بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

احتجاجات 2025.. مزيد من القهر مزيد من المقاومة

نستعرض في هذا التقرير قراءة لاحتجاجات عام 2025، بناء على إحصاء كمي ونوعي للاحتجاجات قمنا به عن طريق الرصد المباشر ومن الصحف والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي.

اشتد الصراع الاجتماعي في عام 2025 بين معسكر النظام الحاكم ومحاسيبه وطبقة الرأسماليين، بكل أجنحتها العسكرية والخاصة، ومعسكر العمال والمهنيين وسكّان المناطق الشعبية ومن يعيشون على عوائد عملهم. فالنظام مستمر في سياساته النيوليبرالية التي تراكِم الأرباح والثروات لأفراده وللرأسماليين الذين يدعمهم، وتراكِم القهر للناس وتزيد من استغلالهم وتجريدهم من حقوقهم في أجر كريم، وفرص عمل مستدامة وعلاقة عمل مستقرة، وسكن دائم مستقر، وعلاج كفء وآدمي، بل حقهم في التنزه البسيط على كورنيش النيل أو البحر أو في حديقة عامة، وبلغ قهر النظام ذروته في قتل الرضيعة “سيليا” ذات الثلاثة أشهر وهي في حضن والدتها العاملة بمصنع “نايل لينين جروب” نتيجة انحياز النظام الشديد ضد الطبقة العاملة وتواطؤه مع أنظمة عمل وظروف عمل غير قانونية وغير آدمية.

يمكننا أن نرى تجلّي ممارسات القهر والاستغلال والاستبداد في ارتفاع الأسعار الذي لا يتوقف والفجوة الواسعة الدائمة بينه وبين ارتفاع الأجور النقدية، وتواطؤ الدولة وانحيازها ضد العاملين بأجر وعدم تطبيقها لقرارات الحد الأدنى للأجر في القطاع الخاص الذي يحوي يحوي أكثر من 80% من المشتغلين وقطاع الأعمال العام، هذه القرارات التي أقرتها الدولة نفسها. والتقشف بخفض الدعم وانسحاب الدولة من الخدمات العامة والاجتماعية كالصحة والتعليم الجاري على قدم وساق وخصخصة المنشآت الصحية، وارتفاع نسبة الفقر في المجتمع، حيث أنه رغم امتناع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن تحديث بيانات الفقر منذ عام 2020، فإن مصادر بالجهاز قدّرت أن الفقر استمر في التصاعد حتى بلغت نسبته 34% من السكان في بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك عن 2021-2022 مقارنة بـ 29.7% في إحصاءات 2019-2020. واستمرار النظام في استدانته من الداخل والخارج دون أي عوائد وجدوى اقتصادية للمواطنين مُحمِّلا إياهم أعباء هذه الديون من الموازنة العامة.

كما تتجلى هذه الممارسات أيضا في إصدار تشريعات على أهواء النظام الحاكم دون أي مساحة لإشراك حقيقي للشعب، مثل قانون العمل وقانون الإجراءات الجنائية اللذين شهدا جدلا واسعا بين أوساط المهتمين بالشأن العام وقانون الإيجارات الجديد الذي شهد سخطا اجتماعيا هائلا وما زال. وفي مهزلة الانتخابات البرلمانية، حيث هندس النظام الانتخابات لكي تهيمن أحزاب الموالاة على البرلمان. حيث تم كشف النقاب عن وجود تسعيرة وضعتها الأحزاب الموالية لمن يريد الفوز بكرسي البرلمان، وبلغ ثمن الكرسي الواحد مئات الألوف من الجنيهات، وهو ما يعني حرمان العاملين بأجر حتى من الترشح، ومن تجرّأ وترشح فرديا واجه منافسين ينفقون أموالا طائلة بلا أي سقف من أجل شراء الأصوات. وقد شهدت هذه المهزلة عزوفا من المواطنين واستغلالا لظروفهم الاقتصادية المتدهورة في حملهم على الانتخاب، كما شهدت الانتخابات إعادة بالعديد من الدوائر نتيجة ما شابها من عوار.

هذه الأوضاع إلى جانب القبضة الأمنية جعلت العمال مستبعدين عمليا من إمكانية الوصول إلى البرلمان، المسؤول عن وضع التشريعات، والذي تحول إلى أداة طيعة في خدمة النظام ومصالحه.

بالإضافة بالطبع إلى تكميم الأفواه عموما، فغير مسموح للناس بالتعبير حتى عن أوجاعهم وليس الاحتجاج وأبلغ مثال على ذلك اعتقال الدولة للمتضامنين مع أهلنا في غزة إثر العدوان الصهيوني الأمريكي عليها والإبادة الجماعية بها، حيث قاربت فترة اعتقال بعضهم على السنتين.

ومع اشتداد قهر النظام اشتدت مقاومة الناس، حيث أقدم عدد منهم على كسر حاجز الخوف، في ظل تضاؤل مساحات التكيُّف مع ماكينة القهر التي تزداد وتيرتها، فلم تعد أمامهم بدائل سوى المقاومة والاحتجاج. في هذا السياق قد أحصينا زيادة في عدد الاحتجاجات مقارنة بإحصائنا لها العام الماضي وتوسعها جغرافيا وشمولها قطاعات وفئات جديدة، حيث ارتفعت أعداد الاحتجاجات في عام 2025 مسجلة 222 احتجاجا بزيادة قدرها 52 احتجاجا مقارنة بعام 2024، بنسبة زيادة 30% تقريبا.

شارك العمال بالنصيب الأكبر في هذه الاحتجاجات بنسبة 45% تقريبا، تلاهم المهنيون بنسبة 28% تقريبا، ثم الأهالي بنسبة 27% تقريبا.

تصدّرت الوقفات الاحتجاجية المشهد الاحتجاجي، جاء بعدها الإضراب عن العمل، جاء بعده الشكوى الجماعية، ثم التقاضي والاعتصام.

شهدت محافظة القاهرة العدد الأكبر من هذه الاحتجاجات، بعدها الجيزة، ثم الأسكندرية، ثم الشرقية، ثم أسوان في تطور ملحوظ للحركة الاحتجاجية بأن تشهد محافظة من عمق الصعيد هذا الكم من الاحتجاج، في دلالة على أن الغضب الاجتماعي يزداد انتشارا.

أولا العمال
شكّل تحسين الأجور المطلب الأكثر إلحاحا واحتجاجا بالنسبة للعمال، وأبرزه تطبيق الحد الأدنى للأجر الذي أقرته الدولة لكل العاملين وهو 7 آلاف جنيه شهريا، والذي تم إقراره في شهر مارس للعاملين بالقطاع الخاص وقطاع الأعمال العام، وفي شهر يوليو للعاملين المدنيين بالدولة والعاملين بالقطاع العام. تجسّد مطلب تحسين الأجور في احتجاجات عمال شركة السكر في أسوان والأقصر وقنا والجيزة، وعمال شركة المياه في العديد من الفروع بمحافظات القاهرة والجيزة وبني سويف والشرقية والمنيا والإسكندرية، وبرز مطلب تطبيق الحد الأدنى للأجر في احتجاجات عمال شركة “ناتجاس”، وعمال “مفكو” حلوان، وعمال النادي الأهلي بمختلف فروعه في القاهرة الكبرى، وعمال سيراميكا “إينوفا”، وعمال وبريات سمنود، وعمال شركة الصوب الزراعية، وعمال شركة “تي أند سي”.. وغيرهم.

بعد مطلب تحسين الأجور، جاء مطلب التثبيت وضمان علاقة عمل دائمة ومستقرة وإلغاء وجود شركات توظيف العمالة من الباطن، تجسّد هذا المطلب في احتجاجات عمال شركة “مودرن جاس”، وعمال شركة رؤية للمقاولات، وعمال شركة مياه الشرب (المحصّلين)، وعمال الهيئة العامة لمحو الأمية، والعمال المؤقتين بجامعة حلوان، وعمال نادي البنك الأهلي.

مزايا قانون العمل “حبر على ورق”
من المهم هنا الوقوف على التناقض الفج الذي أظهره الإحصاء، وهو أن شهر نوفمبر شهد العدد الأكبر من الاحتجاجات العمالية على مدار السنة، في حين كان قد بدأ بالفعل سريان قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 بداية من شهر سبتمبر. في دلالة على أن القانون في ظل سلبياته الكثيرة وأنه تم إقراره بدون مناقشة حقيقة من العمال أصحاب الشأن، فإنه حتى المواد الإيجابية التي يحويها لم يتم تطبيقها مثل الحد الأدنى للأجر، وحظر العمل من الباطن أو عمالة المقاول. في المقابل وكي تداري الدولة انحيازها لأصحاب الأعمال وفي ومحاولة لتسكين غضب العمال نظمت حملات تفتيشية شكلية على مواقع العمل، وحصّلت بعض الغرامات لصالحها.

الترهيب الأمني أداة النظام الدائمة
يعمل النظام على قمع احتجاجات العمال بطرق عديدة أبرزها ترهيب القادة العماليين، حيث تتدخل الجهات الأمنية في كل تفاصيل عملهم النقابي بما فيها المفاوضة الجماعية والتي انتهت في العديد من الحالات بسجن العمال. إلى جانب انتهاك حق الإضراب عبر اشتراطات قانونية لا يمكن تحققها كاملة، في تصادم مع الدستور الذي ينص صراحة على حق الإضراب. واستعمال قوانين استثنائية لمحاكمة العمال مثل الإرهاب، وإلصاق التهم السياسية بهم حتى وإن كان السياق عمالي بحت.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك ما حدث مع عمال “مودرن جاس” الذين تم اعتقال 20 أو 25 عاملا منهم -وفقا لاختلاف المصادر- لإجبارهم على إنهاء الاحتجاج، وبالفعل تمت مساومتهم على فض الاحتجاج في مقابل الإفراج عن زملائهم، وعمال شركة تي أند سي الذين تم اعتقال 8 أو 9 عمال منهم -وفقا لاختلاف المصادر-، وعمال الشركة الوطنية للصوب الزراعية التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية الذين تم فض احتجاجهم بالقوة.. وغيرهم، كما حاوطت قوات الأمن عددا من الاحتجاجات مثل احتجاج عمال مصنع لينين جروب إثر موت الرضيعة “سيليا”.

موت الرضيعة “سيليا” بشركة “لينين جروب”
لن ننسى موت الرضيعة “سيليا” الذي أطلق شرارة الاحتجاج في شركة “نايل لينين جروب” بالإسكندرية. كان خبرا غريبا عندما نُشر في الصحف والمواقع “وفاة رضيعة في مصنع لينين جروب”، للوهلة الأولى يثير الشك في صحته، فما علاقة الـ”رضيعة” بالـ”مصنع”، لكنها مأساة حقيقية فالرضيعة “سيليا” التي تعدّى عمرها الثلاثة أشهر بأيام قليلة قُتلت بدم بارد بأيدي القهر والذل والاستغلال الذي تعيشه الطبقة العاملة المصرية وبالأخص عاملاتها اللاتي يعانين من التمييز وظروف عمل أسوأ من العمال الذكور. “سيليا” قُتلت في حضن أمها “دعاء” العاملة بمصنع لينين جروب، التي اضطرت للذهاب للمصنع برضيعتها المريضة للحصول على إجازة لكي تذهب بها للطبيب، لأن الشركة تخصم 2000 جنيه من رواتب العمال في حالة الغياب دون إذن. لكن إدارة المصنع لم تكتف باستغلال وقهر دعاء في العمل بإعطائها أجر أقل من الحد الأدنى للأجر وبإرضاخها وزملائها لنظام عمل وخصومات غير قانونية، بل تعنتت في إعطائها الإجازة واحتجزتها ورضيعتها داخل المصنع. وبعد ساعات عندما استطاعت “دعاء” الخروج من المصنع للذهاب للوحدة الصحية كانت “سيليا” فارقت الحياة..

مقتل “سيليا” تسبب في انتفاضة احتجاجية وإضراب عمال وعاملات المصنع، الذي أجبر “سعيد بيه” صاحب المصنع على الرضوخ لمطالبهم المشروعة وإعطائهم جزءا من حقوقهم، “سعيد بيه” الذي سبق له اللجوء للأمن الوطني كي يهدد عمال المصنع، والذي يطبّق نظام عمل غير قانوني بل غير آدمي، والحكومة لا تحرك ساكنا. كان الغضب والاحتجاج هذه المرة أقوى منه ومن الأمن، لكن الثمن كان روح “سيليا”.

ثانيا المهنيون
تصدّر المشهد الاحتجاجي احتجاج المحامين على زيادة رسوم التقاضي تحت مسمى “رسوم الخدمات المميكنة”؛ لأنهم اعتبروها غير دستورية لأنها أُصدرت بقرار من مجلس الوزراء وليس بتشريع قانوني، ونظموا وقفات احتجاجية، وإضراب عن العمل وحضور الجلسات؛ لإسقاط هذه الرسوم.

ثم مثل العمال جاء مطلب تحسين الأجور في الصفوف المتقدمة للمطالب الأكثر إلحاحا واحتجاجا بالنسبة للمهنيين، وأيضا أبرزه تطبيق الحد الأدنى للأجر، تجسّد هذا المطلب في احتجاجات صحفيي البوابة نيوز والوفد وخبراء وزارة العدل.

بعد مطلب تحسين الأجور، جاء الاحتجاج للتضامن مع قضية وأبرز هذه الاحتجاجات هي الوقفات الاحتجاجية التي نظمها أعضاء نقابتي الصحفيين والمحامين للتضامن مع غزة في ظل العدوان الصهيوني الأمريكي عليها والإبادة الجماعية التي شهدتها وتشهدها.

جاء بعد ذلك مطلب التثبيت الوظيفي، وكان أبرز المحتجين الصحفيون المؤقتون بالصحف القومية.

معركة صحفيي “البوابة نيوز”
في استبسال بطولي على حقوقهم/ن اعتصم عدد من صحفيي جريدة البوابة نيوز بمقر عملهم لمدة 56 يوما، مدعومين بمجلس نقابة الصحفيين، للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجر الذي أقرته الدولة 7000 جنيه حيث لم تكن أجورهم تتعدى الـ 2000 جنيه. بنفسٍ طويلٍ ومثابرة استمروا في اعتصامهم واستمروا في عملهم في ظل إيقاف رواتبهم طوال فترة الاعتصام وفي ظل الطقس البارد الذي تسبب في إصابتهم بأمراض، لكن للأسف بعد محاولات مختلفة من صاحب الصحيفة والمسؤول الحقيقي عنها “عبد الرحيم علي” المُقرَّب من النظام الحكام، استطاع في اليوم الـ 56 من الاعتصام فضّه باستخدام القوة والبلطجة، في ظل عدم تحرك قوات الأمن بعد استنجاد الصحفيين بها. بعد ذلك نقل الصحفيون اعتصامهم لمقر نقابة الصحفيين وما زالوا يحاولون التوصّل لحل مع إدارة الصحيفة.

ثالثا الأهالي
شكّل احتجاج الأهالي دفاعا عن حقهم في السكن السبب الأكبر في احتجاجاتهم، تجسّد هذا بقوة في مقاومة أهالي جزيرة الوراق الذين يخوضون معركة بطولية ضد النظام الحاكم الذي يستهدف تهجيرهم من أرضهم وسكنهم لصالح المستثمرين، بدون توفير حلول عادلة لهم، وفي هذا السياق يتعرضون في مواجهاتهم مع قوات الأمن لطلقات الرصاص الحي والخرطوش، وقنابل الغاز، والاعتقال، كأننا في مشهد في فلسطين المحتلَّة. ومع استمرار حصار أهالي الجزيرة ومنع دخول مواد البناء أقدم النظام الحاكم على اعتقال عدد من العمال وتجار مواد البناء ووجهت إليهم نيابة أمن الدولة العليا اتهامات خطيرة من بينها: الانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها، والاشتراك في تجمهر، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر أخبار كاذبة، واستخدام وسائل إلكترونية للترويج لارتكاب جرائم إرهابية.

وفي نفس المعسكر نجد احتجاج أهالي منطقة طوسون بالأسكندرية، الذين يستهدف النظام الحاكم تهجيرهم من بيوتهم لاستخدام أرضهم في الطريق الدائري الجديد، بدون تعويضات عادلة. يحاول الأهالي حل الخلاف في إطار الشكوى الجماعية والتقاضي، واستطاعوا خلال ذلك تنظيم أنفسهم وحركتهم، وهم حريصون على حضور جلسات المحكمة مع المحامين الذين يمثلونهم، وفي المقابل كان رد النظام عليهم أمنيا بامتياز نظرا لمقاومتهم وتنظيمهم لأنفسهم، حيث قام باعتقال المتحدث باسمهم.

كما شهدت احتجاجات الأهالي مشهدا مؤثرا تمثّل في احتجاج مرضى الأورام بمستشفى هرمل بالقاهرة إثر تأخر علاجهم نتيجة خصخصة المستشفى.

رابعا نتائج الاحتجاجات وملامح هامة
في أغلب الحالات الاحتجاجات استطاعت فرض نفسها واتساعها، ولم يستطع النظام كتمها أو دفنها في بدايتها، وهذا في ذاته مكسب للقوى الاجتماعية، وهو في ازدياد كرد فعل لسياسات النظام المستغلة المستبدة المستمرة والمتراكمة. بالطبع استخدم النظام أدواته في القمع والتهديد الأمني بمهاتفة المحتجين بالتليفون وتهديدهم وبالاستدعاء للتحقيق وبالاعتقال والحبس، واستُخدِم سلاحا الفصل والنقل التعسفيين من العمل، ولكن النظام لم يتمكن من كتم أصوات الناس كما كان.

قليل جدا من هذه الاحتجاجات استطاع تحقيق المطالب التي تم الاحتجاج من أجلها أو جزء منها مثل احتجاج صحفيي جريدة الوفد الذي انتهى بتطبيق الحد الأدنى للأجور، واحتجاج عمال سيراميكا إينوفا الذين فرضوا على الإدارة صرف جزء من أجورهم المتأخرة بعد الإضراب، واحتجاج عمال لينين جروب الذين استطاعوا فرض عدد كبير من المطالب على صاحب العمل في ظل غضبهم من موت الرضيعة “سيليا” ومحاولة صاحب الشركة امتصاص هذا الغضب قبل تطوره إلى مراحل أعلى.

وأغلب هذه الاحتجاجات لم يحقق أي مكسب جزئي من المطالب التي تم رفعها، بل في بعض الأحيان دُفعت أثمان وكانت هناك تكلفة للاحتجاج مثل الفصل التعسفي.

الملامح العامة للاحتجاجات خلال الأعوام الأخيرة أنها في تزايد، وتتوسع جغرافيا، ووصلت لقطاعات جديدة، كما يمكن ملاحظة وجود شبكة تنظيمية بين العمال من فروع مختلفة لنفس الشركة، وهذا تطور هام، مثل احتجاج عمال شركة مياه الشرب والصرف الصحي في فروع مختلفة في مناطق مختلفة ومحافظات مختلفة في نفس التوقيت على نفس المطالب، ومثل احتجاج العاملين بشركة السكر والصناعات التكاملية ومثل احتجاج عمال شركة مودرن جاس في محافظات مختلفة في نفس التوقيت على نفس المطالب. كما أنها أصبحت تتسم بطول المدة والنفس الطويل نسبيا مثل احتجاج عمال شركة المياه والصرف الصحي وصحفيي البوابة نيوز، وقبلها في عام 2024 احتجاج عمال/عاملات وبريات سمنود الذي استمر لمدة شهر تقريبا.

ما العمل؟
80 بالمائة من عمال مصر محرومون من مظلة نقابية، وهو ما يؤثر بالإضافة إلى القبضة الأمنية، على قدرة التحركات العمالية على انتزاع حقوقها المنهوبة وكذلك على نوعية المطالب المرفوعة (جزئية أو عامة).

ورغم تصاعد الغضب الجماهيري لكن الاحتجاجات ما زالت دفاعية ودرجة ترابطها ضعيفة برغم من تطورها النسبي، وهو ما يضع على عاتق القوى السياسية الحليفة للعمال مسؤولية نضالية كبرى في التعاطي مع المعارك العمالية، التي يؤدي استمرارها إلى فتح ثغرة في جدار القمع الراهن، ومحاولة وقف سياسات الفقر والقهر والاستغلال.

من المهم نقل الخبرة الكفاحية للقطاعات المحتجة والسعي لتنظيمها نقابيا، وكذلك توفير ظهير سياسي وحقوقي يعمل بجد مع القيادات العمالية المكافحة التي ستخوض الانتخابات النقابية المقررة بعد ثلاثة شهور.