بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

كلمة هيثم محمدين في ندوة مركز الدراسات الاشتراكية

حقوق العمال بعد فوات عام على بداية ثورة يناير

لمشاهدة فيديو الكلمة ادخل على هذا الرابط…

بداية أوجه التحية إلى شهداء الثورة، وإلى العمال الذين بدأوا الحركة الاحتجاجية منذ عام 2006 ولم يتوقفوا أثناء الثورة وحتى اللحظة، وتحية إلى الشباب الثوري الي ظل في الشوارع والميادين لاستكمال الثورة.

في مقابل هؤلاء، وعلى الجانب الآخر نجد فريق المجلس العسكري الذي يمثل الثورة المضادة، وعرائسه الذي يحركهم طوال الوقت، والذين جمعهم الأمس في مشيخة الأزهر، حيث أعلنوا نبذ خلافاتهم الوهمية، واتفقوا. اتفق أخيرا مرشد الإخوان، والبابا شنودة، والعوا، والجنزوري، وعماد عبد الغفور، والسيد البدوي، وساويرس، وقيادات الأحزاب. اجتمعوا، واتفقوا على وثيقة المجلس العسكري التي كتبها شيخ الأزهر، فقط قبيل الخامس والعشرين من يناير. ما يدل على الفرز الذي قامت به الثورة بين المخلصين الذين ظلوا في الشوارع بعد التنحي يدفعون الثمن دماءا، وشهداءا لاستكمال الثورة، وبين القوى التي اتفقت على الإذعان للمجلس العسكري.

أحد الذين حضروا الاجتماع؛ الدكتور محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة، صرح الأسبوع الفائت مطالبا العمال بوقف الإضرابات. كان على هؤلاء قبل أن يطالبوا العمال بالتوقف أن يسألوا: أين حقوق العمال؟ كيف يتفقون مع حكومة الجنزوري، ومئات الآلاف من العمال يحتجون في كل مصر؟

مراحل الحركة العمالية

المرحلة الأولى: فترة الصعود الكبير من 2006 إلى 2010

ظهرت أثناء هذه الفترة حركة إضرابية في المصانع، واعتصامات، وتظاهرات أمام مجلسي الشعب، والوزراء. تلخصت مطالبها في رفع الأجور، والحوافز، وتثبيت العمال المؤقتين، والاعتراف بنقاباتهم المستقلة كطرف مفاوض مع أصحاب العمل، وحتى تطبيق نصوص قانون العمل الذي وضعه رجال الأعمال. لعبت هذه الإضرابات دورا كبيرا جدا، ومهدت لثورة يناير.

المرحلة الثانية: الـ18 يوما

دخل العمال من يوم 6 فبراير في حركة إضرابية واسعة لنصرة الثورة، وانتزاع حقوقهم. خرج قبلها شفيق رئيس الوزراء الجديد قائلا أنه لا مشكلة في اعتصام الشباب بالميادين. لكن فوجئ النظام بإضرابات العمال في قطاعات استراتيجية، وخشي من تجذر الثورة. رأى النظام متمثلا في المجلس العسكري، ومن خلفه الإدارة الأمريكية، والصهاينة أن استمرار مبارك على رأس النظام قد يؤدي إلى ثورة اجتماعية شاملة تقتلع النظام من جذوره، وأدرك أنه من الأفضل التضحية بمبارك لإيهام الناس بانتصار الثورة، وحملهم على الانصراف، وذلك من أجل الحفاظ على مصالح الأمريكان، ورجال الأعمال في مصر. انخدع الكثير من الشباب الثوري، وصدق أن الثورة قد أنجزت أهدافها، وانصرفوا لبيوتهم. لكن العمال لم ينخدعوا. ظلت الحركة العمالية من فبراير إلى أبريل 2011 مستمرة، ومتصاعدة. وانطلقت حملة المجلس العسكري في مارس على إضرابات العمال. وكان أول قانون يوقعه المجلس العسكري (بعد المارشات العسكرية التي كانت تصدر في صورة رسائل، وبيانات) هو القانون 35 لسنة 2011 بحظر الإضراب، واعتباره جريمة يعاقب عليها بالسجن، أو الغرامة، لوقف ثورة العمال. أدركنا وقتها أنه كان لا بد من استمرار الثورة في الميادين كما استمرت في المصانع.

هدأت حركة العمال في أبريل على خلفية تقديم 22 عاملا للمحكمة العسكرية، وفصل، وتشريد الآلاف، وتهديد الكثير منهم، وبفعل الحملة الإعلامية التي قادها النظام متهما إياهم بتخريب الاقتصاد، والعمل ضد الثورة. وبدأت موجة أبريل الثورية في ميادين مصر مطالبة بتقديم رموز النظام للمحاكمة، واستمرت الموجات الثورية إلى اعتصام يوليو، وحققت نتائج إيجابية رغم شكليتها. ثم بدأت موجة إضرابات عمالية جديدة في أغسطس، وسبتمبر الذي شهد إضرابات شملت ثلاثة أرباع مليون عامل في كل أنحاء البلد، وشهد درجة من التنظيم بين القطاعات. بعدها أتت موجة نوفمبر، وديسمبر الثورية في الميادين. كانت حركة العمال، والميادين تبادلية معظم الوقت.

خلال هذا العام كنا نطرح أنه من الضروري أن يتحد الميدان والمصنع من أجل إنجاح الثورة. استطاعت الحركة العمالية أن تنتزع مكاسب ضخمة. أنشأت أكثر من 150 نقابة مستقلة، وهزمت قانون تجريم التظاهر، وظهر التنظيم على مستوى قطاعي كما في إضراب المدرسين، وعمال مصانع السكر، والإنتاج الحربي، والعاملين بالمطارات، كما انتزعت بعض المطالب الاقتصادية كرفع الأجور، واستطاعت في بعض الأحيان تغيير الإدارات، وانتخابها.

المطالب السياسية للحركة العمالية

كان مطلب تطهير المؤسسات من أهم المطالب السياسية التي رفعها العمال؛ تطهيرها من مجالس الإدارات الفاسدة، والمستشارين الذين يتقاضون مئات الألوف، أو الملايين من الجنيهات سنويا، وفلول الحزب الوطني الذين يعملون لحساب أمن الدولة، ويخربون حركة العمال. نجح العمال في ذلك أحيانا، لكن السلطة الحاكمة كانت متشبثة، وتدافع بقوة عن عناصرها الذين يمثلون خط الدفاع الأول عن المجلس العسكري.

ثاني المطالب السياسية التي رفعها العمال كان إصدار قانون الحريات النقابية. نجح العمال قبل بداية الثورة في إنشاء 3 نقابات مستقلة في مواجهة لجنة السياسات، وأمن الدولة، واتحاد مجاور الذي نظم موقعة الجمل. كان المتوقع بعد بداية الثورة أن يتم إقرار القانون الذي ناقشه العمال، مع رجال الأعمال، والحكومة، واتفقوا عليه. لكن ما حدث أن الحكومة أبقته حبيس الأدراج، حتى تظل نقابات، واتحادات العمال في خدمة السلطان كما قال عطية الصيرفي في الأربعينات، لا تدافع عن حقوق العمال، بل تعمل ضد مصالحهم. رغم ذلك استمر العمال في بناء 200 نقابة مستقلة، وفرض الأمر الواقع على الأرض.

ثالث المطالب السياسية هو مطلب الحد الأدنى للأجور. وهذا المطلب هو مطلب سياسي، وليس اقتصاديا. فتوحيد العمال في كل أنحاء البلد، والتفافهم حول مطلب واحد يخصم من مصالح السلطة الحاكمة، ورجال الأعمال. فالسلطة دائما تسعى لتفريق العمال، أحيانا داخل أماكن العمل على أساس ديني؛ مسلمين، ومسيحيين، أو مهني؛ فنيين، وعمال، وأحيانا على مستوى القطاعات، وأحيانا على مستوى الأقاليم؛ بحري، وقبلي، أو شرق، وغرب، حتى أنها تحاول أحيانا تأليب العمال على بعضهم.

أحد المطالب السياسية للحركة العمالية أيضا كان مطلب استرداد الشركات التي خصخصها النظام. كان النظام يقوم ببيع شركات القطاع العام بحجة خسارتها، وقام بتفكيك بعض الشركات بقرار أميريكي كشركة المراجل البخارية. كان رجال الأعمال دائما ما يقومون بتخفيض العمالة في الشركات التي يشترونها، والاستغناء عن مئات آلاف العمال، وتشريدهم تحت مسمى المعاش المبكر لينضموا لصفوف العاطلين عن العمل. مؤخرا حصل العمال على أحكام قضائية من مجلس الدولة تفضح فساد عقود بيع الشركات التي يتورط فيها جمال مبارك، ووالده، ونظيف، وعاطف عبيد، والجنزوري (مهندس لجنة الخصخصة، الذي باع 128 شركة، وأقاله النظام، واستبدله برئيس اللجنة عاطف عبيد لأنه لم يكن ينفذ برنامج الخصخصة بالسرعة الكافية)، والمشير، والتي تشكل عمليات تفكيك منظم لوسائل الإنتاج المهمة في مصر لصالح رجال الأعمال، واحتكارهم للصناعات الهامة.

الميدان والمصنع إيد واحدة

يظهر تعاقب العديد من الوجوه على رئاسة الحكومة، والنظام في الفترة الفائتة أن المشكلة ليست مشكلة أشخاص.  إن النظام ما هو إلا مصالح رجال الأعمال، التي يطلق عليها الرأسمالية المصرية، ومن يحمونها. إن الدولة التي يدعون للحفاظ عليها هي شبكة مصالحهم التي تقوم بتجويع، وتشريد الشعب. أي دولة تلك التي يحكم لها القضاء باسترداد بعض شركاتها، فترفض تسلمها، وتعمل على بيع المزيد منها؟ أي دولة تفعل ذلك إلا إذا كانت تعمل لصالح رجال الأعمال ومناطق استثمارهم الجديدة التي يستعبدون فيها العمال بلا تأمينات اجتماعية، أو أجور ملائمة.

أثناء الموجة الثورية الأخيرة في نوفمبر تساءل الشباب الثوري: أين العمال؟ تماما كما تساءل العمال أثناء موجة إضراباتهم في سبتمبر: أين شباب الثورة؟ ما نحتاجه للفترة القادمة هو تشكيل لجان، وروابط تضامن تشمل الشباب الثوري، والقيادات العمالية لربط المصنع بالميدان. ما أشبه حالنا الآن بحال الحركة العمالية، والطلابية في الأربعينات، حين كان العمال يكونون نقابات، ويضربون لانتزاع حقوقهم من رجال الأعمال الأوروبيين، فيقمع الجيش الانجليزي حركتهم، ويخرج الطلبة من الجامعات مطالبين بجلاء الاحتلال، فيعاملهم الجيش الانجليزي بالمثل. تشكلت حينها اللجنة العليا للطلبة والعمال، وكان هدفها إزاحة كل صور الاحتلال، والاستغلال عن مصر. نحتاج الآن إلى توحيد العمال، والشباب في لجان مماثلة لإسقاط النظام.