بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إضراب لا يمكن تجاهله

جاء إضراب عمال النقل العام في أغسطس الماضي في توقيت غاية في الحساسية، فبعد الصعود المستمر للحركة العمالية منذ ديسمبر 2006، وحتى الآن ، وبعد توالي نجاح الإضرابات، وتقديم الحكومة ورجال الأعمال لمزيد من التنازلات أمام الضغط العمالي، بدأت الدولة في انتهاج سياسة جديدة تجاه الحركة العمالية، وهي سياسة التجاهل، فالشهور السابقة على إضراب عمال هيئة النقل العام شهدت عدم اكتراث واضح من قبل الدولة بإضرابات، واحتجاجات عمال السويس للأسمدة، وعمال طنطا للكتان، وخبراء وزارة العدل، وعمال البريد، وسياسة التجاهل تلك كادت تؤدي إلى تسرب الإحباط إلى الحركة العمالية، خاصة مع احتجاجات استمرت لشهور، وكان من آثار تلك السياسة إنهاء إضراب عمال السويس للأسمدة بعد ما يقرب من شهر، وكذلك تعليق إضراب الخبراء، الذي استمر لشهور.

سياسة التجاهل، التي حاولت الدولة تعميمها تجاه الحركة العمالية، لم يكن في مقدور الدولة تجربها مع عمال هيئة النقل العام، الذين تظهر آثار إضرابهم فوراً على المحطات والشوارع والميادين.

لقد حطم إضراب عمال النقل العام بالقاهرة سياسة التجاهل، اضطرت الدولة للتدخل، وتلبية المطالب قبل مرور 48 ساعة فقط منذ بداية الإضراب، وهو ما أوقف مسلسل الإحباط.

لكن لا يمكن اعتبار ما حققه عمال النقل العام بإجبار الدولة على تنفيذ مطالبهم تحولاً نهائياً في تعامل الدولة مع إضرابات العمال، لقد فوجئت الدولة باندلاع الحركة العمالية، ولم تسعفها أدواتها التقليدية ( الأمن، التنظيم النقابي العميل) في إخماد الحركة، وعندما بدأت التطورات تطرأ على احتجاجات العمال من حيث انتشارها و امتدادها رأسياً، وتنظيمها وتطور مطالبها بدأت تبلغ الحركة مستوى من التنظيم والقوة لا تريده الدولة بالطبع، فكان من الطبيعي أن تحاول الدولة وقف تنازلاتها أمام ضغط الإضرابات، فإذا كانت الدولة لا تستطيع قمع الحركة العمالية بالقوة والقمع المباشر، فليس أقل من محاولة إحباط الحركة بإهمالها ومحاولة توصيل رسالة أن الإضراب لا يفيد. إلى جانب الاضطهاد المنظم للقيادات العمالية في المواقع عبر الجزاءات والنقل والفصل.

جاء إضراب عمال النقل العام إذن كصفعة قوية لسياسة التجاهل، التي اتبعتها الدولة خلال الشهور الماضية، لكنه لم ينه تلك السياسة، إن الحركة العمالية التي تصاعدت على مدى السنوات الثلاث الماضية، أحرزت مكاسب هامة إلى جانب تحقق الكثير من مطالبها، ومنها انتزاع حق الإضراب، و التقدم على مسار التنظيم النقابي المستقل، والأهم هو وضع الحركة العمالية كمعطى أساسي على خريطة الحياة السياسية في مصر. ويبدو أن الحركة الآن على وشك الدخول في اختبار جديد.