في عيد العمال نرصد:
ملامح النضال العمالي في زمن الحرب

قبل أن تُطلق الحرب على إيران رصاصتها الأولى، كانت البلد تعيش أزمة عمالية هادئة الصوت عالية الوطأة. العمال في مصانعها الكبرى يعرفون حدودهم جيداً.
بين إضراب موسمي يكسبون منه تنازلاً جزئياً، وتهديد أمني يُذكّرهم بالسقف وتنازلات جزئية، ثم عودة إلى دوران ماكينات الإنتاج. كان الصراع دفاعياً في جوهره، مقيّداً بلغة القانون، ومُدار من السلطة بقدر مدروس من الشدة والليونة. لكن جاءت تداعيات الحرب واتت معها بنبرة مختلفة تماماً.
في الأشهر التي سبقت الحرب مباشرة كانت الميادين العمالية تتحرك بأنماط معهودة، غير أن علاماتها الحيوية كانت تُنذر بشيء أعمق. هذا واضح في حالة عمال شركة السكر والصناعات التكاملية، الذين لجأوا إلى الاعتصام في يناير خلال فترة الصيانة السابقة على موسم التشغيل، لا في ذروة الموسم نفسه.
ودلالة الاحتجاج هنا ليست وقف الإنتاج الجاري بقدر ما هي استخدام لحظة ما قبل الإنتاج، حين تكون الإدارة مضطرة لإنهاء الصيانة والاستعداد للموسم، بما يمنح العمال قدرة تفاوضية أعلى من دون تحمل كلفة الصدام الكامل أثناء التشغيل.
أهمية هذا الحراك بالتحديد هي أن العمال لا يتحركون بعفوية عمياء، بل يقرأون إيقاع المصنع ويحاولون التدخل عند نقطة الضعف النسبية في دورة إعادة الإنتاج. وكانت الإدارة أيضا تُقرأ رسالة العمال بوضوح: الموسم على الأبواب، والتسوية أرخص من المواجهة.
وفي الشهر ذاته ظهرت حالات أخرى تؤكد هذا الطابع الدفاعي المنظم احتجاجات عمال مطاحن مصر الوسطى في المنيا ثم أسيوط، واعتصام صحفيي «البوابة نيوز» للمطالبة بالحد الأدنى وصرف المستحقات، وهي تحركات لم تخرج عن مطلب واضح ومحدد هو تنفيذ حقوق قائمة ومشروعة أصلًا. حتى في الحالات الأكثر حدة، مثل سياسات التمييز والفصل التعسفي لعاملات مصنع «أكاي» أو قضايا شركة «رؤية» للمقاولات، أو فضّ إدارة صحيفة «البوابة نيوز» اعتصام الصحفيين بالقوة ظلّ الأفق هو وقف الانتهاك واستعادة الحق، لا بناء موجة هجومية واسعة.
ثم جاء فبراير، ومعه عاملان متداخلان. استمرار التدهور المادي، ودخول شهر رمضان، وهذا التوقيت لم يُنهِ الاحتجاجات، لكنه أثّر على إيقاعها. فمن جهة، قلّص رمضان قدرة كثير من العمال، خصوصًا في المواقع الأضعف، على خوض إضرابات طويلة أو مواجهات مفتوحة. ومن جهة أخرى، رفع كلفة الحياة اليومية، فصار تأخير الأجر أو ضآلته أكثر قسوة، لأن الشهر يأتي بالتزامات استهلاكية ومعيشية إضافية لا يمكن تأجيلها. لذلك بدت كثير من احتجاجات فبراير وكأنها تدور حول القدرة على الوصول إلى آخر الشهر أكثر مما تدور حول تحسين شروط العمل بالمعنى المجرد.
في هذا السياق يجب فهم إضراب عمال مصنع «جيد تيكستايل» للملابس الذين بدأوا احتجاجهم بسبب الحرمان من مقابل الساعات الإضافية، وضعف الزيادة السنوية، ومتوسط أجر يبلغ 6500 جنيه، أي تحت الحد الأدنى للأجور وأقل بكثير من الحد الأدنى الفعلي للعيش. كذلك ظهرت أزمة 850 عاملًا في شركة «إنتر كايرو» للألومنيوم، الذين حُرموا من الأجور لأربعة أشهر ومن الرعاية الصحية، وهي حالة تكثف المعنى الفعلي لما يمكن تسميته أزمة إعادة إنتاج قوة العمل، العامل لا يُستغَل فقط داخل المصنع، بل يُدفَع إلى حافة العجز عن العلاج والبقاء نفسه. وفي المنطقة الحرة ببورسعيد، أصدر المستثمرون قراراً بإلزام العمال بالعمل ساعة عمل إضافية يوميا مقابل 500 جنيه شهرياً، أي 21 جنيهاً للساعة. لم تكن معركة الساعة الإضافية مجرد نزاع إداري؛ كانت اعتراضًا على محاولة انتزاع وقت عمل أطول مقابل تعويض هزيل، أي زيادة مباشرة في الاستغلال المطلق لقوة العمل، وعُلّق القرار دون إلغاء، وبقي السيف مرفوعاً.
خلف هذه التحركات، كانت الطرق تحصد أرواح العمال في صمت. في يناير وفبراير وحدهما، رصدت البيانات ما لا يقل عن 23 حادثة نقل وإصابات عمل، أودت بحياة 45 عاملاً وأصابت 147 آخرين، معظمهم من العمالة الزراعية غير الرسمية ينتقلون في سيارات ربع نقل غير مؤهلة لنقل آمن. ليس قضاءً وقدراً، بل نتيجة موازنة ضمنية بين تكلفة النقل الآمن وتكلفة العامل، وغياب رقابة وزارة العمل.
ثم جاء مارس ومعه تداعيات الحرب الاقليمية ليكسر النمط. في نجع حمادي، دخل أكثر من 3000 عامل يومية في شركة «مصر للألومنيوم» إضراباً مفتوحاً بعد سنوات من العمل عبر شركات مقاولات العمالة والعقود من الباطن. لم تتفاوض الإدارة هذه المرة؛ تم فضّ الاعتصام بالقوة، وفصلت نحو 500 عامل، وأوقفت عنهم وسائل النقل وحدهم دون غيرهم، إجراء تمييزي مدروس. لم يُجرَّب هذا المستوى من الردع السريع والعلني في الحالات التي أتت قبل الحرب.
وفي الغربية، أضرب عمال وعاملات «وبريات سمنود» إضراباً مفتوحاً بعد أن امتنعت الإدارة عن صرف الراتب (6100) على مرة واحدة بل قامت بتجزئة صرف الراتب على مرتين، فضلا على تأخر الصرف للعمال قضوا أكثر من 20 عاماً في الخدمة، فيما تراكمت مديونيات الشركة على هيئة التأمين الصحي حتى توقف صرف العلاج لنحو 500 عامل وعاملة.
في الوقت ذاته، تصاعدت أصوات عمالية من محافظة الأقصر تشكو من تأخير صرف الرواتب منهم عمال أمن ونظافة في مستشفيات الأقصر يعملون 12 ساعة يومياً، بلا تأمين صحي، لا أجر إضافي، أجور أقل من الحد الأدنى نسبةً لساعات العمل الفعلية، وخصومات مرتفعة دون حق.
أما عمال جامعة أسيوط التكنولوجية، فقد صحوا على خطاب من وزارة المالية يحوّل عقودهم المستقرة إلى «استعانة مؤقتة» لمدة 11 شهراً، دفعة واحدة لإخراج آلاف العمال من مظلة القانون.
وتكتمل صورة هذا التحول القاسي مع إضراب نحو 3000 عامل في شركة «آمون للأدوية» بمدينة العبور في أواخر أبريل 2026. فرغم إعلان الشركة المملوكة لصندوق سيادي إماراتي عن مبيعات قياسية تتجاوز 6.2 مليار جنيه، وجد العمال أنفسهم مضطرين لتصعيد احتجاجهم، ليس فقط للمطالبة بصرف أرباحهم المجمدة، أو تعديل الأجور التي تكلّس بعضها عند 5500 جنيه (وهو ما يقل عن الحد الأدنى الرسمي الجديد والقديم)، بل للمطالبة بإقالة الإدارة التنفيذية ووقف التوظيف من الباطن الذي يطال نصف قوة العمل بالشركة.
هذا التحول من التفاوض إلى الحسم الانضباطي لا تدعمه المشاهدات الميدانية فحسب، بل تؤكده لغة الأرقام عند مقارنة الأشهر الأولى من العام الجاري بالفترة ذاتها من العام الماضي. فمن حيث الحجم والتركيب، يعكس المنحنى تصاعداً مستمراً؛ فقد قفز إجمالي احتجاجات العاملين بأجر بحسب مرصد الاشتراكيين الثوريين من 26 حالة فقط في 2024، إلى 48 حالة في 2025، ليصل إلى 51 حالة في 2026.
تكتيكياً، حافظ العمال على سلاح الإضراب بنسب متقاربة (15 إضراباً في 2025 مقابل 16 في 2026)، لكن الوقفات الاحتجاجية تراجعت نسبياً من 14 وقفة في 2025 إلى 12 وقفة في 2026.
في المقابل، صعدت الشكاوى الجماعية والتقاضي لتسجل 12 حالة هذا العام. وفي خريطة المطالب، ضاق الأفق ليصبح مقتصراً على البقاء المادي المباشر؛ فبينما تنوعت مطالب 2025 لتشمل رفض الخصخصة وحق التنظيم، تركزت مطالب 2026 بشكل ساحق حول النجاة. قفزت المطالب بالأجور من 19 حالة العام الماضي إلى 32 حالة هذا العام، وصعدت قضايا الفصل التعسفي والقرارات الانتقامية لتسجل 9 حالات، (مقارنة بـ 3 حالات فقط في 2025).
التحول الأخطر كان في نمط استجابة الدولة ورأس المال. فرغم أن التجاهل ظل هو القاعدة الثابتة، إلا أن مساحة السماح بالاعتراض التي ميّزت العام الماضي تآكلت بشدة خلال شهر مارس بالذات.
في 2025 سُجلت حالة تهديد واحدة مع استدعاءات أمنية محدودة، أما في 2026 فقد تحولت الاستجابة إلى تأديب قمعي عنيف جاء في شكل 5 حالات فصل جماعي، 3 تهديدات مباشرة، وحالتا قمع أمني لكسر الاحتجاجات.
ما الذي تغيّر إذن؟ ليس الجوهر، فالمطالب واحدة. أجر عادل، تأمين، عقود، سلامة. لكن السياق والاستجابة. قبل الحرب، كانت الدولة تدير التناقض بامتصاص الصدمات في شكل تنازلات جزئية، وعود غير ملزمة، حضور أمني كرادع نسبي. بعد الحرب، يتضح تحوّل في آليات الضبط نحو الحسم: فضّ أمني للاعتصام، فصل جماعي، إقصاء ممنهج، وتحويل عقود مستقرة بقرار وزاري واحد. الدولة ذاتها التي صوّتت موازناتها لخدمة الدين وجذب الاستثمار، تجد الآن أن تبعات الحرب وفاتورتها الاقتصادية تُحمَّل أولاً وأخيراً لمن لا يملكون إلا قوة عملهم.
تاريخياً، هذه المعادلة ليست مصادفة. حين يضيّق هامش التنازل الاقتصادي، نتيجة حرب وتقشف وشروط صندوق النقد، تنزلق أدوات الحوكمة من الإقناع إلى الإكراه. العامل المصري يشهد اليوم تجلياً مكثفاً لما كان يجري بصورة مبعثرة قبل الحرب: نمط ممنهج يكشف أن بنية الاستغلال لم تتغيّر، لكن هامش الاحتمال، للطرفين، بات أكثر ضيقاً مما كان عليه في أي وقت مضى.





