرار وقائع حصار مسئولي الدولة في المستقبل بالاحتجاجات على الأوضاع المعيشية، ومن ناحية أخرى، تعود المحلة من خلال هذا الشعار، الذي رفعته العاملات في الإضراب، لتعبر عن قطاع واسع من العاملين بأجر الذي لم يعرهم السيسي أي اعتبار في قراره الأخير برفع الحد الأدنى للأجور للعاملين بالقطاع الحكومي فقط.

ورغم أن قرار رفع الحد الأدنى للأجور يُعد قرارًا استباقيًا لامتصاص تداعيات قرار مُحتمل بخفض قيمة الجنيه المصري، بعد التفاهمات الأخيرة مع صندوق النقد الدولي، وتأثُّر قطاعات واسعة من المصريين بقفزات الأسعار ومعدلات التضخم غير المسبوقة، أثار القرار العديد من التساؤلات حول اقتصاره على العاملين بالقطاع الحكومي وغض الطرف عن عمال القطاع الاعمال والخاص.

يدرك النظام جيدًا مدى احتقان الشارع جراء الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة، وهو ما دفعه لهذا الإجراء الاستباقي، لضمان عدم انفجار الغضب بين العاملين بالقطاع الحكومي، بما يهدد بشل عمل جهاز إدارة الحكم. ورغم أن شركة مصر للغزل والنسيج تعود ملكيتها إلى الدولة، لا ينطبق قرار رفع الحد الأدنى للأجور عليها كونها تابعة لشركات الأعمال التي لا تشملها الموازنة العامة للدولة، وتتبع سياسة الرواتب بها قرارات المجلس القومي للأجور.

عمال المحلة وغيرهم.. لا حد أدنى للأجور
تختلف شركات القطاع العام عن شركات قطاع الأعمال، فوفقًا للقانون رقم 203 لسنة 1991 لابد أن تزيد حصة ملكية الدولة لشركات قطاع الأعمال عن 51%، وهو ما يُعرَف بقانون قطاع الأعمال، الذي تحولت بموجبه شركات قطاع الأعمال من تبعيتها للقطاع العام إلى وضع مختلف يسير وفقًا لقوانين أخرى، حيث تخضع شركات قطاع الأعمال والعاملون بها لقانون العمل الخاص رقم 12 لسنة 2003.

لايمثل هذا مجرد معضلة هيكيلية أو قانونية بعدم شمول قرار رفع الحد الأدنى للأجور عمال غزل المحلة، بقدر ما يشير إلى رغبة الدولة في تصفية العمالة بالشركة، وهو ما يشير إليه عامل المحلة “حسين”، بتوقف التعيينات بالشركة منذ سنوات، مما أدى إلى تقليص العمالة بخروج حالات المعاش أو الإصابة، فضلًا عن الاعتماد على الماكينات الحديثة التي لا تحتاج إلى عمالة كثيفة، وانتداب عدد من العمالة الحالية لتشغيل هذه الماكينات.

يقول حسين: “العمال الموجودين هما اللي بيقوِّموا المكان”. ويضيف أن العمال يتخوفون من تسريحهم كما حدث مع مصانع أخرى، ويضرب مثالًا بمصنع أسيوط للغزل والنسيج بعد تصفيته. ورغم أن العمال يحصلون على مرتباتهم “من البيت”، على حد قول حسين، يُعَد ذلك بمثابة حكمٍ بالموت على العمال. ففي ظل قفزات الأسعار تتآكل قيمة الأجور التي ستظل ثابتة، ومن غير المعقول أن يطالب العمال بزيادة أجورهم أو بالحوافز بعد تسريحهم، مع تضاؤل فرص الحصول على عمل آخر.

تصفية تحت مسمى التطوير
يشير حسين أيضًا إلى إغلاق بعض مصانع الغزل والنسيج الخاصة، فضلًا عن العديد من المحال التجارية، جراء الأزمة الاقتصادية، وهو ما يؤكده رئيس النقابة العامة للعاملين في غزل المحلة، في حواره مع صحيفة الشروق الشهر الجاري، بحصول بعض عمال الغزل والنسيج على رواتبهم وهم في بيوتهم، واعتبار ذلك حفاظًا على حقوقهم، متجاهلًا تردي القيمة الفعلية لهذه الرواتب، علاوة على عن تضاؤل فرص العمل.

لا ينفصل تهميش العمال في غزل المحلة ومحاولة التخلص منهم عن سياق ما تسميه الدولة بتطوير الصناعات وتدشين مراكز صناعية كبرى تعتمد على الآلات الحديثة. لقد رأينا ذلك في العديد من الصناعات مثل الجلود والأثاث وصناعة الغزل والنسيج، إلا أن هذا التطوير لم يكن لصالح الطبقات العاملة. وقد شهدت السنوات الأخيرة تخارج عدد كبير من العمال و”الصنايعية” من مجال الصناعة للعمل في قطاعات خدمية، بعد أن كان العمال يحرصون على توريث مهنتهم أو صناعاتهم للأبناء، وفي إطار تدشين مشروعات “أكبر حاجة”، لم تكن هذه المراكز الصناعية إلا وبالًا على الطبقة العاملة، بل أن تطوير هذه الصناعات بات اليوم محل شك في ظل الأزمة الاقتصادية الجارية في مصر.

وفي ظل تنامي الدور الاقتصادي للجيش، كان الجيش حاضرًا في هذا الاستحواذ على الكثير من الصناعات التي بات تطويرها مرتبطًا بتحقيق مصالح مباشرة له، على حساب الطبقات العاملة. وفي قطاع الغزل والنسيج، تحتاج الماكينات الحديثة إلى القطن قصير التيلة، وفي ضوء ذلك بدأ التعاون بين وزارتيّ قطاع الأعمال العام والزراعة والقطاع الخاص بالتعاون مع القوات المسلحة، لزراعة 10 آلاف فدان من الأقطان التي تناسب هذه الآلات الحديثة، وفقًا لما نشرته الهيئة العامة للاستعلامات في يناير 2023.

في هذا السياق يمكننا فهم نداء عمال وعاملات المحلة في إضرابهم الجاري حيث ذهبت قرارات السيسي الخاصة بزيادة الحد الأدنى للأجور بعيدًا وفقًا لخطة التخلص منهم.

حد أدنى للأجور.. لكل العاملين بأجر في مصر