بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

الإضراب في المقدمة.. والأجور أبرز الأسباب

مرصد الاشتراكيين الثوريين: 49 احتجاجاً عمالياً خلال 4 شهور ضد سياسات التقشف

رغم تزايد التضييق الأمني وسيادة خطاب “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” منذ اندلاع الحرب الإقليمية، في نهاية شهر فبراير الماضي، يشير تقرير مرصد “الاشتراكيين الثوريين” الجديد، إلى تزايد بطيء في وتيرة النضالات الاجتماعية، ضد سياسات التقشف والخصخصة ورفع الأسعار، وبالمقابل وإحكاماً للسيطرة الأمنية على الحركة العمالية، وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون، بمد الدورة النقابية إلى خمس سنوات بدلاً من أربعة، وتأجيل الانتخابات النقابية، التي كان من المقرر عقدها الشهر المقبل، لمدة ستة شهور، دون العودة للنقابات العمالية وقواعدها.

حكومة رأس المال حملت الكادحين، بدلاً من كبار رجال الأعمال، عبء تداعيات العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران الكارثية، على الاقتصاد المصري الهش، ويكفي أن نشير هنا الى تأثير اجراء واحد اتخذته الحكومة وهو الإغلاق المبكر للمحال التجارية، والذي أضر بقطاعات واسعة من العمالة غير المنتظمة إلى جانب المخاطر التي تعرضت لها النساء خاصة، من العتمة التي عمت الشوارع، قبل أن يتم التراجع عنه يوم 28 أبريل الجاري، فجأة، بعد أن اكتشفت الحكومة تضرر القطاع السياحي من الإغلاق المبكر!

ولكن هشاشة الاقتصاد المصري، لم يصنعها الكادحون ولكن تسبب فيها النظام بسياساته الطبقية، ويكفي الإشارة هنا إلى الانفاق الرهيب على مشروعات استفزازية كالعاصمة الإدارية، والتي تشير مجلة الإيكونيميست البريطانية، إلى أن تكلفتها بلغت 58 مليار، لافتة إلى أن ديون شركات تنفيذ مشاريع الكهرباء والنقل والمرافق تتجاوز 40 مليار دولار بأقساط تمتد 7 إلى 15 عاماً، وأن إدارة العاصمة الادارية باتت تبحث عن وسائل لتأجيل هذه الديون أو تدويرها.

التقرير، الذي يرصد الاحتجاجات الاجتماعية خلال الشهور الأربعة الأولى من هذا العام سجل اندلاع 71 احتجاجا بالمقارنة بـ 56 خلال العام الماضي و41 احتجاجاً خلال عام 2024، في تحد لسردية النظام عن ضرورة تحمل الشعب للأزمات.

ويرصد التقرير، الذي يأتي متزامنا مع عيد النضال العمالي العالمي، كل أشكال الاحتجاجات والتي تشمل الإضرابات والاعتصامات والوقفات والشكاوى الجماعية وطلبات الإحاطة وطلبات الإحاطة والتقاضي الاستراتيجي والحملات الرقمية، وذلك عبر مصادر الحركة، وكذلك، برصد المواقع الالكترونية للمنصات والمنظمات والأحزاب المهتمة بالحركة العمالية.

واحتل نضال العاملين بأجر، صدارة الاحتجاجات الاجتماعية، إذ سجلت الفترة التي يغطيها التقرير تنظيم 49 احتجاجاً للعاملين بأجر (43 للعمال و6 للمهنيين)، من إجمالي 71 احتجاجاً اجتماعياً.

وتأثرت حركة العاملين بأجر بمتغيرين مهمين خلال فترة الدراسة. الأول تراجع الاحتجاجات ولمدة أسبوعين تقريبا، مع دخول شهر رمضان، الذي بدأ يوم 18 فبراير، ليأتي فبراير في ذيل قائمة الاحتجاجات، بينما كان شهر يناير كالمعتاد في قمة الهرم الاحتجاجي لارتباطه بترقب العمال للعلاوات ورفع الرواتب.

أما المتغير الثاني، فكان تزايد البطش الأمني مع بدء العدوان الأمريكي الصهيوني على العراق، (28 فبراير) مما أثر على نوعية المطالب، واستمرارية الاحتجاجات.

وفي تحد لقانون العمل، كان الإضراب هو الوسيلة الأولى للعمال، 16 إضراب عن العمل، ثم الوقفة 12، ثم الاعتصام فالمسيرة بواقع احتجاجين لكل منهما، بينما لجأ العمال الى الشكاوى وطلبات الإحاطة والتقاضي والحملات الرقمية، 19 مرة.

وكانت أبرز المطالب العمالية وللعام الرابع على التوالي مطلب رفع الأجور 32 احتجاجاً، نتيجة لرفع الأسعار، وعدم التزام رجال الأعمال بتطبيق الحد الأدنى للأجور (7 آلاف جنيه) إذ تشير البيانات التي احتواها الإصدار الأخير للنشرة المعلوماتية عن الجهاز المركزي للإحصاء والتعبئة (إصدار مارس 2026) إلى أن هناك 15 قطاع من إجمالي 20 قطاع اقتصادي جاء متوسط الأجر اليومي له أقل من الحد الأدنى للأجور بما يمثل ما يقرب 75% وأن الفجوة بين أدنى وأعلى الأجور أصبحت سمة أساسية من سمات سوق العمل.

يذكر أن الحكومة قررت رفع الحد للأجور للعاملين بالدولة إلى 8 آلاف جنيه، متجاهلة تماماً أصحاب المعاشات، بينما العاملون بالقطاع الخاص، ما زالوا في انتظار اجتماع المجلس القومي للأجور لرفع قيمة الحد الأدنى.

في سابقة هي الأولى من نوعها، قضت محكمة جنح شمال الجيزة، بتغريم رئيس مجلس إدارة “البوابة نيوز” مبلغا قدره 13 ألف جنيه لكل من 257 صحفيًا وعاملًا في المؤسسة بإجمالي 3 ملايين و341 ألف جنيه، في دعوى امتناعه عن تطبيق الحد الأدنى للأجور على العاملين بالمؤسسة. كما ألزمت المحكمة إدارة البوابة نيوز بدفع 2000 جنيه تعويضا مدنيًا مؤقتًا، لكل من 25 صحفيًا في الجريدة من المدعين بالحق المدني.

وفي مشهد ذو دلالة، نظمت عاملات النظافة بإدارة أشمون الصحية في محافظة المنوفية، وقفة احتجاجية “نادرة”، في منتصف فبراير الماضي، للمطالبة بوقف ما تم إبلاغهن به من إدارة شركة “ألفا سيرفس” التي يعملن بها بخصم مبلغ ألف جنيه من رواتبهن مقابل حصولهن على منحة العمالة غير المنتظمة (1500 جنيه). كما طالبت العاملات بصرف أجورهن المتأخرة عن شهر يناير، وتطبيق الحد الأدنى للأجور، حيث تبلغ رواتبهن 1300 فقط، في حين تمتلئ لوحات الإعلان في المدن الجديدة بصور المجمعات الفاخرة وملاعب الجولف!!

ويكشف واقع النساء في سوق العمل وفي المجال العام عن فجوات واضحة بين ما تنص عليه القوانين وما تعيشه النساء فعليًا في حياتهن اليومية. فما تزال نسبة كبيرة من النساء تعمل في قطاعات غير رسمية تفتقر إلى الحماية الاجتماعية، وهو ما ترجم نفسه في حوادث مأساوية في القاهرة والمحافظات، كما لا تزال فجوة الأجور قائمة، وتبقى فرص الترقي والوصول إلى مواقع اتخاذ القرار محدودة في كثير من المجالات.

وتتحمل النساء أعباء مضاعفة بين العمل المأجور وغير المأجور داخل الأسرة، في ظل نقص السياسات الداعمة لتحقيق التوازن بين العمل والحياة الأسرية، فيما ما تزال العديد منهن يواجهن أشكالًا مختلفة من التمييز والعنف داخل أماكن العمل، مما يحد من مشاركتهن الكاملة والمتكافئة في الحياة الاقتصادية.

وبينما كان يُؤمل أن يغير قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، الذي بدأ تطبيقه بداية سبتمبر الماضي، الظروف القاسية التي تحيط بنحو 500 ألف من عاملات المنازل، فإنه تجاهلهن ورسّخ التمييز ضدهن.

ووفق نتائج دراسة “عاملات خارج القانون” 2023، والتي أعدها المؤتمر الدائم للمرأة العاملة، فإن الغالبيّة الساحقة من عاملات المنازل يعملن دون عقود عمل، بالتالي بدون نظام اجتماعي أو تأمين صحي أو عدد ساعات محددة.

خلال الثلث الأول من العام أصدرت وزارة العمل قرارين بشأن المرأة العاملة. الأول، يحظر عمل العاملات المصريات في مهن الأعمال المنزلية وأعمال المقاهي والكافيهات بدعوى الحفاظ على كرامتهن وحمايتهن من الاستغلال والاتجار بالبشر. ليَلقَى القرار هجومًا في ظل ما يتسم به من ضبابية وغياب خطة واضحة لتنفيذه، نظرًا لانعدام تواصل السفارات والقنصليات المصرية بالعاملين في الخارج.

تتركز مجالات عمل العاملات المصريات في الخليج بشكل أساسي في قطاعات حيوية، أبرزها التمريض والخدمات الصحية، إلى جانب التعليم، فضلًا عن الوظائف الإدارية والمكتبية. كما تشارك بعضهن في قطاع الخدمات، بما في ذلك العمل المنزلي الذي يُعد من أكثر القطاعات عرضة للهشاشة حسب ما تشير منظمة العمل الدولية.

وقبل شهرين، أصدرت وزارة العمل، القرار الوزاري رقم 48 لسنة 2026 بشأن تنظيم دور الحضانة في أماكن العمل والمكمل لقانون رقم 14 لسنة 2025، القرار طال انتظاره والمطالبة به، ولكن جوهر القرار لا يمكن قراءته باعتباره خطوة داعمة للمرأة العاملة بقدر ما هو إعادة صياغة لالتزام قانوني واضح في صورة عبء مالي جديد يُلقى على عاتق الطرف الأضعف في علاقة العمل.

فبينما ألزم القانون، أصحاب الأعمال بتوفير حضانات كجزء من حماية الأمومة وتمكين النساء اقتصاديًا، جاء القرار ليُفرغ هذا الالتزام من مضمونه عبر تحويله إلى “خدمة مدفوعة جزئيًا” تموَّل من أجر العاملة نفسها، بما يمثل عمليًا فرض ضريبة غير مباشرة على العمل النسائي، ويعيد إنتاج التمييز داخل سوق العمل تحت غطاء تنظيمي.

ورغم بؤس الواقع، ولكننا نرى أن هذا القرار سيساعد على تقوية صوت العاملات والعمال في النضال للمطالبة بحقوقهن القانونية، ونضم صوتنا الى المنظمات الحقوقية والنسوية في المطالبة بتحسين شروطه.

إلى ذلك احتلت مواجهة الفصل والقرارات التعسفية السبب الثاني للاحتجاجات، وخلافاً للعام الماضي شغل مطلب التثبيت هذا العام السبب الثالث بينما حل ثانيا العام الماضي.

وشهدت هذه الفترة تحركاً مهماً لمجلس القضاء الأعلى لمواجهة عسكرة الوظائف، بعد توجيه الرئيس بنقل ملف تعيينات وترقيات القضاة من المجلس الأعلى للقضاء إلى الأكاديمية العسكرية، لتطويع المؤسسات المدنية للجيش، وهو الأمر، الذي يجري بالفعل في وزارات التموين والزراعة والري والبيئة، حيث تم نقل صلاحياتهم وملفاتهم (على الأقل الأكثر حيوية وأهمية) لجهاز مستقبل مصر، التابع للقوات الجوية، من التعاقد على السلع التموينية إلى الاستصلاح الزراعي وإدارة البحيرات، بكل ما يترتب على ذلك من إلغاء دور الوزارات وتبديد خبرتها البيروقراطية والمهنية والفنية، وتركيب جهاز عسكري عليها، وإن كان مدعوم رئاسياً.

وكالعادة، جاءت القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية) في صدارة الاحتجاجات، تليها الإسكندرية ثم محافظة أسوان من أقاصي الصعيد، ومن الملاحظ أن أسوان في تقرير العام الماضي احتلت مرتبة متقدمة لوجود مصانع مهمة بها في قطاع الألومنيوم والسكر.

وجاء القطاع الخاص في صدارة الاحتجاجات، (25 احتجاج)، مما يعكس وزنه وحجم العمالة الكبيرة، يليه قطاع الأعمال العام (15)، يليه القطاع الحكومي (14)، وأخيراً القطاع العام (3).

ونظراً لأن معدل الاستجابة لمطالب النضالات الجماعية، محدود، ومع تزايد الكلفة الأمنية، تزايد اللجوء إلى خيار الانتحار. وخلال الفترة من أول يناير الماضي وحتى الآن، تم رصد 19 حالة، من بينها 3 حالات محاولات انتحار و16 حالة وفاة.

توزعت الحالات جغرافيًا بواقع 7 حالات في القاهرة، و4 في الجيزة، وحالتين في الإسكندرية، وحالتين في دمياط، وحالة واحدة بكل من الشرقية والبحيرة والوادي الجديد. من حيث النوع، الاجتماعي بلغ عدد الذكور 15 حالة مقابل 4 حالات للإناث.

زمنيًا، سُجلت أعلى معدلات في شهري يناير وأبريل بواقع 7 حالات لكل منهما، مقابل حالتين في مارس وحالة واحدة في فبراير، انقسمت أسباب الدوافع للانتحار إلى سببين رئيسين منهم 4 أسباب مالية واقتصادية و13 حالة لسبب نفسي، اكتئاب واحباط، لأسباب متنوعة، وحالتان دون ذكر السبب.

إن حالات الانتحار أشبه بدخان ينبه إلى نار مستعرة تحت رماد كثيف. إنه رماد الصبر على الضيم والإفقار، إما بحكم تمرس المصريين عليه، أو لغياب بديل سياسي له جذور في الشارع أو لخوفهم من عقاب سلطة، زجت في السجون بآلاف من المعترضين ولو لفظاً، عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

كما يرصد التقرير، أن الاحتجاجات ما زالت دفاعية ومشتتة ولا يوجد تنسيق بينها، ويساهم في ذلك الضغوط الإدارية والأمنية التي تعرقل التنظيم النقابي.

وفي خطوة جديدة لإحكام السيطرة الأمنية على الحركة العمالية والنقابية وافق مجلس الوزراء على تعديل قانون التنظيمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 213 لسنة 2017، لتصبح مدة الدورة النقابية خمس سنوات بدلاً من أربع سنوات، وتأجيل الانتخابات العمالية التي كان مقرر إجراؤها في شهر يونيو المقبل، لمدة ستة شهور، مما يؤجل طرح العمال لمطالبهم وقدرتهم على اختيار ممثليهم.

ويطالب العمال بتعديل قانون التنظيمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 213 لسنة 2017، لكي يكون أكثر ديمقراطية، إذ وضع القانون اشتراطات عددية مرتفعة لتأسيس اللجان النقابية والنقابات العامة والاتحادات، وهو ما اعتبره كثيرون عائق أمام إنشاء تنظيمات نقابية جديدة خاصة في القطاعات الصغيرة او غير المنتظمة.