بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

في السكة الحديد:

الحكومة مستمرة في الخصخصة.. النقابة مستمرة في خيانة العمال.. العمال مستمرون في النضال

نجحت حكومة رجال الأعمال في احتواء غضب سائقي هيئة السكة الحديد وموظفيها، باستثناء عمال ورش أبو راضي، عبر سياسات العصا والجزرة، مما أجهض تحركات السائقين التي كان محددا لها بداية الشهر الجاري.

صرفت الحكومة حوافز جديدة، وفي الوقت ذاته، أشاعت الأجهزة الأمنية جوا من الإرهاب، واستدعت قيادات العمال، وعقدت مفاوضات مع البعض الآخر. وخلقت أجهزة إعلامها جوا عاما معادياً، لحركة سائقي القطارات بما أسمته «تعطيل مصالح الجمهور».

لكن المعركة لم تنته، هكذا يؤكد أحد السائقين بالهيئة، ويضيف شعرنا أن الرياح عاتية، وأن هناك أمورا تدبر في الخفاء، فقررنا تأجيل تحركاتنا إلي حين. ويلفت السائق الانتباه إلى أن أهم عنصر من عناصر نجاح تحركاتهم وانتزاع حقوقهم، خلال العامين الماضيين، كان هو «المباغتة»، ويضيف لماذا نفقد هذه الميزة، ونمنح فرصة لرجال الأمن، لكي يفتكوا بقياداتنا.

يقول قيادي آخر بالهيئة: قمنا خلال الفترة الماضية بتقديم بلاغات للنائب العام ضد الفساد المستشري في الهيئة، والأموال التي تغدق على كبار الموظفين. وهذه البلاغات تستهدف كسب الرأي العام لقضيتنا، وسنختار الوقت المناسب لكي نتحرك من جديد. ويشدد على أن كل الطوائف لها مطالب أخرى، وعلى رأسهم السائقين، الذين يطالبون برفع حافز الكيلو من 9 قروش إلى 25 قرشاً.

«الاشتراكي» ترصد في السطور التالية وقائع ما جري في هيئة السكة الحديد خلال الفترة الماضية، لتستشرف منه المعارك القادمة.

مطالب متعددة لفئات متعددة

ليس خافيا على أي متابع لتحركات موظفي هيئة السكة الحديد، أن انقسام الهيئة إلى طوائف متعددة، كل طائفة لا ترفع سوى مطالبها الخاصة، يعد من أهم عوامل عدم قدرة موظفي الهيئة على تحقيق كل مطالبهم، بالرغم من الأهمية الاستثنائية لهذا القطاع الحيوي.

لكن رئيس هيئة السكة الحديد، المهندس محمود سامي، نجح في توحيد جميع العاملين بالهيئة على مطلب واحد هو: إقالته، لسان حال 73 ألف عامل يعملون بالهيئة يقول «لم نأخذ منه سوى الوعود، بينما ذهبت 3.5 مليار جنيه، التي أنفقتها الحكومة لتطوير السكة الحديد، إلى أعمال الصيانة، وشراء المعدات، وجيوب السادة كبار الموظفين، والتي تبلغ رواتبهم أرقاما خيالية».

يهدد السائقون وعمال الورش والفرز وعمال الحركة بتنفيذ إضراب موسع، في جميع أنحاء الجمهورية، احتجاجا على القرارات التي وصفوها بـ»الهزيلة»، التي أصدرها وزير النقل بصرف حوافز جديدة بحد أقصى 100 جنية في شهر يوليو المقبل، وصرف بدل يوم عمل بواقع 5 جنيهات على كل وردية ليلية.

رئيس الهيئة، الذي يتقاضى راتب يتخطى حاجز المائة وخمسين ألف جنيه شهريا، تقمص شخصية الأسد على عمال، لا يتخطى راتبه أكثرهم خبرة وأقدمهم حاجز الألفي جنيه، وصمم على موقفه الرافض للاستجابة لمطالب العمال، بل ووصف الإضرابات والتظاهر بالعمل غير المسئول. وشدد على أن الهيئة لن تتهاون مع «متهاون أو مدان».

لم تكن الإدارة فحسب هي التي نجحت في تأجيج الغضب، في نفوس جميع العاملين، في قطاعات الهيئة الـ12، لكن شاركتها النقابة العامة بالسكة الحديد في تأجيج الغضب.

فقد نشرت النقابة بيانا تحذيرياً، في المحطات، وعلى صفحات الصحف، تؤكد فيه أنها الممثل «الشرعي» لجميع العاملين بالهيئة، البالغ عددهم ٧٣ ألف عامل، وهاجمت الروابط التي تم تأسيسها من قبل «الكمسارية»، و«السائقين»، و«البرادين»، و«أبراج المراقبة».

وأضاف البيان أن النقابة مع «المطالب الشرعية» فحسب، والتي تتم من خلال القنوات الشرعية.

من جانبهم رفض أعضاء روابط السكك الحديدية تحذيرات النقابة العامة، من أنها الممثل الشرعي لجميع طوائف عمال الهيئة، كما رفضوا أن المطالبات لابد أن تعرض وتناقش من قبل النقابة.

الإضراب هو الحل

قال محمد البدري، رئيس رابطة ملاحظي الأبراج: «لجأنا إلى الإضراب بعد أن فاض بنا الكيل، ولم يستجب أحد من المسئولين بالهيئة إلى مطالبنا، واعتصمنا أمام مكتب المهندس محمود سامى، رئيس الهيئة، إلا أنه رفض مقابلتنا، على الرغم من أن ملاحظ البلوك تقع على عاتقه مسئولية كبيرة، لأنه مسئول عن سير حركة القطارات وتأمين سلامة الركاب.

وطالب البدرى بزيادة حافز طبيعة العمل من 70% إلى 90%، أسوة بالسائقين، والمطالبة ببدل يوم عمل عشرة جنيهات، وزيادة الحافز المميز من 75 جنيها إلى 400 جنيه، فضلا عن زيادة بدل السكن من 10% إلى 50%، وزيادة الإضافي من 20 جنيها إلى 100 جنيه لليوم.

يقول جمال، سائق بالهيئة: رئيس الهيئة وعدنا الشهر الماضي بصرف مكافأة قيادة تبلغ قيمتها 200 جنيه للدرجة الأولى، والثانية 150 جنيها، والثالثة 100 جنيه، والرابعة 75 شهرياً، ولكنه لحس كلامه، وهو بالتالي ليس جديراً بأن يكون في موقع المسئولية. ويضيف لولا إضرابنا عن العمل وتدخل وزير النقل لما تم الاستجابة لبعض مطلبنا.

يناشد سعيد (سائق) رئيس الجمهورية بعزل رئيس مجلس إدارة الهيئة، لأن الشيء الوحيد، الذي نجح فيه، هو توحيد جميع العاملين في الهيئة، على مطلب عزله. ويقول سعيد أنه سبب عدم شعورهم بالأمان.

وأضاف سعيد: لقد حققنا مكاسب عديدة، في الفترة الماضية، نتيجة لوقفتنا واعتصامنا، وقد عرفنا طريق انتزاع الحقوق، لا تستطيع الرابطة، ولا اللجنة النقابية، ولا النقابة العامة أن تقف في مواجهتنا، بل يسرعون للالتحاق بتحركاتنا.

دفع الغضب، المتراكم في نفوس السائقين، إلى تحدى أجهزة الأمن، التي تتحرك في الهيئة، وقام أحد السائقين بطرد رجل شرطة، يرتدى ملابس مدنية، من مقر استراحة السائقين: «اطلع بره، لا نريد رؤيتك هنا مرة أخري».

يقول عامل آخر بالهيئة، خلال العامين الماضيين، تحرك السائقون، والكمسارية، وعمال الصيانة، ومراقبو الإشارات، ونجحوا في إرغام الإدارة على الاستجابة لبعض مطالبهم، ولكن الفجوة مازالت كبيرة، بين ما نحصل عليه وأعباء الحياة، ويضيف: «عرفنا طريقنا، فالدولة لا تستجيب لمطالبنا الهزيلة إلا إذا تحركنا بقوة».

بص وشوف الفرق

يقول ملاحظ بلوك «الأجور تتفاوت بين الطوائف المختلفة بالهيئة، بينما يحصل السائقون على رواتب تتراوح بين 700 إلى 1700 جنيه، فإن عمال الصيانة يحصلون على رواتب لا تزيد على 300 جنيه، وهذا التفاوت كثيرا ما يستخدم من قبل الإدارة لتعميق الخلافات بين الطوائف المختلفة في الهيئة».

ويطالب محمد (سائق) بلجنة لتقصى الحقائق، على أعلى المستويات، من رئاسة الجمهورية، للاطلاع على حوافز جميع العاملين بالهيئة، الكبير قبل الصغير، للتأكد من أن الأجر على حسب العمل، وليس على أساس الوظيفة الإدارية أو الأهواء الشخصية. ويضيف: مطلوب لجنة مستقلة تراجع الكشوفات، و»تشوف الكادحين والعرقانين بياخدوا كام».

وليد مساعد قائد قطار، يعمل منذ أربع سنوات، ومتزوج ولديه طفل، يتقاضى وليد 600 جنية، وفجر وليد مفاجأة، عندما قال: أن السنافورات من بنى سويف إلى أسيوط معطلة، وكلما أتحدث مع المراقب على الجهاز عن هذا الخلل، يكتفي بالقول “اكتب شكوى”، والكل في انتظار وقوع كارثة جديدة. ويضيف «أدفع إيجار 200 جنيه فكيف أعيش، أنا وأسرتي».

يقول سائق قطار آخر: «لم أسمع من الوزير غير حديثه عن تطوير المحطات، أما أحوال السواقين، والعمال، والصنايعية، وبتوع الإشارات، فهو لا يتحدث عنهم، رغم أن تطوير البشر أهم من تطوير الآلة نفسها، مش هى دى التنمية البشرية، اللى واجعين دماغنا بيها ليل ونهار؛ ولا هوه كلام والسلام، يا عمنا الوزير شوف أحوال الناس الأول، لأن فيه ناس رواتبها 300 جنيه، وناس 150000 جنيه، ده غير الحوافز، والبدلات، والذى منه من العمولات والسمسرة؛ وده مش كلام في الهوا، ولا طق حنك يا معالى الوزيــر، لأننا استوردنا من أسبانيا 40 جراراً، وبعدين البهوات اكتشفوا إننا لازم نستورد زيت الجرارات من أسبانيا، فقاموا بتكهينها، ده كلام، يا معالى الوزير».

يقول محمد قائد قطار: إذا كانت الهيئة أنفقت 1.6 مليار جنيه على استيراد الجرارات لتطويرها؛ رغم أنها جرارات غير مطابقة للمواصفات؛ فمن حقنا أن نطالب الهيئة بتعديل الأجور بما يتناسب مع المعدلات العالمية؛ أو منحنا «كادر خاص».

ويقول عامل يعمل براداً: تم تعييني عام 84 على مبلغ 300 جنيه، وأتقاضى اليوم 600 جنيه، ولدي 6 أطفال، ورئيس الحركة بأخذ قطار مخصوص، لا يقف سوى في المحلة. وبات شعار الهيئة «إن شاء الله ليك حقوق وهتاخد، إن شاء الله هتنسي».

ويقول غفير المزلقان: أعمل 12 ساعة في كشك خشبى، بدون دورة مياه، وأى حماية، الإضافي من 10 ـ 25 جنيها في الشهر، ونتعرض للإهانة من قبل الجمهور.

يقول مراقب برج نحصل على إضافي في الشهر، من 12 إلى 50 جنيها، مع أن حافز الإداري أو المهندس من 500 إلى 2000 جنيه. رغم أننا نتحمل أعباء العمل.

ويقول كمساري: هل توجد دولة تحترم مواطنيها، ترفض الاستجابة لمطالب المسئولين عن أرواح آلاف الركاب يوميا؟ هل يمكن أن يتم الإضراب في الهيئة وتتوقف عجلة الحركة تماما مرتين خلال الأسبوع المنصرم، ولا يحدث تدخل جدي من الدولة استجابة لمطالب العاملين العادلة؟

لا يقف التعسف، في الهيئة، عند العمال الأصحاء، ولكنه يشمل المشرّكين طبياً، الحائزين على شهادة طبية بأنهم غير لائقين طبياً، وبالتالي تم تحويلهم للعمل من مهنتهم الأصلية إلى العمل كفراشين.

ويقول أحد المشرّكين طبيا، الذين أفنوا عمرهم وجهدهم في خدمة الهيئة، فوجئنا الشهر الماضي بأنه تم إيقاف صرف البدل النقدي للعطلات، بأمر شفهي من نائب رئيس مجلس الإدارة للموارد البشرية، كما صدر قرار ظالم آخر بخصم 15% من راتب طبيعة العمل، مما أرهقنا ماديا، في ظل ظروف مادية صعبة معلومة للجميع.

التنظيم النقابي

يقول قيادي يساري بالهيئة: مطالبنا يمكن توحيدها تحت مطلب كادر خاص لموظفي الهيئة، وهذا المطلب من الممكن أن يوحد العاملين جميعا، ونحن نسعى إلى خلق صلات بين جميع الطوائف، وهي صلات ما زالت ضعيفة، كما نتباحث حول شكل التنظيم النقابي، الذي يستطيع أن يوحد حركتنا من إسكندرية حتى أسوان، بعد أن ظهر التأثير السلبي لغياب التنظيم، وإن كنا نتحايل على غياب التنظيم النقابي بــ»الموبايل النقابي «.!!

يطالب محمد عبد السلام، عضو سكرتارية اللجنة التنسيقية للدفاع عن الحقوق العمالية، طوائف العاملين بالهيئة توحيد حركتهم الاحتجاجية، لكي تشمل، في ذات الوقت، السواقين، والكمسارية، وعمال الإشارة، والصيانة، مع الاعتراف بتنوع المطالب، مشيرا إلى أن هذا هو اقصر طريق للنصر، وانتزاع الحقوق.

يؤكد الباحث الاقتصادي إلهامي المرغنى: أن وزارة النقل تلقت ملايين الجنيهات، على هيئة قروض من البنك الدولي والمؤسسات الدولية، ولكن كل هذه الأموال يتم إنفاقها على بندين أساسيين الأول: هو تطوير المعدات والآلات، وذلك بالرغم من أن العنصر البشرى هو الأساس، وإذا لم تتطور رواتب العاملين، فإن كل هذه الاستثمارات لن تضيف شيئا حقيقيا».

والثاني: هو الإسراع في خصخصة الهيئة، وذلك عبر تقسيمها إلى شركات، يسهل بعد ذلك طرحها للبيع. ويشير إلهامى إلى أن «بعض الشركات الخاصة بدأت تطرح بالفعل أفكارا لكي تقدم هي خدمة نقل الركاب».

ولا يستبعد المرغنى أن يكون تباطؤ حكومة رجال الأعمال في الاستجابة لمطالب العاملين بالهيئة، يهدف إلى خلق رأى عام ضاغط من أجل خصخصة الهيئة.

خصخصة السكة الحديد

تعد الحكومة مجموعة سياسات لقطاع السكة الحديد، حيث أعلنت، منذ عامين، إنها قررت إدخال القطاع الخاص للاستثمار في السكك الحديد، عن طريق تشغيل عدد من الخطوط. كما أعلنت الحكومة أيضاً، على لسان، وزير النقل، ورجل الأعمال، محمد منصور، أن هناك عروض من مستثمرين أجانب لإنشاء خطوط جديدة، أحدهما عرض أمريكي لإنشاء خط من مدينة 6 أكتوبر إلى فيصل بتكلفة 3 مليارات جنيه، والآخر إنجليزي من العاشر من رمضان إلى عين شمس.

بات من الواضح أن السكك الحديدية، التي تنقل 475 مليون راكب سنويا، ستصبح شركة خاصة، تدار من أجل الربح، مما يعني أن حياة المصريين ستصبح رهينة لحيتان السوق، وحساباتهم الضيقة. هذا بالإضافة إلى تكثيف الاستغلال على عمال الهيئة، البالغ عددهم 73 ألف عامل، والسعي إلى تخفيض عددهم بكل الطرق.

فلنساند عمال السكة الحديد في تحركاتهم ضد الفساد، والخصخصة، والنهب، ولندخل المعركة ضد استكمال خصخصة الهيئة. وهي بالتأكيد ليست معركة العمال فحسب، بل كل كادحي مصر، الذين يستخدمون القطارات يوميا.