بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

في الإسكندرية: ضابط أمن الدولة لما يبقى محافظ

أتى عادل لبيب ومعه “شنطة الخير” لكل مواطن سكندري، هذا الرجل الرمز الذي وجه ضربات قاصمة للمواطنين في محافظة قنا ثم مسح بيده الكريمة على محافظة البحيرة، لم تجد السلطة أفضل منه بعد أن أثبتت الأيام أن العمل المضني لا يزيده سوى صلابة ورغبة في مواصلة مسيرة الإصلاحات لتنقله إلى الإسكندرية.

جدير بالذكر أن أهم إنجازات السيد اللواء أثناء فترة خدمته بمباحث أمن الدولة بالبحيرة هو ضربه لمؤتمر الإخوان المسلمين الداعم لمسلمي البوسنة والهرسك في نقابة الأطباء بالقنابل المسيلة للدموع، الأمر الذي أعطاه لقب ” جزار البحيرة ” عن جدارة. أما بالنسبة لإنجازاته في قنا فقد توجها باستصدار أمر إزالة لقريتين في 24 ساعة هما الجبروك والمهندس. هذا فضلا عن دوره المركزي في تزوير وتزييف إرادة أهالي قنا والتصدي لشعبية تنظيم جماعة الإخوان المسلمين بالحديد والنار بانتخابات مجلس الشعب الأخيرة .

الآن وبعد إعطاء نبذة قصيرة عن بعض إنجازات وإصلاحات اللواء السابقة، نستعرض جزءاً من إصلاحاته الحالية من وجهة نظر المتضررين بالإسكندرية.

الباعة الجائلين

محطة مصر لم تعد ذلك المكان المزدحم والمليئ بالباعة الجائلين، وإن كان ذلك جميل بالنسبة للسياحة والمظهر العام، ولكنه عاد بالخراب على الكثيرين ممن كان مصدر رزقهم الوحيد هو البيع هناك. فيقول أحمد (بائع)، “هو المحافظ الجديد اللي عمل كده، إحنا لو نعرف ليه يمكن نرتاح. شردنا من غير شغلنا اللي كان آخر اليوم بيجيب لنا كام جنيه نعيش بيهم. طب يأمن لنا طريقة تانية نبيع بيها”!!!

وإذا نظرنا إلى شارع النبي دانيال .. سنجده لم يعد هو الشارع المعروف بانتشار الكتب في كل ناحية من نواحيه. فقد أصبح الباعة يضعون كتبهم في أكشاك صغيرة ومعدودة بالنسبة لطول الشارع ووضعه السابق.

وبسؤال أحد البائعين بالأكشاك، يقول مدحت “كان هناك بائعون يفرشون على الرصيف بالرغم من امتلاكهم لأكشاك في شارع سوتر، ولكن بعد مجئ المحافظ الجديد اضطر بعضهم إلى أن يأتوا بأكشاكهم إلى هنا، أما البعض الآخر فلا أعرف أين ذهبوا”. ويضيف نجيب، “إحنا دفعنا خمس آلاف جنيه ونصف للشركة المنفذة لقرار المحافظ “هاي توب” عشان ناخد الكشك ده وكمان المفروض إننا ندفع إيجار كل شهر لكن الإيجار لم يحدد. بالتالي ماحطولناش كهرباء، إحنا شغالين من غير نور”.

وأكد أحمد، ” كنا نبيع بشكل أكبر قبل تطبيق قرار المحافظ، ولكن الشيء الوحيد الذي يريحنا هو أننا لم نعد خائفين من أن تأتي الإزالة وتأخذ كل بضائعنا .. في نفس الوقت التكلفة عالية جدا علينا” .

رحلة التخريب “بالمفروزة”

في إطار ” الإصلاحات” التي يقوم بها محافظ الإسكندرية اللواء عادل لبيب بتنظيف شوارع الإسكندرية من “الباعة الجائلين”، قرر أيضا – ذلك الرجل المغوار- تطبيق سياسة الإزالة على البشر، وأيضا دون توفير مكان آدمي صالح للسكن.

بدأت المشكلة في منطقة المفروزة حين قررت هيئة الميناء بالقباري توسيع رصيفها على حساب أهالي المنطقة، فقامت بدفع حوالي 38 مليون جنيه مصري للمحافظة. بذلك، تولت المحافظة مهمة تنفيذ الاتفاق بإرسال الجرارات لإزالة المباني وطرد السكان بمنتهى العنف، مما أدى إلى إصابة الكثيرين بجروح وكسور. فتقول حسنة، ” كسرولي دراعي وهم بيطردونا من بيوتنا”. فقد فوجئ أهالي منطقة المفروزة بقوات الأمن وهي تطردهم من بيوتهم لكي يقوموا بهدم المنازل.

يشرح لنا أحمد عزمي، ” قالولنا إطلعوا برة يالا بلاش لكاعة. هنديكوا شقق جديدة”. وتضيف أم محمد، ” كنت مع بنتي في المستشفى ورجعت لقيت البيت مهدوم”. نتيجة لهذا الأسلوب العنيف في التعامل مع السكان، يتعذر اليوم على الكثيرين إثبات حقوق ملكيتهم أو إيجارهم للشقق التي كانوا يعيشون بها. فقد خرج الناس من البيوت دون أخذ أوراقهم. هذا بالإضافة إلى أن الكثير من السكان كانوا قد استأجروا تلك الشقق من أناس استولوا على الأرض بوضع اليد، الأمر الذي يجعل إمكانية الحصول على سكن بديل أمر أقرب إلى المستحيل. هؤلاء لا يزالوا يفترشون الرصيف المجاور لحطام بيوتهم.

أما الأسر التي حالفها الحظ بتوافر الأوراق التي تثبت حقهم في السكن فالبديل الوحيد المطروح أمامهم هو الانتقال للعيش في مساكن عبد القادر الموجودة في مدينة مبارك بالعامرية. لكن حتى هذا البديل غير متاح للبعض بسبب “سقوط أسمائهم من الكشوف”، على حد قول المسؤولين، بالرغم من حصول أشخاص على شقة واثنين بل وخمسة دون وجه حق سوى توافر الوساطة. وعند تقديمهم لتظلمات للنائب بمجلس الشعب عن دائرتهم مينا البصل، د/ حمدي حسن (المرشح عن تنظيم الإخوان المسليمن) وعدهم بإيجاد حل لكن دون جدوى.

ويشرح محمد أحمد أنه تقدم بتظلم في حي غرب وقيل له أن يحضر بعد أسبوع، وها قد مرت أسابيع دون أن ينظر في حالته. وتضيف رجاء السيد محمد، ” أنا سمعت إن فيه بيوت إتهدمت بالغلط وإنه لو فيه حرف واحد مكتوب غلط في اسم الشخص اللي عايز شقة، بيقولوا له إسمك مش مكتوب في الكشف، فبالتالي ما فيش شقة”. هذا ويؤكد عقبة فتح الله أنه استلم كعب التسكين ولم يسكن حتى الآن وهناك الكثيرون مثله .

أما رئيس حي غرب الذي يتبعونه فكان رده، ” خليهم يعيشوا يوم من أيام فلسطين”.

حياة اللاجئون

وبالعودة إلى المساكن التي وفرتها المحافظة، على المستوى النظري، للناس الذين قامت ببيع بيوتهم، وهي مساكن عبد القادر بالعامرية، فلا يمكن وصفها بأقل من كونها مأساة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. عدادات الكهرباء تسيل منها المياه كالشلال، والجدران تنشع بالمياه، والسلالم في حالة يرثى لها من الكسور، ناهيك عن الشروخ الغير طبيعية في المباني، وتدفق مياه الصرف الصحي في الشوارع . فتقول مديحة : السقف بينزل مية والرطوبة هتموتنا .. إحنا نعيش في العشش أرحم ! هذه هي المساكن المتهالكة التي تحمل اسم ” مساكن مبارك” التي تقدمها المحافظة هدية لأهالي المفروزة.

أما سكان العشش فليسوا أفضل حالا من سكان المساكن، فالغالبية تشكوا من الأمراض والأوبئة والرطوبة العالية. الأمر الذي أدى، بحسب الأهالي، إلى وفاة والد المحامي السيد الديب، الذي يتولى الدفاع عن أهالي المفروزة.

ويضيف محمد (الساكن بالعشوائيات بجانب المساكن المهدومة) “إحنا خمس أسر عايشين كلنا في بيت واحد مكسر ومشقق وهيهدوه علينا. وعايزين يدولنا كلنا شقة واحدة. ولما أبويا راح يشتكي في المحافظة قالوا له يروح قسم باب شرق، ولما راح هناك ضربوه بعنف وعملوله محضر إحداث هياج وتعطيل للمرور. ولما أنا روحت أقولهم ده راجل عيان ضربوني أنا كمان”. ويضيف السيد حسن محمد، “أنا كنت عايش في 150 متر وهم عايزين يسكنوني أنا والأسرة في 52 متر، وهم بيدوا شقة لفردين 85 متر .. هو ده العدل؟”

كما نقلت الطفلة رحمة محمد إلى مستشفى الأوقاف بالأنفوشي على أثر شربها للجاز على اعتباره ماء نظرا لانعدام أي امدادات لمياه الشرب أو الصرف الصحي أو الكهرباء في تلك المنطقة. وبحسب السيدة سعيدة قاصد فهي تعاني وغيرها من آلام الروماتيزم في العظام. كل ذلك بالإضافة إلى عدم ذهاب الناس إلى أعمالهم خوفا من استيلاء المحافظة على عششهم . وتقول هدى،” أنا في ثانية إعدادي ولكنني لا أستطيع الذهاب للمدرسة الآن وأنا أتوقع سقوطي في هذه السنة”.

هكذا يعيش الناس الذين قامت المحافظة، وعلى رأسها المحافظ عادل لبيب، ببيع بيوتهم مقابل 38 مليون جنيه مصري. فالأولوية بالنسبة للمحافظ رصف وتنظيف الشارع الرئيسي من الباعة الجائلين ليظهر بمظهر معاصر دون أي اكتراث لتذمر وتضرر الفقراء الذين لا يتمتعون برؤيته العلمية للأمور. كما يقاتل من أجل المظهرية ويعلم هول المعجزة التي يحاول تحقيقها على أرض واقع المفروزة ولا يخضع لابتزاز المهمشين الذين لم يزدهم وجوده سوى تهميشا.