إضراب عمال السكة الحديد 1986
يعتبر اضراب عمال وسائقي السكة الحديد واعتصامهم في مقر الرابطة في عام 1986 أحد أهم الاحتجاجات العمالية منذ السبعينات، ولا يرجع ذلك فقط لأهمية مرفق السكة الحديد والارتباك الشديد الذي أحدثه الإضراب في أنحاء الجمهورية ولكن كذلك لكم الخبرات والدروس التي اكتسبتها الطبقة العاملة عبر ذلك الإضراب.
وسنبدأ أولا بعرض الخطوط العامة لما حدث. منذ نهاية السبعينات عمت حالة من التذمر والسخط أوساط عمال السكك الحديدية نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وتدني أجور السائقين والمساعدين وتضخم أجور المديرين. كان ذلك ملازما لموجة الانفتاح الاقتصادي. وفي بداية الثمانينات بدأت المطالب في التبلور والوضوح وزاد التفاف العمال (السائقون والوقادون) حولها وفي عام 1982 قام العمال بإضراب تباطؤ لمدة ساعتين للضغط على الإدارة والدولة كما أرسلوا سيلا من البرقيات لكل المسئولين معلنين مطالبهم وهي:
1- عودة الكادر الخاص وتعديل جدول الأجور لتتناسب مع غلاء المعيشة.
2- رفع حافز الكيلومتر من 11 مليم إلى 5 قروش.
3- الحصول على نسبة من الغرامات على التذاكر.
4- التأمين على السائقين ضد الحوادث والتشريك وصرف تعويضات مناسبة لهم في هذه الحالات أسوة بسائقي الطائرات والبواخر.
5- عدم تحميل السائقين تعويضات ضحايا الحوادث.
6- تحسين الاستراحات لتصلح للاستعمال الآدمي.
7- رفع بدل المبيت ومكافآت الوصول.
8- توفير الزي المناسب بكمية ونوعية مناسبين.
9- توفير سكن للمغتربين.
10- عدم الطرد من المساكن عند بلوغ سن المعاش.
وردا على تجاهل الدولة وإدارة السكك الحديدية مطالب العمال ازداد العمال تماسكا والتفافا حول تلك المطالب حتى تم عقد اجتماع في 19 ديسمبر 1985 حضره وزير النقل والمواصلات ورئيس هيئة السكك الحديدية وممثلون عن السائقين. وفي الاجتماع وافق الوزير على كافة مطالب السائقين وأصدر قرارا بتفرغ 3 سائقين لمتابعة المطالب مع رئيس مجلس الإدارة. واستبشر العمال خيرا وتوقعوا تحقق مطالبهم ولكن الشهور مرت دون أي تقدم فقاموا بإرسال البرقيات والرسائل إلى المسئولين في نهاية شهر إبريل ولكن لم يكن هناك أي استجابة الأمر الذي ساعد في تصاعد التذمر والغضب الذي وصل لقمته في في أثناء انعقاد الاجتماع الشهري لرابطة سائقي ووقادي السكك الحديدية في 2 يوليو 1986، وكان المناخ مهيئا تماما لتطوير موقف العمال حيث احتشد حوالي 300 سائق في مقر الرابطة وبعد التشاور أعلنوا الاعتصام في مقر الرابطة حتى يحضر المسئولين لمناقشة مطالبهم. كما قاموا بإرسال برقيات بمطالبهم للمسئولين كما أرسلوا شكوى لرئيس مجلس إدارة الهيئة قام السائقون بالتوقيع عليها. وعلى أثر ذلك حضر نائب وزير المواصلات وكبار ضباط الداخلية لمقر الرابطة في محاولة لاحتواء الموقف وابلغوا السائقين اعتذار الوزير عن عدم الحضور لانشغاله (بشرف مرافقة الرئيس السوداني) وحددوا لهم يوم 7 يوليو لمقابلته فقام العمال بفض الاعتصام مؤقتا لحين موعد اللقاء. ولكن في يوم 6 يوليو استدعى مساعد وزير الداخلية قادة الرابطة ليبلغهم تأجيل الموعد لانشغال الوزير ‘بشرف مرافقة سلطان عمان’.
وردا على هذه الاستهانة تصاعد غضب السائقين وفي صباح السابع من يوليو توافد المئات من السائقين والمساعدين على مقر الرابطة ووصل عددهم إلى حوالي ألف سائق ومساعد، وحضر كبار المسئولين بالهيئة وزارة الداخلية لاقناعهم بالانصراف كما ظهر للمرة الأولى في الأحداث محمود عطيتزر رئيس النقابة العامة والذي كان مختفيا من قبل في محاولة لاقناع العمال بالانصراف. ولكن كل تلك المحاولات فشلت وقرر مجلس الرابطة إرسال برقيات جديدة لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزراء الداخلية، ولكن هذه المرة انتقلت لهجة العمال من المناشدة إلى التهديد، وكانت البرقيات إنذار بالإضراب ووقف جميع القطارات إذا لم يتم اتخاذ خطوات حقيقية بشأن مطالب العمال. وتحدد موعد الإضراب الساعة السادسة مساء يوم 7 يوليو 1986- أي بعد أربع ساعات من إرسال البرقيات. وبعد مرور المهلة دون تلبية المطالب نفذ العمال تهديدهم وبدأ الإضراب على كافة خطوط القطارات. فقام السائقون بترك القطارات على الخطوط بعد أغلاق الجرارات وأخذ المفاتيح -الجرار له مفتاح واحد- لضمان تنفيذ الإضراب، وسرت أنباء بتحويل السكك في اتجاهات مختلفة عن خط السير واستخدام الجبس في تعطيل التحويلات وكذلك الحرائق في الحشائش المحاذية لخطوط السكك الحديدية. وساعدت طبيعة عمل السكك الحديدية وما تتطلبه من خبرة ودقة على تقوية وضع السائقين وتدعيم موقفهم ومكنتهم من تعميم الإضراب كما قللت من قدرة الدولة على كسر الإضراب.
بعد ساعة واحدة من بدء الإضراب وفي حوالي السابعة حضر إلى الرابطة وكيل وزارة النقل محاولا إقناع العمال بانهاء الإضراب والاعتصام ووعد بحضور الوزير للنظر في المطالب، ولكن العمال لم يصدقوه ولم ينهوا الإضراب وبالفعل لم يحضر الوزير. بعدها حضر عضو مجلس الشعب عن الدائرة التي يقع فيها مقر الإضراب (احمد طه) واتصل بوزير النقل واصطحب وفدا من العمال للاجتماع مع الوزير الذي اشترط وقف الإضراب لاستمرار الحوار واستمر النقاش حتى الواحدة والنصف من صباح اليوم التالي في حضور يوسف والي. وتم الاتفاق على العودة للاجتماع في ظهر نفس اليوم -8 يوليو 1986- على أن يتم فض الإضراب قبل ذلك. ولا شك في أن اصرار وفد العمال على مقابلة الوزير رغم الغائه لثلاثة مواعيد سابقة لأسباب مستفزة قد أضعف من صلابة موقف العمال وأعطى الفرصة للحكومة للتشدد، وفي نفس الوقت لم يدرك المفاوضون قوة موقفهم المتمثل في قدرتهم على شل أهم مرافق النقل وإرباك كافة الأعمال على مستوى الجمهورية. ولهذه الأسباب رفض العمال الاتفاق وأصروا على الاستمرار في الإضراب حتى يتم تلبية كافة مطالبهم وكذلك استمرار الاعتصام في مقر الرابطة.
وفي الفجر قامت قوات الأمن المركزي وفرق الكاراتيه باقتحام مقر الرابطة وفض الاعتصام بالقوة وبكل الوحشية المعتادة، وقامت بالقبض على كل الموجودين بالمقر وتوزيعهم على زنازين أقسام الشرطة بالقاهرة. ولم ينته الإضراب إلا بعد ملاحقة الأمن للقيادات العمالية والتنكيل بهم وتشريدهم، وفي نفس الوقت اضطرت الحكومة لتلبية معظم مطالب السائقين ووعدت بالنظر في بقيتها.
بعد ذلك بدأت تحركات العمال للتضامن مع زملائهم المعتقلين، فقد تبرع بعض العمال بالمكافأة التي صرفها وزير النقل عند انتهاء الإضراب لزملائهم المضربين. كما صدر بيان موقع باسم ‘السائقين الأحرار’ يطالب بالإفراج عن المعتقلين ويهدد بالإضراب. وحاولت النقابة العامة انقاذ ماء وجهها ومقاعدها وبدأت تحت ضغط العمال في المطالبة بالإفراج عن المعتقلين والاستجابة لمطالبهم ودعت كذلك إلى جمع تبرعات لصالح المعتقلين. حتى النقابات الحكومية تجد نفسها تحت ضغط الحركة العمالية مضطرة لاتخاذ مواقف للدفاع عن العمال.
في الوقت نفسه تشكلت العديد من لجان التضامن مع عمال السكك الحديدية في الأحزاب والنقابات المهنية والعديد من الأقاليم وأدانت جميعها قمع الإضراب وفض الاعتصام بالقوة وقامت بجمع التبرعات لأسر العمال المعتقلين وكذلك التظلم ضد قرار حل رابطة السائقين. وعقب الأحداث مباشرة صدر كتيب ‘كفاح عمال السكك الحديدية’ عن سلسلة كراسات صوت العامل وساهم نشر الدعاية عن موقف العمال ودور السلطة وقد قدم دعما -معنويا وماديا- للعمال المعتقلين ولحركة السكك الحديدية ككل. وقد اعتمد هذا المقال على هذا الكتيب كمصدر لوقائع الإضراب والأحداث التي صاحبته ويمكن الرجوع إليه للمزيد من التفاصيل حول هذا الفصل المشرف من كفاح الطبقة العاملة المصرية.
يبقى أن نشير إلى بعض النقاط الهامة والدروس التي يمكن أن نتعلمها من حركة 86. فأولا لم يقف توزع العمال في السكك الحديدية عائقا أمام تنظيمهم في موقف واحد. فرغم أن تنظيم العمال المتركزين جغرافيا في منشأة أو موقع واحد يكون أسهل من حيث نشر الدعاية والتحريض والتعبئة إلا أن رابطة السائقين لعبت دورا هاما في تجميع وتعبئة العمال الموزعين على مختلف الخطوط. إن الدور الذي لعبته الرابطة كبديل للنقابة يمكن مقارنته بالدور الإيجابي الذي لعبته نقابة الحديد والصلب في إضراب 89. والدرس هنا أنه ليس مهم طبيعة التنظيم النقابي، ففي حالة التعددية النقابية كما في حالة السكك الحديدية أو في حالة الأحادية كما في وضع الحديد والصلب كان العامل الرئيسي والهام هو الحركة العمالية والضغط العمالي، فقط الضغط من أسفل باستطاعته أن يخلق تعددية نقابية مفيدة أو أن يدفع النقابات الموجودة لاتخاذ مواقف أكثر إيجابية، وبالتالي فلا معنى للجدل حول إن كانت التعددية هي الحل أو المركزية، لا معنى للنضال ‘القانوني’ لإقرار التعددية وكأن في التعددية الحل السحري للحركة العمالية المصرية. المطلوب هو دعم الحركة العمالية القاعدية وتلك الحركة هي التي ستفرض واقعها الخاص.
درس آخر كان اقتصار الحركة على السائقين والمساعدين وعدم جذب عمال ورش الصيانة والموظفين الصغار وتبني مطالبهم. فالسائقين والمساعدين هم بلا شك القطاع الأكثر تقدما في السكك الحديدية وبالتالي فقد كانوا مؤهلين لقيادة باقي القطاعات بتوسيع نطاق الدعاية والتحريض وبالتالي توسيع جبهة الإضراب وجعل مسألة تحطيمه أكثر صعوبة.
من ناحية أخرى، وعلى الرغم من أن الحركة أظهرت في أولها الكثير من الدقة والتنظيم كما يتضح من تعطيل الخطوط واعتصام السائقين بمقر الرابطة، فقد عانت الحركة من عدم الدفاع فترة أطول عن الإضراب ومن عدم الاستعداد بشكل أفضل لمواجهة التدخل الأمنى بكافة أشكال الدعاية السياسية وكذلك تأمين قادة الإضراب وخلق خطط بديلة. إن حسن النية تجاه الدولة -وجهازها الأمني- مكنها من السيطرة السريعة على حركة كان باستطاعتها أن تنتشر وأن تصبح بؤرة للغضب العمالي والجماهيري.
في النهاية سيظل إضراب عمال السكك الحديدية واعتصامهم خبرة عظيمة في ذاكرة الطبقة العاملة المصرية، تثري نضالاتها القادمة على طريق النضال ضد رأس المال وسلطته وعلى طريق بناء الدولة العمالية.





