بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

«بلترة» العمل الذهني – الأطباء نموذجا

أدى تطور علاقات الإنتاج الرأسمالية منذ ثمانينيات القرن المنصرم إلى «بَلْتَرة» العمل الذهني، أي تحويل من يعمل عملا «ذهنيا» إلى عاملين بأجر «بروليتاريا»، وهو ما نراه واقعا في حال قطاعات عريضة من الأطباء والمهندسين من تحولهم من برجوازي صغير له وضع متميز اجتماعيا عن الطبقة العاملة بالمفهوم التقليدي –  العامل المصنعي –  واختفاء تقسيم العمل الوهمي في المجتمع الرأسمالي بين أصحاب الياقات البيضاء والياقات الزرقاء، ووضوح حالة التناقضات الطبقية بين أطباء ومهندسين مليارديرات وأطباء ومهندسين يبيعون قوة عملهم مقابل أجر سواء من الدولة للعاملين في جهاز الدولة أو القطاع الخاص، بالإضافة إلى روشتات قروض صندوق النقد الدولى والأزمة المالية العالمية التي بدأت في 2008 وتوابعها المستمرة، وما تفرضه من خطط تقشف تتضمن تخفيض الإنفاق الحكومى على مجالات الخدمات مثل الصحة والتعليم والإسكان، وتحول الدولة من مقدم للخدمات إلى مراقب لما يسمى بتطوير جودة الخدمة تمهيدا لخصخصتها، وما يستتبع ذلك من تدهور فى رواتب العاملين والخدمة المقدمة لإيجاد المبررات لدخول القطاع الخاص بديلا عن انسحاب دور الدولة.

كان هذا هو الظرف الموضوعي الذي أعد المشهد لدخول الأطباء فى مقدمة حركات الاحتجاج ضد سياسات التقشف والعولمة الرأسمالية على مستوى عالمي وليس فى مصر وحدها. حيث قام الأطباء بتنظيم أكثر من إضراب فى السنوات الأخيرة في بريطانيا وألمانيا، وفي اسبانيا قام العاملون بالقطاع الصحي بإضراب ضد خصخصة الخدمة الصحية والمستشفيات.

أما فى مصر فقد انخرطت قطاعات واسعة من الأطباء فى الاحتجاج الاجتماعي قبل ثوره يناير بداية من عام 2008 وظهور حركه “أطباء بلا حقوق” كنتيجة لضغط الأزمة الاقتصادية عليهم.

تاريخيا كان الأطباء قادرين على إيجاد حلول فردية للخروج من أزماتهم وبالتالي الحفاظ على وضعهم كشريحة اجتماعية متميزة فى الطبقة الوسطى. مثلا، إذا كانت مرتبات الحكومة هزيلة فالحل هو الحصول على دراسات عليا «ماجستير»، وفتح عيادات خاصة، أو السفر للخليج والعودة لفتح عيادات خاصة وتصدير الأزمة للشرائح الاجتماعيه الأفقر.

ولكن بمرور الوقت ازدادت الحلول الفردية ضيقا وصعوبة بالتدريج؛ ففرص السفر أصبحت قليلة، وشهادة الماجستير من الجامعات المصرية لم تعد مطلوبة حيث يطلب سوق العمل فى الخليج شهادات أجنبية كزمالة بريطانية أو معادلة أمريكية أو ما شابه، كما أن دخول الرأسمالية الكبيرة في سوق الصحة قلّل فرص العيادات الخاصة ﻷنها تجد منافسة وتضييق من المستشفيات الخاصة والمراكز الطبية الأعلى تجهيزا، مما أجبر الكثير من الأطباء على إغلاق عياداتهم والعمل في عيادات تابعة لمستشفيات خاصة ﻷن العيادة الخاصة “مش جايبة همّها”، ومن هنا يتحول الطبيب من برجوازي صغير يملك عمله الحر إلى عامل بأجر.

ويعمل 80% من الأطباء عملاً إضافياً إلى جانب العمل الحكومي، وحوالي 35% من الأطباء يعملون في مكانين بالإضافة إلى العمل الحكومي لسد احتياجاتهم. ويبلغ متوسط أجر الطبيب المصري حديث التخرج (تكليف ونيابة) حوالي 300 جنيه راتب أساسي، بالإضافة بدل سهر عن النوبتجية، حوالي 400 جنيه. ويصل حافز طبيعة عمل إلى 400 أو 500 جنيه، في حالة وجود اعتمادات مالية ﻷنها حوافز، أي من الممكن أن تتأخر بالشهور أو لا تأتي أو تأتى منقوصة، أي يترواح متوسط دخل الطبيب حديث التخرج من حوالي 1000 إلى 1200 جنيه من عمله الحكومي، فيما تصل مصاريف الدراسات العليا سنوياً لحوالي ألفين إلى ثلاثة آلاف جنيه في بعض الجامعات.

وجاءت مشاركة الأطباء فى الثورة المصرية قوية وواضحة للجميع، وخاض الأطباء فى مصر إضرابين بطول البلاد وعرضها بعد الثورة، وكانت طليعة الأطباء المناضلة فى مقدمة صفوف كل المعارك والمشاهد الكبرى في الثوره المصرية، وكانوا فى الصفوف الأولى فى المستشفيات الميدانية في موقعة الجمل ومعارك محمد محمود ومجلس الوزراء وحتى معركة الاتحادية وما تلاها، لكن القطاعات الأوسع من الأطباء برغم انخراطها في نضالات ضد الدولة إلا أن وعيهم لا يزال ممتلئ بأحلام الصعود البرجوازي بسبب التميز الوهمي الذي يقدمه المجتمع للأطباء، ولكن الطليعة الأكثر وعياً ونضالية والتى تلعب الدور القيادى فى الحركة الاحتجاجية للأطباء قد كونت وعيا بروليتارياً، فلم يطالبوا فى إضرابهم برفع مرتب الطبيب فقط بل بكادر مالي لكل العاملين بالصحة من أطباء وصيادلة وهيئة تمريض وفنيين أشعة ومعامل.. إلخ، ولم تقتصر مطالبهم على المطالب الاقتصادية الخاصة بل تعدتها إلى المطلب السياسي وهو رفع ميزانية وزارة الصحة والتصدي لمحاولات خصخصة التأمين الصحي، وظهرذلك أيضا عندما قدم مجلس النقابة ذو الأغلبية الإخوانية في الجمعية العمومية لنقابة الأطباء بتاريخ 21 يونيو 2012، والتي اتخذت قرار إضراب أكتوبر 2012 التاريخي الذي استمر لحوالي ثلاثه أشهر، مقترح برفع أسعار الخدمات فى المستشفيات العامة، كرسوم الاستقبال والتحاليل والأشعة، لتمويل كادر الأطباء وكان الرفض كاسحا من الحضور لفكرة زيادة استغلال المرضى من أجل المصلحة الشخصية وأصرت الجمعية العمومية على المطالبة برفع ميزانية الصحة والرفض الكامل لأي محاولات لخصخصة الخدمة الصحية وتحويلها لسلعة.

على الطليعة الثورية من الأطباء دور ومسئولية تاريخية ليس فقط في تطوير وعي زملائهم وهم منغرسين بينهم فى نضال الأطباء، ولكن عليهم أن يكونوا قاطرة للطبقة العاملة المصرية وأن يقودوا سياسيا نضالاتها الاجتماعية المستمرة منذ 6 أبريل 2008 حتى الآن.