بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إضراب عمال كريستال عصفور: درس المعركة.. وبداية جديدة للنضال

يُعد مصنع كريستال عصفور بشبرا الخيمة من أكبر مصانع النجف في العالم، فأسعار النجف التي ينتجها تصل أحيانا لعشرات الآلاف من الجنيهات، والمشكلة بداخله بدأت مع ميكنة المصنع لخفض الأيدي العاملة، وبالتالي خفض التكلفة، ومع إنشاء مصنع للرصاص – الذي تمتنع دول أوروبا عن إنشاء مثله لما يمثله من خطورة على صحة الإنسان – وبالتالي ارتفاع أسعاره لندرته، فاضطر عصفور إلى إنتاجه.

كان عدد العاملين بالمصنع منذ عدة سنوات حوالي 37 ألف عامل انخفض إلى 17 ألفا مع دخول الآلات الحديثة إلى المصنع. موجات من الفصل للعمال بالمئات، ولكن الفصل دائما من نصيب من يُصابون بأمراض من الرصاص أو انزلاق غضروفي نتيجة العمل الشاق أو من تجاوز عمره الأربعين، ليتحول المصنع إلى مجموعة من الشباب وافر الصحة يعيش في مناطق ريفية يُفصل أو يُرحّل بمجرد انتهاء فترة صلاحيته تماما مثل علب البيف أو التونة تُلقى في القمامة بمجرد انتهاء صلاحيتها.

ينقسم كريستال عصفور إلى ثلاثة مصانع؛ عصفور 1 والذي ينتج الرصاص وينتج الكريستال، المادة الخام الذي يعمل بها مصنعي عصفور 2 و3، ويسبب هذا ارتفاع في نسبة الرصاص في الدم والذي يتسبب في موت مبكر من الأعراض التي تسبقه:

أعراض مرتبطة بالجهاز العصبي: بطء في الإدراك، ألم وخدر في الأطراف، صداع، أرق، تغير في المزاج، الإحساس بطعم معدن في الفم، فقدان الشهية، وفي الحالات الشديدة قد يصل الأمر إلى تشنجات عصبية وغيبوبة.
أعراض مرتبطة بالجهاز الهضمي: غثيان، تقيؤ، آلام في البطن، وأحيانا يظهر طيف أزرق حول اللثة.
أعراض أخرى: فقر الدم، وانخفاض في كمية السائل المنوي لدى الرجال، ومشاكل في الكلية.

ويعاني من كل هذه الأعراض العمال بعصفور 1 بالإضافة إلى الأهالي في المناطق المحيطة بالمصنع، ويعاني العمال أيضا من أمراض الصدر وهشاشة العظام والانزلاق الغضروفي، بالإضافة إلى المئات من حالات بتر الأصابع والأطراف.

ومصنع الرصاص أقدم مصانع عصفور الثلاثة وأقلهم عمالة، إذ يبلغ عدد عمّاله حوالي ثلاثة آلاف عامل. وكان الأهالي في المنطقة المحيطة بالمصنع قد قدموا شكوى منذ عدة سنوات ضد مصنع الرصاص، فقام عصفور بنقل المدخنة إلى مكان آخر متوارٍ عن الأنظار وأغلق البوابة بجوار الأهالي، وأُطلقت إشاعة أن المصنع متوقف عن العمل، ثم تضاعف الإنتاج سرا بدون علم الأهالي المقيمين بمحيط مصنع الموت والهلاك. بنى عصفور مسجدا ضخما عالي التكلفة ليصلي فيه العمال بانتظام ويسمعوا خطبا من الإمام “محيي” الذي يعظهم باستمرار عن أهميه الإخلاص في العمل والدعاء لصاحب المصنع والبعد عن المشاكل والإضرابات لأنها “تضر بالعامل فقط وتغضب الله”!

وبمجرد دخولك المصنع تلتف حولك مجموعة كبيرة من شباب العمال مبتور الأطراف، منهم من يمشي ببخاخ صدر، ومنهم من معه تقارير وتحاليل من وزارة الصحة تفيد بأن معدل الرصاص في دمه 40% أو 50%، وتحاليل أخرى من معامل ترسل إدارة عصفور العمال إليها تعطيهم تقارير بأن الرصاص في دمهم لم يتجاوز النسبة المصرح بها عالميا، بعدما ترسل النتائج الصحيحة إلى إدارة الشركة.

والمصانع الثلاثة أسوارهم عالية ويعلو الأسوار أسلاك شائكة وكاميرات مراقبة عالية الدقة وأسفلها أفراد أمن مؤهلين ومحترفين ومعظمهم تلقى تدريب عسكري، أما مديرو الأمن فمعظمهم لواءات شرطة أو جيش.

ويحكي العمال أنه منذ عام تقريبا وقعت ورقة في يد أحد العمال بأسماء 20 من زملائه مصابين بنسبة مرتفعة من الرصاص في الدم ومقبلين علي الموت، فشهّر بالإدارة وكان ينوي اتخاذ خطوات قانونية إلا أن نفوذ الحاج عصفور الواصل لدى الشرطة تسبب في التنكيل بهذا العامل وتعذيبه على يد جهة أمنية.

الإضراب والمطالب
بدأ الإضراب يوم 11 نوفمبر بسبب عملية فصل كبيرة راح ضحيتها 300 عامل انتهت فترة صلاحيتهم بتجاوز عمرهم الأربعين أو إصابتهم بأمراض مزمنة نتيجه العمل الشاق بمصانع عصفور الثلاثة، فكانت بمثابة إشارة البدء التي أطلقت العمال فامتنعوا عن العمل واعتصموا داخل المصنع. وقد شارك في الإضراب العاملات لما يتعرضن له من اضطهاد بسبب كونهن نساء وإجبارهن على ارتداء الخمار والعمل في ظروف قاسية بأجر بسيط وبدون عقد.

جاءت مطالب العمال كما يلي:

  1. عودة العمال المجبرين علي الاستقالة بدون وجه حق.
  2. تحويل العقود المؤقتة إلى دائمة.
  3. زيادة المرتبات الأساسية إلى 2500 أسوة بالإداريين والموظفين.
  4. صرف بدل تلوث للعاملين بالشركة (يُصرف للموظفين والمهندسين فقط).
  5. توفير وسائل المواصلات أسوة بالموظفين والإداريين.
  6. فصل النظام العلاجي بالشركة وتحويله إلى مستشفى النيل (توجد عيادة بالشركة بها بعض الأطباء صغار السن والخبرة لا يعترفون بإجازات التأمين الصحي ولا علاجه ويجبرون العامل على العمل حتى أثناء مرضه مع كتابات تقارير طبية مضللة لحساب صاحب المصنع).
  7. إغلاق مصنع الرصاص بالشركة لأنه يؤدي إلى وفاة العمال والأهالي.
  8. تقليل نسبة التلوث بالشركة عن طريق مراقبة وزاره البيئة على المصنع غير الموجودة أصلا.
  9. صرف المنح بأثر رجعي منذ عام 2008.
  10. إلغاء الوردية الثالثة والحصول على إجازة يوم الجمعة.
  11. توزيع الأرباح في نهاية العام بدلا من ضياعها في المرتب (على كل شهر يُصرف جزء من الأرباح في المعتاد).

وقد استمر الإضراب 11 يوم حتي الخميس 21 نوفمبر، دخل بعدها العمال مع الشركة في تفاوض كان الوسيط بينهم هو وزير القوى العاملة كمال أبو عيطة والذي أدلى بتصريحات ضد العمال في بداية الإضراب، فناله سيلٌ من السباب والدعاء عليه أمام كل صحيفة أو قناة سجلت مع العمال.

وقد اتفق ممثلي العمال على أن الزيادة سوف تكون 14% بدلا من 7%، وأن الأرباح ستُوزع آخر العام وألا تكون للإدارة نية لفصل العمال، وهو الاتفاق الذي وافق عليه معظم العمال وإن لم يرضَ بعضهم إذ وجدوا أنه غير كافٍ ولكنهم فضوا إضرابهم على مضض، على أمل أن يكون هناك إضراب آخر يحقق باقي المطالب.

الإضراب القادم سيكون أقوى لأن المعركة قد نحّت جانبا القيادات القديمة وأفرزت غيرهم من وسط النضال. وأحد اسباب فض الإضراب والقبول بصفقة ضعيفة بالنسبة للعمال هو أن معظم العاملين من الريف يتمتعون بنوع من التكافل الاجتماعي، كما أن النقابة الخاصة بالعمال وصندوق الزمالة يتبعون صاحب المصنع، وقد أعد العمال للإضراب المقبل خطة للإطاحة بهما.. لا شيء يكشف قوة العمال ووحدتهم أكثر من المعركة والنضال الجماعي.