الدولة في خدمة المضاربة العقارية
تفكيك مصنع «غزل طنطا» ونقل العمال لإخلاء الأرض أمام الاستثمار

احتج عمال وعاملات شركة الدلتا للغزل والنسيج في طنطا ضد قرار نقل نحو 850 عاملًا وعاملة إلى مصنع نسيج زفتى، تمهيدًا لهدم مجمع الشركة المقام على مساحة 44 فدانًا، وطرح الأرض للاستثمار. يأتي ذلك بعدما بدأت الإدارة بالفعل في فك الماكينات، وأعلنت عن مزايدة لهدم مباني وأنقاض الوحدة التي حُدد موعدها في 5 أكتوبر المقبل.
ما يجري ليس «تطويرًا» للصناعة ولا إعادة توزيع عقلانية للعمالة، بل تفكيك فعلي لمصنع له تاريخ طويل في قلب مدينة طنطا، وتحويل أرضه إلى أصل عقاري قابل للبيع أو الاستثمار. مرة أخرى، يصبح العامل هو الطرف الأخير الذي يُبلَّغ بالقرار، ويُطلب منه أن يتحمل نتائجه: انتقال قسري، ومصير وظيفي غامض، واحتمال فقدان الحقوق أو تآكلها مع الوقت.
أُنشئت شركة الدلتا للغزل والنسيج عام 1960 بوصفها جزءًا من قاعدة صناعية ربطت زراعة القطن في الدلتا بالإنتاج الصناعي. وضمت منشآتها في طنطا ثلاثة مصانع للغزل، وخطوطًا لإنتاج الخيوط والمنسوجات والمفروشات والفوط والوبريات، بطاقة إنتاجية قُدرت بنحو 35 طنًا يوميًا من الخيوط والمنسوجات.
لكن لغة الإدارة لا تتحدث الآن عن تطوير خطوط الإنتاج أو إصلاح الماكينات أو استعادة أسواق الشركة أو تحسين أحوال العمال. الكلام العملي يدور حول نقل العمال، وفك الماكينات، ومزايدة للهدم، ثم استثمار مساحة الأرض.
وهذا هو جوهر المسألة. فالأرض الواقعة داخل مدينة طنطا، وفي موقع مركزي، تصبح في نظر الدولة أكثر قيمة حين تُحرر من المصنع والعمال، وتُطرح لمشروعات عقارية أو تجارية أو استثمارية جديدة. أما القيمة التي ينتجها المصنع في تشغيل العمال، وربطه بالزراعة، وتوفير السلع، وخبرات عمال النسيج المتراكمة، فتُعامل بوصفها عبئًا يجب التخلص منه.
لا يعني ذلك أن المصنع لم يكن يحتاج إلى تحديث، أو أن قطاع الغزل والنسيج لا يواجه أزمة حقيقية. لكن حل الأزمة ليس هدم المصانع وتحويل أراضيها إلى سلعة. فالإدارة التي تعجز عن تطوير منشأة صناعية يمكن أن تجد دائمًا «حلًا» أسهل: تصفية النشاط وبيع الأرض. وهو حل يدمر العمل والإنتاج المحلي في الوقت نفسه، ويمنح الأولوية للريع العقاري بدل الصناعة.
الانتقال من مدينة إلى أخرى ليس قرارًا إداريًا بسيطًا. إنه يغيّر حياة العمال اليومية: ساعات المواصلات، تكلفتها، وعلاقة العامل بأسرته، ومواعيد رعاية الأطفال، واحتمالات الاستمرار في الوظيفة من عدمها.
والنقل «الإجباري» يؤدي في كثير من الأحيان وظيفة دفع جزء من العمال إلى ترك العمل، سواء بسبب مشقة الانتقال أو ارتفاع كلفته أو ظروف الأسرة والصحة. وبدل إعلان فصل جماعي وما يثيره من مقاومة قانونية وعمالية، يُنقل العامل إلى مكان أبعد أو ظروف أصعب، ثم يُترك أمام خيارين: القبول بشروط أدنى، أو الاستقالة والتنازل عن حقه.
ولهذا يطالب العمال بتطبيق ما جرى في شركات أخرى للغزل والنسيج، بما يضمن استمرار صرف الأجور وكامل المستحقات حتى بلوغ سن المعاش. وهو مطلب مفهوم تمامًا في ظل غياب أي ضمان واضح لمصير العمال بعد الهدم. فالتجارب السابقة في «إعادة الهيكلة» والنقل والتصفية علمت العمال أن الوعود الشفهية لا تحمي أجرًا ولا تأمينًا ولا معاشًا.
ومن حق العمال أن يرفضوا فرض الأمر الواقع. فبدء فك الماكينات قبل حسم التفاوض، والإعلان عن موعد مزايدة الهدم، يمثلان ضغطًا مقصودًا لدفع العمال إلى قبول النقل من دون ضمانات. والرد على ذلك يجب أن يكون بالتمسك بأن أي خطوة تخص النقل أو الهدم أو إعادة التوزيع لا يمكن أن تبدأ قبل اتفاق مكتوب وملزم مع ممثلي العمال.
قضية «غزل طنطا» ليست شأنًا محليًا يخص 850 عاملًا وعاملة فقط. إنها جزء من مسار أوسع يجري فيه التعامل مع المصانع العامة بوصفها مخزونًا من الأراضي والأصول القابلة لإعادة التوظيف لصالح الاستثمار، لا بوصفها قاعدة إنتاجية يجب تطويرها لصالح المجتمع.
والدفاع عن العمال ليس دعوة إلى الإبقاء على مصنع متروك للتدهور. بل هو دعوة إلى إعادة توجيه الموارد العامة من المضاربات العقارية إلى الصناعة، وإلى أن يكون العمال طرفًا أساسيًا في تقرير مصير المصنع، لا مجرد قوة عمل يجري نقلها أو الاستغناء عنها بعد اتخاذ القرار.
الأرض التي قامت عليها «غزل طنطا» ليست ورقة في مزاد عقاري فقط. إنها ثمرة عقود من عمل آلاف العمال، ومن موارد عامة، ومن تاريخ صناعي لا يجوز محوه بالجرافات.





