حبر على ورق للخارج وواقع مزري للاستغلال..
تقرير منظمة العمل الدولية يعري بنية الإفقار وقمع النقابات في مصر

فتح التقرير الأحدث للجنة خبراء منظمة العمل الدولية حول أوضاع حقوق العمل في مصر لعام 2026 نافذة على تناقض مألوف بين صورة الدولة الرسمية التي تُقدِّم «إصلاحات تشريعية» وبين واقع تُهيمن عليه أنماط العمل الجبري، والاستغلال، وتقييد التنظيم النقابي، والانفجار الهائل في عمالة الأطفال. التقرير تناول مصر تحت خمسة اتفاقيات أساسية، من بينها اتفاقيتا السخرة (رقم 29 و105) واتفاقية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية، إلى جانب اتفاقيتي الحد الأدنى لسن العمل وأسوأ أشكال عمل الأطفال.
أبرز ما سجله التقرير استمرار العمل بقانون الخدمة العامة رقم 72 لسنة 1973، الذي يفرض على خريجي الجامعات والمعاهد الذين لا يُستدعون للتجنيد قضاء سنة عمل إلزامية في التعاونيات والجهات الإنتاجية، مع اشتراط شهادة إتمام هذه «الخدمة» للحصول على أي وظيفة لاحقًا. لجنة الخبراء اعتبرت أن هذا الشكل من التجنيد المدني الإجباري يتجاوز بكثير ما تسمح به الاتفاقية الدولية، ويتعارض أيضاً مع حظر استغلال العمل القسري لأغراض التنمية الاقتصادية في اتفاقية 105.
في نفس الوقت، يواصل قانون العقوبات المصري تجريم التعبير السياسي السلمي عبر مواد مثل 98 (أ) مكرر و98 (د) و174 و178، والتي تفرض عقوبات سالبة للحرية، ومعها عمل جبري بحكم القانون على كل من يُدان «بالترويج لأفكار» تعتبرها الدولة “مهددة للنظام العام أو لوحدة الوطن”. اللجنة ربطت بين هذه النصوص وبين انتهاك الاتفاقية 105، باعتبار أن السجن المصحوب بالعمل الإجباري يُستخدم هنا كعقوبة على الرأي السياسي، لا على أفعال عنف.
توقف التقرير عند صدور قانون العمل رقم 14 لسنة 1015 بوصفه أهم تطور تشريعي في ملف علاقات العمل، مع الإشارة إلى بعض الإيجابيات النظرية مثل حظر التمييز بسبب الانتماء النقابي، وتجريم الفصل بسبب النشاط النقابي، وتمكين العمال من العودة للعمل بحكم قضائي في هذه الحالات. لكنه سجل في المقابل ثغرات بنيوية، أبرزها استبعاد الموظفين العموميين، ومن بينهم المعلمون والعاملون في الجهاز الإداري، من نطاق القانون، ما يبقي شريحة واسعة من قوة العمل خارج حماية حق التفاوض الجماعي.
من ناحية أخرى، سجل التقرير مسألة تعطيل تسجيل النقابات المستقلة، وبقاء لجنة مراجعة طلبات التأسيس معطلة تماما، إلى جانب غياب معايير واضحة للتمثيل في «المجلس الأعلى للحوار الاجتماعي» الذي تسيطر الحكومة عمليًّا على تشكيله. ما يعني أن حق التنظيم، حتى مع ذكره في القانون، يُفرغ جزئيًّا من مضمونه عبر الإجراءات والأعراف الإدارية.
الجزء الأكثر إثارة للقلق في التقرير جاء من نتائج المسح القومي لعمالة الأطفال لعام 2023، الذي نفذه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بدعم من منظمة العمل الدولية. الأرقام المعلنة تشير إلى وجود 4.6 مليون طفل في سوق العمل، منهم 3.8 مليون في أعمال خطرة، مقارنة بـ 1.3 مليون طفل فقط في مسح 2021. هذه القفزة الهائلة خلال سنوات قليلة تعكس، بوضوح، أثر تدهور الأوضاع المعيشية، وارتفاع التضخم، وتراجع قدرة الأسر الفقيرة على الاستمرار دون دفع أطفالها إلى العمل، خصوصًا في صعيد مصر والريف، حيث يتضاعف احتمال عمل الطفل مقارنة بالمدن.
ورغم إقرار الحكومة بخطط لمراجعة قانون الطفل ورفع الحد الأدنى العمري للعمل ومنع «العمل الخفيف» قبل سن 15، سجّل التقرير غياب بيانات كافية عن عدد المخالفات التي جرى ضبطها أو العقوبات الفعلية بحق أصحاب الأعمال، ما يطرح سؤالًا عن جدية إنفاذ القوانين القائمة.
يتضح من نص التقرير أن السلطة لم تكتفِ باستخدام أدوات القمع المباشر، بل طورت ما يشبه «بنية قانونية مقيدة» تمنع بها وجود النقابات المستقلة بينما تفرِغ قدرتها على الفعل. فالتوقف الكامل المتعمد في تسجيل النقابات، ووضع شروط فضفاضة للتمثيل، واستبعاد موظفي الدولة من مظلة قانون العمل، كلها آليات تعيد إنتاج الهيمنة والاستغلال والقمع في سوق العمل دون الحاجة لقرارات حظر صريحة.
وفي الخلفية، يربط التقرير بين هذه الممارسات وبين استمرار مواد في قانون العقوبات تُجرِّم التعبير والتنظيم، بحيث يصبح النشاط النقابي نفسه خطر التكييف الأمني. بهذا المعنى، فإن أزمة حقوق العمل في مصر ليست مجرد ثغرات تقنية تحتاج إلى «مساعدات فنية»، بل تعبير عن توازن قوى تميل كفّته لصالح دولة وأصحاب العمل على حساب العمال، في ظل اقتصاد مأزوم يدفع أطفالًا بالملايين إلى سوق العمل، بينما تُبقي نصوص السخرة وقمع الرأي قائمة دون مساس.





