بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

منعت الإدارة عنهم الطعام ففتحوا ثغرة في سور المصنع أطلقوا عليها.. فتحة التحرير

غزل العامرية.. فتحة لتحرير المصنع

كلما مرت الأيام يثبت النظام المصري المستبد والماضي بكل سرعة وحزم في طريق السياسات المضادة للفقراء بقيادة حكومة من رجال الأعمال تحميها الآلة العسكرية ضخمة وعلي رأسها الديكتاتور مبارك العجوز فشلة في السيطرة على الأمور حيث بلغ حجم الاحتجاجات من وقفات واعتصامات وإضرابات في 2008 حتى الشهر الماضي أكثر من 700 احتجاج، واثبتت الشهور القليلة الماضية فشل طريقة «اضرب المربوط يخاف السايب» التي اتخذها النظام منهجا في كل تعاملاته مع المعارضة السياسية والاجتماعية. وعلي سبيل المثال، تصورت القيادة السياسية العاجزة بما فعلته في المحلة في شهر أبريل الماضي من استخدام العنف الأمني والقبض العشوائي على الأهالي وإلقاء القبض على بعض قيادات العمال بشركة غزل المحلة بأنها الآن تخلصت من أي إضرابات أخرى في الطريق أو أي تحرك مماثل، حتى لو لفترة تعيد فيها تخطيط سياستها وتحويرها، ولكن جائت الرياح بما لا تشتهي سفن «رجال الأعمال« لأنه في الوقت الذي كان فيه العشرات من عمال المحلة يقبعون في معتقلات مبارك لم تنته الإضرابات أو الاحتجاجات وكان آخرها إضراب شركة غزل العامرية بالإسكندرية والذي استمر لأكثر من 10 أيام.

تقع شركة غزل العامرية والتي تعد من أضخم شركات الغزل والنسيج في الإسكندرية حجما ومن أكبرهم في عدد العمال في منطقة «شبة نائية» غرب الإسكندرية، وتبتعد أقرب التجمعات السكنية منها ببضعة كيلومترات مملوكة لبنك مصر ويوجد بها عشر خطوط إنتاج يعمل بها أكثر من 6500 عامل.

لماذا وكيف بدأ الإضراب

بدأت قصة إضراب العامرية يوم 24 مايو وهو يوم انعقاد الجمعية العمومية للشركة والذي كان من المقرر ان يناقش بعض المطالب التي طالب بها عمال الشركة قبل يوم انعقاد الجمعية بأكثر من 25 يوم، وتجاهلت إدارة الشركة برئاسة «محمد عبد المنعم الهامي» المطالب تماما مما جعل العمال يعلنون يوم الأحد هو أول يوم إضراب لتحقيق مطالبهم والتي تمثلت في «فك العشرة أيام المجمدة منذ أعوام – وهي نسبة الحوافز الشهرية التي قامت إدارة الشركة بتجميدها خلال الـ 18 عام السابقة بنسبة 10 أيام فقط – كما طالب العمال بضم العلاوات الخاصة لجميع العاملين بما فيهم العمال الجدد، وضم العلاوات الخاصة الـ 65 % للعاملين الدائمين الذين لم يحصلوا عليها، وصرف بدل وجبة لا يقل عن 90 جنيهاً شهرياً – أسوة ببقية شركات الغزل – فضلاً عن صرف بدل تطوير لا يقل عن 50 جنيهاً شهرياً وصرف بدل طبيعة عمل لا يقل عن 35% من الأجر الأساسي، وصرف بدل وردية بنسبة 30% مضافة إلى الأجر الأساسي، وزيادة حافز الإنتاج إلى 100 جنيه شهريا».

بدأ الإضراب برفض عمال الوردية الأولى الدخول لمصانعهم صباح يوم الأحد 25 مايو الماضي، وكالعادة كانت قوات الأمن تحاصر مقر الشركة بعدد كبير من عربات الأمن المركزي لكن محاولات الأمن لم تفلح لأن العمال الذي كان يرفض الأمن دخولهم المصنع لينضموا إلى زملائهم كانوا يذهبون للتظاهر أمام مبنى محافظة الإسكندرية. تكرر ذلك في اليوم الثاني والثالث وفي اليوم الرابع اقتحم العمال، وكان عددهم يصل إلى 2000 عامل، المصنع مخترقين الحصار الأمني المفروض، وعندها تحولت دفة الحصار الأمني على دخول وخروج العمال إلى منع دخول الطعام للمضربين من أسرهم واصدقائهم.

وقرر العمال خرق الحصار واحدثوا ثغرة في سور الشركة بين بوابتين وذاع صيت الثغرة بين أهالي العمال وأصدقائهم فاطلقوا عليها فتحة التحرير، وحاولت الإدارة فاشلة مرات وهو ما أعطى فرصة لإطالة أيام الإضراب.

مرحلة التفاوض على مطالب العمال

طوال أيام الإضراب الـ10 رفضت الإدارة أي حديث مع العمال وكان العند هو سيد موقف الإدارة، حيث أصرت الإدارة على فض الإضراب قبل مناقشة المطالب وهو ما كان يرفضه العمال في جميع أيام الإضراب، وخلالها قام نواب مجلس الشعب من الإخوان المسلمين ومن الحزب الوطني بزيارة الشركة أكثر من مرة من أجل التفاوض بشأن مطالب العمال وإنهاء الازمة وكانت جميعها تبوء بالفشل. وقاد قاطرة التفاوض أيضا رئيس اتحاد العمال المحلي بالإسكندرية ووكيل وزارة القوي العاملة لتنقسم الحكومة – ظاهريا – بين مسؤولين صغار مؤيدين لمطالب العمال ومسؤولين كبار – وزيرة القوي العاملة – غير مؤيدة للإضراب، ووظهر ذلك بتصريح عائشة عبد الهادي بان العمال مشاغبون وهو ما كانت إدارة الشركة ترددة أثناء الإضراب.

وسائل ضغط العمال ومظاهر التضامن معهم.. ودور القوى السياسية

صباح كل يوم كان العمال يجتمعون أمام مبني الإدارة في مسيرة تدور حول المبنى مرددين الهتافات الرافضة لموقف الإدارة وهو ما قابلته الإدارة بالرفض ومطالبة العمال بفض الإضراب ومناقشة المطالب يوم الثلاثاء 3/6، وهو ما أصر العمال على رفضه قائلين بأن الإدارة إذا أرادت مناقشة المطالب يوم الثلاثاء، فنحن مستمرون في إضرابنا ليوم الثلاثاء.

وقامت زوجات وأسر المضربين بعد انتهاء الامتحانات بالانضمام إلى المضربين وهو ما حول طرقات الشركة إلى منتزه كبير وهو ما كان يشكل ضغطا على الإدارة لأن وود الأسر رفع من معنويات المضربين إلى عنان السماء.

والمتحركون من القوى السياسية من الاشتراكيين أو اليسارين المستقلين فكان تحركهم فيه بعض الإيجابية، ولكنه اتسم بالبطء الشديد حتى انه في خلال الـ10 أيام لم يصدر سوي بيانان من «عمال من أجل التغيير» في اليوم الخامس ومن «اللجنة التنسيقية» في اليوم السابع.

المفاوضات النهائية وفض الإضراب.. والآثار المترتبة

في نهاية اليوم التاسع، وبعد أن قامت الإدارة في اليوم السابق له بغلق دورات المياه وغلق المصانع باللحام وهي التي كان يستخدمها العمال في مبيتهم.

ومع خروج بعض العمال من المصنع ليلا وصل عدد المضربين في اليوم التاسع إلى بعض المئات، وهنا استطاعت الإدارة وبمساعدة مسؤولي اتحاد عمال الإسكندرية والقوى العاملة وأمن الدولة بإقناع العمال بفض الإضراب مع تحقيق ثلاث مطالب في نهاية الشهر الجاري ومناقشة بقية المطالب، مع الالتزام بعدم التعرض إلى العمال سواء من قبل الإدارة بالفصل أو من قبل أجهزة الأمن

وفي أول يوم لعودة العمال إلى العمل، فوجيء عدد من العاملين، وهم وهم محمد فاروق ويوسف محمود ومحمود سعيد ومجدي فرج وسميرة حسن وسلوي السيد، بطلبهم للتحقيق معهم من قبل الإدارة القانونية وبناء علي التحقيق الصوري قام أمن الشركة بإخراج العمال الـ6 من المصنع دون أي قرارات مكتوبة، ولم تكتف الإدارة بذلك ولكنها قامت باتهامهم بالتسبب بخسائر تبلغ 15 مليون جنيه.

وحاول العمال عمل إضراب جديد من أجل المفصولين، ولكن محاولتهم بائت بالفشل وهو ما يعني عدم وجود قيادة قادرة علي تحريك العمال أو الدفع في اتجاة الحلول.

ما العمل

يجب أن نقول أن المفاوضات أثبتت فشلها من جديد، ولكن لا يستطيع أحد أن يجبر العمال على استمرار الإضراب أكثر من ذلك علما بأن إضراب العامرية من أطول الإضرابات في الإسكندرية، ولكن الإضراب كان من الممكن أن يستمر إذا وجد دفعة تضامنية من المنظمات الحقوقية والعمالية حتى الحصول على بعض المطالب بشكل فعلي وليس وعود نعلم جميعا أنها لن تنفذ بالشكل الذي يريده العمال – لو نفذت أصلا – أما بالنسبة للعمال المفصولين فإن الحل القانوني إذا لم يوازيه تحويل قضية المفصولين إلى قضية رأي عام والتضامن معهم من قبل منظمات حقوق الإنسان والقوى السياسية، فإن قضية المفصولين ستذهب أدراج الرياح كما ذهبت مئات القضايا في مصر.

بقى أن نقول أن إضراب آخر في شركة العامرية قد يكون هو الحل دون الوقوع في نفس أخطاء الإضراب الماضي، ونقول أيضا أن إصرار العمال في داخل أي إضراب سينهار إذا لم يجد له صدي خارج المصنع، وكذلك فإن أقوي اشكال التضامن لا تثمر إلا مع إصرار العمال في الداخل.