بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إدارة «الإسكندرية للحاويات» تتراجع أمام الإضراب وتنتقم من أحد قياداته

أحالت إدارة شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع القيادي العمالي يسري معروف إلى التحقيق، عقب إضراب قصير نفذه العمال في نهاية أغسطس للمطالبة بحقوق مالية ووظيفية. الإحالة تمثل رسالة تأديب واضحة: الإدارة قبلت تحت ضغط العمال العودة إلى وردية الثماني ساعات، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى دفع ثمن الاحتجاج من أحد الوجوه المعروفة داخل الشركة.

جاء الإضراب بعد سلسلة من الإجراءات التي أعادت ترتيب مواقع العمال ودخولهم وحقوقهم بما يخدم الإدارة، من هيكلة جديدة للدرجات الوظيفية، وخفض فعلي للأجور، ونقل عمال إلى أقسام لا تلائم خبراتهم، الى فرض ورديات عمل تمتد إلى 12 ساعة. وهي سياسة تُقدَّم عادة باسم «إعادة الهيكلة» و«رفع الكفاءة»، فيما معناها الواقعي تسوية العامل الذي أمضى 25 عامًا في العمل بمن سبقه بعشر سنوات، وتقليص الأجر والحقوق المرتبطة بالخبرة والدرجة الوظيفية.
وكانت بدأت الإدارة منذ نحو أربعة أشهر بإعادة هيكلة درجات العمال الوظيفية، قبل أن تستكملها الشهر الماضي بهيكلة للأجور أفضت إلى تخفيضها.
واكتملت هذه السياسة بتمييز صارخ داخل نظام التأمين الصحي. فقد جرى تقسيم العاملين إلى فئات علاجية متفاوتة. فئة أعلى للإدارة والمسؤولين، وأخرى أدنى للعمال والأخصائيين والمحاسبين ورؤساء الأقسام، لتظهر الصورة بكل وضوح: العمال يمولون مشروعًا تكافليًا من أجورهم، لكن الإدارة تعيد إنتاج التراتب الوظيفي داخل الحق في العلاج نفسه، كأنه امتياز لمن يدير العمل لا حق لمن يقومون به.
أما فرض ورديات الاثنتي عشرة ساعة، فهو بدوره ليس مجرد «تنظيم للتشغيل». إنه انتزاع لساعات إضافية من حياة العمال دون معالجة عادلة للأجر أو ظروف العمل، في نشاط يعتمد على الموانئ والحاويات والحركة المتواصلة للبضائع؛ أي في موقع يعرف فيه كل عامل أن استمرار التشغيل وتحقيق الأرباح لا يقومان إلا على جهده المباشر.
وأثبت تحرك العمال، ولو استمر لساعات، أن الإضراب ليس فعلًا رمزيًا. فبحسب ما نقلته «مدى مصر»، حضر إلى الشركة يوم الخميس الماضي مستشار لوزير النقل، ورئيس الشركة القابضة للنقل البحري، وعضو بمجلس إدارة الشركة، للاجتماع بالعمال بحضور يسري معروف. وانتهى الاجتماع إلى قبول مطلب العودة إلى وردية الثماني ساعات، مع وعد بتصحيح هيكل الأجور وإعادة ما جرى تخفيضه.
وكشف هذا أن الإدارة كانت قادرة على التراجع منذ البداية، لكنها لم تفعل إلا بعدما تعطلت آلية الصمت المعتادة. كما يبين أن المشكلة ليست في «استحالة» تلبية مطالب العمال، بل في ميزان القوى.
لكن قبول مطلب أو اثنين لا يلغي الخطر. فإحالة يسري معروف للتحقيق بعد الاجتماع مباشرة تهدف إلى فصل النتيجة الجزئية التي حققها الإضراب عن الوسيلة التي حققتها: التنظيم العمالي. تريد الإدارة أن تقول للعمال إن بوسعهم تلقي الوعود، لكن من يتقدم الصفوف أو يربط المطالب ببعضها أو يملك تاريخًا نقابيًا، فسيكون عرضة للتحقيق والعقاب.
ليس يسري معروف اسمًا جديدًا على إدارة الشركة أو على العمال. ففي 2011 كان من بين عمال خاضوا إضرابًا ضد الفساد داخل «الإسكندرية للحاويات». وقد صدرت ضد معروف وأربعة عمال آخرين في البداية أحكام بالحبس ثلاث سنوات، والفصل من العمل، وغرامة عشرة آلاف جنيه لكل منهم، قبل أن يحصلوا على البراءة في الاستئناف عام 2014.
وترتبط تلك المواجهة أيضًا بمعركة العمال ضد عقد منح شركة دولية صينية حق استغلال أرصفة في مينائي الإسكندرية والدخيلة لمدة 25 عامًا، على مساحة 250 ألف متر مربع وبسعر ثلاثة دولارات للمتر. حصل العمال في 2012 على حكم ببطلان العقد، لكن الشركة لجأت للطعن، ثم أُحيل النزاع في 2016 إلى المحكمة الدستورية العليا، فيما ظلت الشركة الصينية تمارس أعمالها.
لذلك لا يمكن فصل التحقيق الحالي عن هذا التاريخ. فالإدارة لا تواجه عاملًا اعترض على قرار فردي، بل تواجه قياديًا عماليًا شارك سابقًا في فضح صفقات الخصخصة والاستغلال، ويمتلك خبرة في العمل الجماعي والنقابي. وهو بالضبط النوع الذي تخشاه إدارات الشركات العامة والخاصة، عامل يعرف أن الدفاع عن الأجر لا ينفصل عن الدفاع عن الشركة من الفساد والخصخصة، ولا عن حق العمال في الرقابة على ما يجري داخل أماكن عملهم.
تدير الشركة محطتين رئيسيتين في مينائي الإسكندرية والدخيلة، وبلغ ما تداولته في العام المالي 2024/2025 نحو 1.07 مليون حاوية، مقابل طاقة إجمالية قدرها 1.5 مليون حاوية مكافئة، أي بمعدل تشغيل بلغ 71%. هذه الشركة جزء أساسي من شريان التجارة الخارجية المصرية ومنظومة الموانئ التي تسعى الدولة إلى توسيعها وجذب الاستثمارات إليها.
المطلوب الآن ليس فقط تنفيذ وعود الإدارة بشأن الأجور والورديات، بل وقف التحقيق مع يسري معروف وسحب أي إجراءات عقابية مرتبطة بالإضراب. فالمطالبة بالحقوق ليست مخالفة، والإضراب الذي أجبر الإدارة على الاستجابة ليس جرمًا يستحق الانتقام.
كما يحتاج عمال «الإسكندرية للحاويات» إلى التمسك بوحدتهم ولجانهم وتنظيمهم المستقل، وربط مطلب العودة للأجر السابق بوقف التمييز في العلاج، وإلغاء نقل العمال تعسفيًا، واحترام الخبرة والدرجات الوظيفية، وضمان ألا يعود نظام الـ12 ساعة من باب آخر تحت أي مسمى.
لقد أثبت الإضراب القصير أن العمال قادرون على فرض التراجع. أما التحقيق مع أحد قياداتهم، فهو اختبار لما إذا كان هذا التراجع سيُترجم إلى مكسب ثابت، أم ستنجح الإدارة في تفكيك الصف العمالي بالعقاب والخوف.