انتصار يجب تعميمه
محصلو مياه القليوبية ينتزعون الحد الأدنى للأجور

بعد شهور من الاحتجاجات المتكررة أمام فروع شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقليوبية، نجح محصّلو الفواتير وقارئو العدادات العاملون بنظامي العمولة والوكالة في انتزاع واحد من أهم مكاسب العمال في قطاع المرافق خلال السنوات الأخيرة: إقرار تطبيق الحد الأدنى للأجور عليهم، وتوقيع عقود جديدة تُحوّلهم من عمال هامشيين بلا أمان إلى جزء مُعترف به من الهيكل الوظيفي للشركة.
خلال اجتماع تفاوضي عُقد السبت 6 يونيو 2026 بمقر فرع الشركة في القناطر الخيرية، بحضور رئيس الشركة محمد فودة وعدد من القيادات وعضو مجلس النواب عن قليوب والقناطر سمير البيومي، توصّل عشرات العمال إلى اتفاق ينص على:
تطبيق الحد الأدنى للأجور عليهم بدءاً من راتب يوليو المقبل، براتب ثابت لا يقل عن الحد الأدنى.
تحرير عقود عمل جديدة للعاملين بنظامي العمولة والوكالة تثبت مدة خدمتهم السابقة بالشركة.
تضمين العقود للمرة الأولى ضمانات تأمينية وصحية واجتماعية، وحقهم في الإجازات والأرباح السنوية.
توحيد موعد صرف الرواتب ليكون في يوم 25 من كل شهر أسوةً بالمعيّنين، بدلاً من نظام الصرف على دفعتين.
المتحدث باسم المحصلين، محمد داود، أوضح لـ«المنصة» أن العقود الجديدة تربط بين الأجر الأساسي (الحد الأدنى) ومكافأة تحصيل تُحدد نسبتها لاحقاً، بحيث لا يعود دخل العمال مرهوناً بالكامل بالعمولة وحدها كما كان سابقاً.
الاتفاق الحالي قد يُغلق حلقة بدأت العام الماضي حين دفعت إدارة الشركة عدداً كبيراً من العمال إلى توقيع عقود “وكالة” تحت مسمى “عقد العمل الموحد” بدلاً من عقود العمولة القديمة. كثير من العمال رفضوا التوقيع آنذاك، معتبرين أن هذه الصيغة تنتقص من بعض الحقوق التي كانوا يحصلون عليها، ولا تمنحهم في المقابل أية حماية تأمينية حقيقية.
الآن، تنتقل هذه الفئتين، العمولة والوكالة، إلى وضع قانوني أفضل، أجر ثابت، تأمينات، حقوق إجازات وأرباح، واعتراف رسمي بسنوات الخدمة السابقة. هذا التحول لم يأتِ بمبادرة من الإدارة، بل تحت ضغط وقفات احتجاجية متتابعة.
من وقفة فرع قها في أبريل الماضي اعتراضاً على استبعاد عمال الوكالة من أرباح 2025 وتدني أرباح عمال العمولة إلى وقفات مارس 2025 المتزامنة في القناطر والخصوص وشبرا الخيمة وبنها للمطالبة بالحد الأدنى للأجور وعقود شاملة، بعد تحركات مماثلة في القليوبية وأسوان والجيزة.
من منظور اشتراكي، يحمل هذا الانتصار العمالي دلالتين أساسيتين.
أولاً، أنه يثبت أن التنظيم القاعدي والاحتجاج المتواصل، حتى لو كان في شكل وقفات محدودة أمام الفروع ، قادران على انتزاع مكاسب ملموسة حتى في بيئة سياسية قمعية ومُقيّدة. فعمال التحصيل، الذين عُوملوا لسنوات كقوة عمل هامشية “على العمولة”، نجحوا عبر الضغط الجماعي في فرض الاعتراف الرسمي بهم كعمّال بأجر ثابت وحقوق تأمينية.
ثانياً، أنه يفضح التناقض في سياسات الدولة نفسها. فالشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، بوصفها كياناً عاماً، كانت تُبقي آلاف المحصلين وقارئي العدادات في أوضاع عمل أقرب إلى العمل غير الرسمي، بأجور أقل كثيراً من الحد الأدنى، بينما تروّج الحكومة في خطابها العام لرفع الحد الأدنى و«توسيع شبكات الحماية الاجتماعية».
اتفاق 6 يونيو لا يُنهي كل أوجه الاستغلال في هذا القطاع، لكنه يُعيد توزيع جزء من القوة لمصلحة العمال، ويؤكد أن الحد الأدنى للأجر ليس منحة من صاحب العمل، بل نتيجة نضال جماعي يمكن، بل يجب، تعميمه على قطاعات أخرى من العاملين بعقود هشة في الدولة والقطاع الخاص.





