بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

إضراب عمال المواصلات في نيويورك

بداية لصحوة عمالية جديدة في الولايات المتحدة

هل يوجد في الولايات المتحدة فقراء؟ عمال الولايات المتحدة يعيشون أحسن من أغنياء مصر! الولايات المتحدة هي الدليل على أن الرأسمالية تحقق الجنة على الأرض! هذه المقولات وغيرها الكثير نسمعه طوال الوقت ممن يريدون التدليل على أن النظام الرأسمالي هو النظام الوحيد الصالح والذي سيضمن للبشرية الرخاء الدائم، وأنه سيقضي على الصراع الطبقي. ولكن عمال المواصلات في نيويورك، عاصمة المال في الولايات المتحدة والعالم، أثبتوا للجميع خطأ هذه المقولات وزيفها. فللمرة الأولى من 25 عاماً تشل نيويورك تماماً بسبب إضراب عمال الأتوبيسات ومترو الأنفاق (الذي شارك فيه 34 ألف عامل) والذي استمر لمدة ثلاثة أيام ليثبت أنه لا جنة على الأرض في ظل الرأسمالية.

إضراب عمال المواصلات جاء احتجاجاً على خطة سلطة مواصلات العاصمة Metropolitan Transportation Authority (MTA) لزيادة المدة التي يقضيها العمال الجدد حتى يحصلوا على معاش كامل. فبدلاً من أن يتقاعد العامل في سن الخامسة والخمسين، سيكون عليه أن يتقاعد في سن الثانية والستين. هذا بالإضافة للانتقاص من حقوق ومكتسبات العمال في مجال الخدمات الصحية وشروط العمل.

جاء قرار العمال بالإضراب بعد أن وصلت المفاوضات بين النقابة الإقليمية التي تمثلهم Transport Workers Union Local 100 وسلطة مواصلات العاصمة (MTA)إلى طريق مسدود. وعلى الرغم من رفض الاتحاد العام TWU International للإضراب إلا أن عمال نيويورك قرروا المضي قدماً. ولم يكن هذا هو العائق الوحيد أمام الإضراب. فبمقتضى القانون المسمى، قانون تايلور، يواجه العمال عقوبة خصم أجر يومين مقابل كل يوم من أيام الإضراب. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل أن عمدة نيويورك لجأ للمحكمة للمطالبة بتغريم كل عامل 25000 دولار مقابل اليوم الأول للإضراب، على أن تتضاعف هذه القيمة في اليوم الثاني، وهكذا. أما بالنسبة لقادة الـنقابة الإقليمية فقد تم تهديدهم بالحبس لمخالفتهم القانون الذي يجرم الإضراب، بالإضافة إلى تغريم الاتحاد مليون دولار مقابل اليوم الأول للإضراب، لتتضاعف كل يوم تالي.

عمال نيويورك تحدوا كل هذه الضغوط، وهو ما يبدو أمراً غريباً لكن النظر لظروف عملهم يفسر هذا الانفجار رغم كل المخاطر. فمتوسط أعمار عمال النقل هو الأدنى بين عمال باقي المهن، حيث لا يتجاوز سنتين بعد التقاعد. أحد أهم أسباب هذا هو طبيعة عملهم التي تؤدي لاستنشاقهم كميات رهيبة من الغازات السامة طوال الوقت مما يفسد أجهزة الجسم جميعها، ويؤدي لإصابة أعداد كبيرة منهم بأمراض الكلى والبروتستاتا. من ناحية أخرى فمواعيد العمل شديدة الصرامة، تأخير دقيقة واحدة يؤدي لأن تعيد الإدارة العامل لمنزله وتخصم له اليوم. هذا بالإضافة إلى الجداول شديدة القسوة التي تجعل من الصعب على العمال، خاصة الأصغر في السن، قضاء أي وقت مع أسرهم وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات الطلاق بين العمال. وفي ظل الارتفاع الرهيب لمستويات الحياة في نيويورك، وبعد استقطاع الضرائب الضخمة لا تكفي دخول العمال سوى للحد الأدنى من الحياة.

كان العمال إذن بين شقي الرحى، فكان اختيارهم هو النضال من أجل الحفاظ على القليل الذي يمتلكونه. نضالية العمال قابلتها دعاية مضادة ضخمة من أجهزة الدعاية التي تمتلكها الرأسمالية، تتهمهم بالأنانية وبعدم مراعاة مصالح سكان نيويورك. إلا أن استطلاعات الرأي تؤكد أن نضال العمال حظي بتأييد القطاعات الأوسع من سكان نيويورك الذين أدركوا أن الهجوم على عمال المواصلات هو البداية لسلسلة من الهجمات المثيلة على القطاعات المختلفة.

ولكن فجأة وبعد ثلاثة أيام من الإضراب، الذي قدرت خسائره بـ 400 مليون دولار يومياً، دعت الـنقابة الإقليمية العمال لفض الإضراب والعودة للعمل، وذلك بعد أن توسطت الدولة للوصول لاتفاق مع سلطة مواصلات العاصمة (MTA) باستئناف المفاوضات. وهكذا عاد العمال للعمل بدون الحصول على أي مكسب، بل أن العمال لازالوا مواجهين بعقوبات وغرامات بسبب الإضراب.

هذه النهاية المؤسفة للإضراب تطرح التساؤل التالي: لماذا انهزم الإضراب رغم نضالية العمال، ورغم تأييد باقي قطاعات العمال في نيويورك للإضراب؟ هناك عدد من الأسباب وراء الفشل. لعل أهمها هو البيروقراطية النقابية التي وقفت ضد الإضراب كما في حالة الـ TWU والنقابات الأخرى التي لم تحاول تقديم أي نوع من أنواع الدعم سواء بإرسال بيانات تأييد، أو تنظيم مظاهرات أو إضرابات تضامنية. وهكذا ترك العمال وحدهم في مواجهة سلطة الدولة بقوانينها المعادية وسلطة رأس المال. أما القيادة النقابية المحلية للإضراب، فقد كانت معتمدة على الحصول على دعم من الحزب الديموقراطي، أو أصدقاء العمال كما يطلقون عليهم، ولكنهم لم يجدوا أي دعم حيث أعلنت هيلاري كلينتون، السيناتور عن مدينة نيويورك، أنها محايدة ومؤيدة لقانون تايلور، الذي يجرم الإضراب ويعرض العمال لعقوبات وغرامات.

ولكن فشل الإضراب، لا يمكن أن ينظر له باعتباره نهاية الطريق، بل هو البداية. فالحركة العمالية في الولايات المتحدة عانت لفترة طويلة من ضعف وسكون، وهذا الإضراب يمكن أن يكون بداية، خاصة وأن هذه أيضا ًبداية للهجوم على مكتسبات قطاعات أخرى من العمال. ولنأمل في النهاية أن يتعلم عمال المواصلات في نيويورك الدرس، ويبدءوا في تشكيل نقابتهم النضالية المتخلصة من عيوب البيروقراطية النقابية الحالية، حتى يمكن أن تلعب دوراً حقيقياً في قيادة النضالات العمالية نحو النصر.