بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

قراءة في الاحتجاجات الأخيرة

عمّال مصر.. هل عادوا إلى الخطوط الأمامية مجددا؟

في الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر الجاري، اجبر إضراب واعتصام عمال شركة نايل لينين جروب بالإسكندرية، الإدارة ومسؤولي وزارة القوى العاملة على الاستجابة لـحزمة من المطالب.

الإضراب استمر يومين واندلع احتجاجا على وفاة رضيعة بين ذراعي أمها العاملة داخل المصنع.

وقال العمال إن الأم -التي لم يمضِ على عودتها من إجازة الوضع سوى عشرة أيام- توجهت للشركة لطلب إجازة وهي تحمل طفلتها المريضة، حتى لا يتم حرمانها من الحافز، ولكن إدارة المصنع تباطأت ومنعتها من الخروج عدة ساعات كانت كفيلة، بتدهور حالة الرضيعة ووفاتها قبل الذهاب للمستشفى.

وعلى الفور طوقت قوات الأمن المنطقة الحرة، وجرى توقيف عاملين لفترة وجيزة، بينما حاولت الإدارة فرض “فترة تهدئة” عبر إرسال جميع العمال إلى منازلهم. لكن الخطوة جاءت بنتائج عكسية؛ إذ عاد العمال جماعيًا لمواصلة الإضراب، واختاروا مفاوضين منهم بجانب النقابة، وانتزعوا التزامات بفتح تحقيق، وصرف تعويضات، وتعديل أنظمة الأجور والإجازات.

وبحلول 15 سبتمبر، استؤنف الإنتاج بعد تعهّد مكتوب من الإدارة بالاستجابة للمطالب.

في الأسبوع نفسه، انحسرت موجة من الإضرابات العمالية في صناعة السكر بصعيد مصر -إدفو، كوم أمبو، أرمنت، ودشنا- بعد أسابيع من التوقف احتجاجًا على تدني الأجور، والمتأخرات، وبدلات المخاطر، والعمل الإضافي، وعدم تطبيق الحد الأدنى للأجور الذي أعلنته الدولة.

وقد هرع مبعوثون من اتحاد العمال المحلي بأسوان، الخاضع للنظام ومسؤولون محليون إلى المصانع، واعدين بزيادات مرتقبة في أكتوبر وبمراجعة “على أعلى المستويات.”

بعض الإضرابات انتهت تحت ضغط التهديد بالفصل والإحالة إلى أمن الدولة، فيما علّق آخرون تحركاتهم مع تحذيرات صريحة، بأنهم سيعاودون الإضراب في يناير مع بداية موسم الإنتاج إذا لم تُنفَّذ الوعود.

وتوضح التحركات العمالية الأخيرة، كيف يجري التفاوض مع المحتجين الغاضبين في المصانع، عبر عملية احتواء أمني، وصولا إلى حلول متأخرة، لا تأتي إلا بعد التصعيد.

وحتى في ظل القمع الراهن، ما زالت الإضرابات تُجبر تحالف الدولة ورأس المال على التفاوض، على مضض، مؤقتًا، وبصورة مجزأة حسب كل حالة.

ارتفاع بطيء وعنيد
من الصعب الحصول على إحصاءات دقيقة على المستوى الوطني حول الإضرابات، لكن لدينا مؤشرات موثوقة من عامي 2024–2025 تؤكد أن التحركات الجماعية في تصاعد رغم مناخ الخوف.

شهد عام 2024 زيادة واسعة في الشكاوى العمالية وفعاليات الاحتجاج، تركزت على قضايا الأجور والحد الأدنى للأجور وسط انهيار العملة وارتفاع الأسعار الجامح. استخدم أصحاب العمل في القطاعين العام والخاص الاستثناءات والثغرات الإجرائية للتحايل على الزيادات المفروضة. وردّ العمال بعِرائض، وتوقفات، واعتصامات على بوابات المصانع، وهو ما استدعى اعتقالات انتقائية وفصلًا من العمل وملاحقات قضائية.

وخلال عام 2025، وبحسب مصادر عمالية، شهدت البلاد أكثر من 70 إضرابًا واحتجاجًا شملت قطاعات الغزل والنسيج، السيراميك، مصانع السكر، تجارة التجزئة، البترول، الكيماويات، المرافق العامة، والتعليم.

وتمحورت مطالب العمال حول الأجور المتأخرة، والعلاوات السنوية، وتطبيق الحد الأدنى للأجور، وتحسين ظروف العمل، مع تحركات واسعة النطاق شملت إضرابًا شارك فيه 4000 عامل في سيراميكا إنوفا، وإضرابات منسقة في مصانع السكر بصعيد مصر.

كثيرًا ما قابل أصحاب العمل والسلطات هذه التحركات بالقمع -بما في ذلك اعتقال عمال الغزل والنسيج والصوبات الزجاجية، وقرارات الإيقاف والتحقيقات في مصنع الشوربجي، وفصل قيادات نقابية- فيما لجأ آخرون إلى احتواء الغضب عبر وساطات تقودها وزارة العمل أو عبر صرف تعويضات من صندوق الطوارئ.

وتختلف التحركات الراهنة، عن الموجة العمالية الضخمة التي شهدتها مصر عام 2006، وتميزت بانتشارها السريع في كافة القطاعات والمحافظات، فهي منحنى تصاعدي تدريجي، يتمثل في زيادة في وتيرة واتساع نطاق التحركات، منذ التراجع الكبير الذي شهدته البلاد منذ عام 2013، ويُعبَّر عنه بإضرابات قصيرة، دفاعية، اقتصادية الطابع، شديدة الحساسية للمحفزات المحلية (حادث مميت، متأخرات غير مدفوعة، قاعدة مُهينة).

العمال هنا واعون لا متهورون، ينهون الإضرابات حين يشتد القمع أو تُنتزع مكاسب ملموسة؛ ويحتفظون بورقة الضغط حتى تبلغ اللحظة ذروتها (مثل موسم حملة السكر في يناير).

ويتحركون بشكل رئيسي بسبب التضخم، وخفض قيمة العملة، وأجور هزيلة تتآكل قيمتها بفعل ارتفاع الأسعار، كما لا تُطبق قرارات الدولة برفع الحد الأدنى للأجور أصلًا.

وباختصار، لقد تجاوزت تكلفة المعيشة العتبة، التي عندها يتنافس الخوف من الشرطة مع الخوف من الجوع.

وهنا بالضبط نقطة التحول التي يتحرك عندها العمال المصريون تاريخيًا، من رسائل الشكاوى إلى التوقف عن العمل.

إضرابات سبتمبر وتكتيكات النظام
عادة ما يتم اللجوء الى الأساليب الأمنية أولًا، ثم التفاوض لاحقًا، فتُطوَّق المصانع، وتُغلق المداخل، ويُستهدف عدد محدود من العمال بالاعتقال المبكر لتبريد الزخم. ولا يظهر الوسطاء -من مديريات القوى العاملة، ومسؤولي الاتحاد، وأعضاء البرلمان، والمحافظين، إلا عندما يتوقف الإنتاج ويتمسك العمال بمواقعهم.

حلول إجرائية، لا تغييرات هيكلية
“الحلول” المطروحة ضيقة النطاق، مثل إيقاف مدير واحد عن العمل، وعدٌ بالتحقيق، صرف دفعة من المتأخرات، التلويح بزيادة في شهر محدد. لكن لا تغيير في آليات إنفاذ قوانين الأجور والسلامة، ولا اعتراف بالتنظيم المستقل.

شراء الوقت
التكتيك المفضل هو التأجيل: “في أكتوبر”، “خلال ثلاثة أشهر”، “بعد مراجعة الرئاسة”، “وقت الموازنة.” لا ينجح هذا الرهان إلا إذا تفرّق العمال؛ وفي حالة مصانع السكر، وضع العمال صراحةً يناير كموعد نهائي صارم.

مناطق حرة وعمال عبيد
قضية نايل لينين تُظهر كيف تقترن “المناطق التصديرية” بانضباط صارم (قواعد إجازات، استقطاعات بدلات، تحكم على البوابات) مع ضعف في التفتيش ورقابة أمنية مُحكَمة. إنه النموذج الأمثل للقسر المُخصخص تحت غطاء رسمي.

لكن تحت السطح، تكشف الدولة عن قلقها: حين ترتدّ التوقفات المحلية أصداءً عبر سلاسل التوريد الوطنية (السكر) أو صادرات العملة الصعبة (النسيج)، تُرفع الملفات إلى “أعلى.” تلك الحركة التصاعدية هي ورقة الضغط بيد العمال.

أين تقف الحركة الآن؟
هذا ليس تكرارًا للنضالات العمالية الكبرى التي شهدتها سنوات 2006–2011. المعارك العمالية اليوم دفاعية واقتصادية الطابع -وليست سياسية- تركز على المتأخرات، والبدلات، والسلامة، ورعاية الأطفال، ووجبات الإعاشة، ونظام الورديات، وحتى الحق في الوصول إلى المستشفى عندما يكون طفل يحتضر.

إنها تحركات قصيرة المدى ومحلية، تُقاس بالأيام لا بالأشهر، إلا إذا أصرّت الدولة على المماطلة.

وهي أيضًا مترابطة ومجزأة في الوقت نفسه: مجموعات واتساب، ونقابيون سابقون، وقدامى العاملين في المنظمات غير الحكومية ما زالوا يتبادلون التكتيكات ويصيغون المطالب، لكن لا وجود لتنسيق وطني ذي أنياب حقيقية.

المخاطر أيضًا واضحة: اعتقالات انتقائية، فصل جماعي، اقتطاعات “تأديبية” تمحو الزيادات التي انتُزعت للتو، وتهديدات بأسلوب “القوائم السوداء” داخل المناطق الحرة. لهذا السبب تنتهي كثير من التوقفات، لا بانتصار بل بتحذير وتحديد موعد لاستئناف الإضراب، إذا نكصت الإدارة.

لماذا يُعدّ التراكم التدريجي مهمًّا؟
سيقول المتشككون إن بضعة تنازلات هنا وهناك لا تغيّر شيئًا. لكنهم مخطئون. ففي الاقتصاد السياسي الراهن في مصر، كل مكسب في أرضية المصنع -سواء كان استعادة بدل المخاطر، أو إلغاء قواعد الإجازات العقابية، أو صرف متأخرات العمل الإضافي، أو تعليق إشعار بالسلامة- يحمل آثارًا تراكمية.

كل مكسب يزيد الأجور حتى ولو زيادة محدودة؛ بيرفع سقف التوقعات فما كان مقبولا من قبل لا يعد كذلك. . كما أن الانتصار يشجع عمال مصانع أخرى على الحركة، وبمجرد أن يخوض مصنع إضرابًا ويخرج منه صامدًا، يصبح التوقف التالي أقل رهبة وأكثر تنظيمًا.

والأهم أن مثل هذه الانتصارات تعيد بناء الثقة، وهي أندر الموارد في ظل القمع، وتُبنى تدريجيًا لا عبر بيانات أو برامج سياسية.

هذه سياسة مضادّة للدورة تنبع من القاعدة. ففي حين تدور صفقات النخب حول بيع الأصول، وخدمة الديون، والدعم الخارجي، يعيد العمال بهدوء التفاوض على شروط إعادة إنتاج العمل اليومي. إنها ليست صورة براقة. لكنها الطريقة التي تبقى بها الحركات حيّة في شتاءات طويلة.

معضلة الدولة
يواجه حكام مصر تناقضًا بنيويًا لا يستطيعون حلّه أيديولوجيًا. فهم في أمس الحاجة إلى تدفّق الصادرات والإنتاج المحلي لتأمين العملة الأجنبية. ويحتاجون في الوقت نفسه إلى قوة عمل بلا حقوق تقريبا وبأجور هزيلة لجذب المستثمرين. لكنهم يحرصون أيضًا أن يظهروا بصورة أن “الدولة تهتم” بالكادحين، في وقت تنهار فيه الدخول الحقيقية.

لا يمكن الجمع بين هذه الأهداف الثلاثة. فعندما ترتفع الأسعار أسرع من الأجور، تصبح الاضطرابات العمالية كلفة من تكاليف ممارسة الأعمال. ويعوّض النظام ذلك بالقمع الانتقائي (لردع التنظيم) وبالتنازلات الجزئية (لإبقاء خطوط الإنتاج دائرة). وهذا بالضبط ما أظهرته إضرابات سبتمبر.

من شرارة الثورة إلى خندق الثورة المضادة… ثم العودة
أشعلت الحركة العمالية، المرحلة الحاسمة لثورة يناير 2011 بتحويل الاحتجاج في الشارع إلى إضرابات واعتصامات وتظاهرات شلت عملية الإنتاج.

الثورة المضادة أدركت ذلك تمامًا، وبنت نظامًا مصممًا لتجريد العمال من أنيابهم، بواسطة إعادة احتكار التمثيل النقابي تجريم التجمع، تحويل المديرين إلى شرطة فعلية، وإغراق الفضاء الإعلامي بثقافة عبادة “النظام.”

ولفترة، نجح ذلك. لكن لا يستطيع أي نموذج سلطوي إلغاء الحسابات البسيطة. عندما يتضاعف ثمن السلع الغذائية بينما تتبخر البدلات، لا تبقى المصانع صامتة إلى الأبد. ما نشهده الآن ليس عودة إلى الأيام السابقة، فلا توجد موجة عمالية وطنية، ولا اتحاد مستقل، ولا فضاء مدني آمن.

إنه مسار تتعلّم فيه الطبقة العاملة في ظل قيود شديدة. العمال يعيدون اكتشاف ما كانوا يعرفونه مسبقًا: إذا لم تتوقف الآلة، فلن يتغير شيئا.

إضرابات سبتمبر لم تكن نقلة نوعية. لكنها أنجزت ما هو أهم على المدى الطويل: أظهرت لالاف العمال، مجددًا، أن الآلة تتوقف حينما يقررون ذلك.

وهذا هو الخط الفاصل في عام 2025. ليس وهم الإضراب العام الذي سيُسقط اقتصادًا سياسيًا مُعسكرًا، بل حقيقة أن المكاسب المحلية الصغيرة، المتكررة، والقابلة للتكرار-المسنودة بتهديدات تصعيدية جدية عند الإخلال بالوعود- تعيد بناء القوة الوحيدة التي جعلت حكّام مصر يومًا ما يتراجعون.

والسؤال المطروح في 2026 ليس ما إذا كان النظام سيسمح فجأة بنقابات حرة. فهو لن يفعل.

السؤال هو ما إذا كان العمال، مصنعًا تلو مصنع، وردية تلو أخرى، سيواصلون تحويل ظروف المعيشة غير المحتملة إلى إضرابات دقيقة تنتزع زيادات حقيقية في الأجور، وإجراءات سلامة حقيقية، وكرامة حقيقية، وما إذا كانت تلك الشبكات غير الرسمية ستعود للتواصل فيما بينها.

إذا حدث ذلك، سيواجه النظام الصداع المألوف: حركة عمالية لا تحتاج إذنًا لتتنفس.

الحركة العمالية المصرية حية، محافظة في تكتيكاتها، مضطهدة بفعل الظروف، لكنها -بسبب الوضع الاقتصادي- تعود لتصبح أمرًا لا يمكن تجاهله مجددًا.

الدولة لا تستطيع سحق الأسعار. ولهذا لن تستطيع سحق الإضرابات إلى الأبد.

والأهم أن مثل هذه الانتصارات تعيد بناء الثقة، وهو العامل المفتقد بشدة تحت القمع، ويبنى تدريجيًا لا عبر بيانات أو برامج سياسية.

هذا المقال مترجم عن موقع مؤسسة روزا لوكسمبوج