بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حول المعاش المبكر

تثير قضية المعاش المبكر كثيرا من اللغط والتخبط في أوساط الثوريين وفي أوساط اليسار عموما. وفي حقيقة الأمر يعتبر اتخاذ موقف ثوري صحيح من المعاش المبكر أمرا بالغ التعقيد – ذلك لأن كثيرا من العمال أنفسهم طالبوا بالمعاش المبكر، رغم أن هذا المشروع موجه بالأساس ضد مصالحهم. وقد رأينا توضيح موقفنا بالتفصيل من المعاش المبكر، رغم أننا أشرنا إلى ذلك في أعداد سابقة، للرد على بعض ادعاءات اليسار حول الموضوع وحول موقف الاشتراكيين الثوريين منه.

بداية وضعت الدولة برنامج المعاش المبكر كجزء من محاولاتها لتصفية العمالة “الزائدة” في مشروع خصخصة الشركات المملوكة للدولة. واعتمدت الدولة – كما أوضحنا في أعداد سابقة – على مجموعة من السياسات الأخرى حتى تدفع العمال لقبول هذا البرنامج، مثل تعسف الإدارة في الجزاءات، تخفيض الحوافز، نقل العمال إلى مواقع بعيدة عن مناطق سكنهم، وأحيانا فصل أعداد من العمال، وقمع التحركات العمالية بعنف شديد.

لم يتلقى العمال هذه الهجمات بطريقة سلبية، فكثيرا ما ناضلوا ضدها عن طريق الإضراب وأشكال الاحتجاج المختلفة. وكانت الدولة تلجأ في تعاملها مع كل هذه الاحتجاجات إلى قمع الحركة العمالية بعنف من ناحية، وتلبية مطالب العمال أو جزء كبير منها من الناحية الأخرى.

كانت كل هذه التحركات دفاعية ومتفرقة – هذا صحيح – ولكن ليس صحيحا أنها كانت تنتهي بالفشل أو بهزيمة العمال، ففي أغلب الحالات كانت الدولة تقوم بقمع الحركة بعنف شديد بهدف إرهاب العمال وقياداتهم، ولكنها من ناحية أخرى تستجيب لمطالبهم أو لجزء منها بهدف تهدئة الحركة وخوفا من التصعيد. فالدولة تدرك تماما أن الحركة الدفاعية والجزئية من الممكن أن تتحول إلى حركة هجومية وشاملة في لمح البصر وذلك إذا لم تستطع تهدئتها ومحاصرتها في أسرع وقت ممكن، بغض النظر عما إذا كانت منظمة أو عفوية. وهذا لا يعني أن الحركة الدفاعية والجزئية حتما لابد أن تتطور إلى حركة هجومية شاملة، ولا يعني أيضا أنها من المستحيل أن تصبح كذلك، وهناك أمثلة تاريخية كثيرة على ذلك.

ومع ذلك لم تنجح هذه التحركات العمالية في وقف استمرار العمليات الهجومية للبرجوازية المصرية على الطبقة العاملة، وهناك عدة عوامل يجب فهمها إذا أردنا تحليل هذا الوضع.

أولا، إن البرجوازية المصرية مضطرة إلى الاستمرار في هذا الهجوم من أجل تنفيذ برنامج التكيف الهيكلي الذي يعد بالنسبة لها مسألة حياة أو موت، فهي تحتاج من أجل استمرار التراكم إلى جذب رؤوس الأموال، وأن تجد لنفسها مكانا على خريطة المنافسة العالمية، وهذا يحتاج طبعا إلى زيادة معدل الاستغلال والتخلص من أعداد كبيرة من العمال وإتاحة الفرصة لرأس المال في تكثيف استغلال الطبقة العاملة والسيطرة عليها. وتحتاج كذلك إلى تصفية جزء من الشركات التي تفتقد إلى الميزة التنافسية في السوق العالمي (الشركات الخاسرة) وتحويل رأس مالها إلى قطاعات أكثر قدرة على المنافسة. ولا يوجد لديها بديل آخر إلا الركود.

ثانيا، إن عملياتها الهجومية – التي تشبه إلى حد كبير حرب العصابات بمعنى الهجوم المتدرج والجزئي على قطاعات متفرقة من الطبقة العاملة والاستعداد المستمر للتراجع ولكن مع استعراض القوة، وعدم تحويل ذلك إلى مواجهة شاملة وواسعة النطاق ضد كافة قطاعات الطبقة العاملة في آن واحد – نقول أن هذا الأسلوب ساعد كثيرا في إحباط التحركات العمالية أو على الأقل عدم انتشارها وبالتالي عجزها عن وقف استمرار العمليات الهجومية للبرجوازية.

ثالثا، عدم وجود أشكال تنظيمية قاعدية مناضلة في صفوف العمال تستطيع دفع حركتهم للأمام وتكون بديلة عن التنظيم النقابي الأصفر التابع للحكومة. إن الحركة العمالية من الممكن أن تبدأ في التصاعد ويظل هذا التنظيم النقابي الرجعي قائما، ودليل ذلك أن كثيرا من الإضرابات والاحتجاجات العمالية – التي تزايدت مؤخرا – قامت رغم أنف هذا الاتحاد النقابي وبعيدا عن بيروقراطيته، بل وهتفت بسقوطه أيضا. وهذا لا يعني أن هذه الاحتجاجات تشير إلى حالة مد في الصراع الطبقي، ولا إلى حتمية أن تتحول إلى مد في الصراع الطبقي. ولكنها تشير إلى بدايات ضغوط شديدة على البيروقراطية النقابية وهذا ما يدفعنا للاعتقاد بإمكانية حدوث انقسامات في هذا الاتحاد بسبب عزلته وعجزه عن الارتباط بحركة العمال، وهذه الإمكانية مشروطة طبعا بتصاعد الحركة العمالية وتطورها.)

رابعا، التخبط والضعف الشديد لقوى اليسار داخل الحركة العمالية، والذي يجعلها عاجزة عن الارتباط بنضالات العمال والتأثير فيها. وهذا – بالإضافة إلى الضعف التنظيمي للطبقة العاملة – يساعد على هيمنة الأفكار الرجعية في وسط العمال وعدم ثقتهم في تحركهم الجماعي وفي قدرتهم على تحدي ومواجهة الطبقة الحاكمة مواجهة أشمل وأعم. وإن لم يمنع حدوث مواجهات متفرقة حقق فيها العمال بعض النجاحات.

إن العمال لا يكتسبون ثقتهم في أنفسه وفي تحركهم الجماعي إلا في غمار النضال والتحرك المستمر في مواجهة هجمات الطبقة الحاكمة. والبرجوازية المصرية تدرك ذلك تماما وتخشاه، ولذلك تلجأ إلى قمع أي تحرك جماعي للعمال وفي نفس الوقت تفتح الباب أمامهم لاختيار آخر – وهو المعاش المبكر. فالبرجوازية من مصلحتها وتتمنى أن تفصل العمال بدون تعويض، ولكنها لا تخاطر بتصعيد المواجهة إلى هذا الحد وتعتمد على عدم ثقة العمال حاليا في قدراتهم وحركتهم الجماعية وتفتح أمامهم الباب للانسحاب بتعويض – وهذا التعويض هو المعاش المبكر.

إذن فالمعاش المبكر من جانب الطبقة الحاكمة دليل على التردد والخوف من المواجهة الشاملة، خاصة وهم يريدون طمأنة رؤوس الأموال وتصدير صورة عن الطبقة العاملة المصرية بأنها طبقة مسالمة وأن الحكومة تستطيع السيطرة عليها والحفاظ على الاستقرار السياسي في الداخل.

أما المطالبة بالمعاش المبكر من جانب بعض العمال فدليل على عدم ثقة بعض قطاعات الطبقة العاملة في قدراتها الجماعية وفي إمكانيات الحركة العمالية. عدم ثقتهم في إمكانية مواجهة سياسات الخصخصة وإعادة الهيكلة من خلال التحرك الجماعي، وللمفارقة، أحيانا ما يدفعهم ذلك إلى التحرك الجماعي للمطالبة بالمعاش المبكر.

إن من يؤيدون مطلب المعاش المبكر ولكن مع تحسين شروطه يستندون في ذلك إلى أن المعاش المبكر أصبح مطلبا للعمال، وأن العمال في الشهور الأخيرة خاضوا معارك من أجل تحسين شروط المعاش المبكر في عدد من المصانع.

ولكن ما يجب فهمه هنا هو أنه ليس كل المطالب التي تطرحها الحركة العمالية يؤيدها الثوريون. فمن الممكن أن تتبنى الحركة العمالية مطلبا موجها ضدها نتيجة لوضعها المأزوم وسيادة الأفكار الرجعية والانهزامية في صفوفها. في هذه الحالة يرفض الثوريون هذا المطلب ويحاولون الارتباط بالحركة العمالية في محاولة لمواجهة الأفكار الانهزامية دفاعا عن المصالح الكلية للطبقة العاملة.

نحن لا نرفض المعاش المبكر لأنه مجرد مطلب إصلاحي، فإجهاض الخصخصة نفسها مطلب إصلاحي، ولكن الفرق هو أن مطلب وقف الخصخصة يعبر عن المصلحة الكلية للطبقة العاملة، وليس عن المصلحة الضيقة لجزء ضئيل منها – العمال الذين تخطوا الأربعين في حالة المعاش المبكر.

إننا نرفض المعاش المبكر للأسباب الآتية:
1. إن المعاش المبكر جزء من خطة الدولة في تجزئة الطبقة العاملة وإضعافها بتسريح جزء من هذه الطبقة لتسهيل تنفيذ مشروع الخصخصة الذي يهدف إلى زيادة وتكثيف استغلال العمال.

2. إن ما يدفع قطاع من العمال إلى المطالبة بتنفيذ برنامج المعاش المبكر والتي وصلت إلى الإضرابات والاعتصامات في بعض الحالات، لا يعبر عن أفضل ما في الطبقة، فهو يمثل القبول بالحل الفردي وعدم الثقة في قدرة العمال على التحرك الجماعي لمواجهة مخططات البرجوازية.

3. إن القبول بالمعاش المبكر يعني التسليم لكل هذه الأفكار الانهزامية (فكأننا نقول للعمال: “نحن معكم في أننا لا نستطيع مواجهة الخصخصة، وأن تحرككم الجماعي عديم الفائدة، فمن يستطيع منكم الحصول على نصيب من الكعكة – ولو ضئيل – قبل أن يلتهمها المستثمرون، فليفعل وليدع الباقين يواجهون مصيرهم المحتوم – انفد بجلدك ولكن بشروط أفضل!) وهذا المنطق بالتأكيد إذا كان له أي تأثير، يعمل على تكريس الهزيمة ويعجل بانكسار العمال الذين يرغبون في مقاومة المعاش المبكر.

إن رفضنا للمعاش المبكر لا يعني أننا نقف ضد تحرك العمال حتى وإن كانوا يطالبون بالمعاش المبكر. فنحن مع التحرك الجماعي للعمال سواء كنا نرفض الشعار الذي يرفعونه أو نؤيده، لأن العمال من خلال تحركهم الجماعي يكتسبون الثقة في أنفسهم وفي قدرتهم على المواجهة، وفي نفس الوقت نعلن رفضنا لهذا الشعار من هذا المنظور الذي قدمناه.