بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أحوال عاملات الملابس الجاهزة في شبرا الخيمة

“غياب يوم = خصم يومين، غياب يومين = خصم 4 أيام، غياب 3 أيام = خصم 9 أيام، غياب 4 أيام = خصم 10 أيام، غياب 5 أيام = خصم 20 يومًا، أما غياب أكثر من 5 أيام فيساوي فصل نهائي وغير مسموح بدخول الشركة مرة أخرى”.

كانت هذه هي آخر اللوائح المتعسفة التي وضعتها إدارة شركة مصر تايوان للملابس الجاهزة في شبرا الخيمة ضد العاملات اللواتي يمثلن النسبة الغالبة من عمال هذه الشركة. وإذا وضعنا في اعتبارنا أن هاتي العاملات لا يحصلن على أجازة أسبوعية إلا بعد تحقيق معدل إنتاج معين يكاد يكون من المستحيل تحقيقه، لاكتملت لدينا الملامح الأولية لنموذج واحد من الصورة البشعة لما تفعله الرأسمالية المصرية “المتوحشة” بقسم هام من أقسام الطبقة العاملة، وهو العمالة النسائية في مصانع الملابس الجاهزة بالقطاع الخاص. وفي هذا التحقيق سنحاول أن نضع أيدينا على أحوال عينة واحدة من هذا القسم من الطبقة العاملة المصرية: عاملات الملابس الجاهزة بالقطاع الخاص بشبرا الخيمة.

الرأسماليون يشغلون النساء:

تشكل العمالة النسائية حوالي 90 % من عمالة شركات الملابس الجاهزة في منطقة شبرا الخيمة. ويعني هذا أن صناعة الملابس الجاهزة هي منطقة تمركز للعمالة النسائية يرجع ذلك لمجموعة من العوامل المرتبطة من ناحية أولى بظروف ميلاد وتطور هذه الصناعة، ومن ناحية ثانية بطبيعة هذه الشريحة من الطبقة العاملة.

ويمكننا، قبل الدخول إلى لب موضوعنا، أن نقول أن تركز النساء في أي فرع من فروع الصناعة الرأسمالية كان دائمًا، ولا يزال، مؤشرًا أكيدًا على التدهور النسبي لأحوال عمال هذه الصناعة. إذ تعمد الرأسمالية إلى استخدام الوضع السيئ للنساء، وارتباطهن بمؤسسة الأسرة، كأرضية لمعارضة وضعهن بوضع الرجال، ولا ذكاء التناحر بينهما، من أجل أضعاف الفريقين وتشديد استغلالهما. وفي ظروف الأزمة يتفاقم هذا الوضع، وتكون النساء هن الضحايا غالبًا، سواء بتشديد استغلالهن أو بطردهن من العمل.

وبمطابقة هذا القانون العام للتطور الرأسمالي على حالة عاملات النسيج بشبرا الخيمة نجد أن هناك تماثلاً مدهشًا. فقد اختار الرأسماليون الأفراد في قطاع الملابس الجاهزة، وهو قطاع توسع بشدة في السبعينات، أن يشغلوا لديهم النساء بسبب طبيعة صناعتهم وبسبب الظروف الخاصة التي ولدت فيها. فمن ناحية أولى، تقوم صناعة الملابس الجاهزة على العمالة الكثيفة، غير الماهرة ونصف الماهرة، ومحدودة القوة العضلية؛ ولذلك فإن عمالة النساء مؤهلة تمامًا، بالرغم من صفاتها (محدودية قدراتها العضلية، ومحدودية مهاراتها، وعدم استقرارها)، للانضمام لهذه الصناعة. ومن ناحية أخرى، فإن التنافس الحاد في هذه الصناعة على المستوى العالمي لا يترك للرأسماليين المصريين من خيار إلا استخدام ميزتهم النسبية، وهي انخفاض تكلفة قوة العمل، إلى أقصى حد ممكن وإلا سحقهم الصينيون والتايلانديون والماليزيون من الدول الصناعية البازغة التي تنتج الملابس الجاهزة بأسعار مذهلة في رخصها. وهنا أيضًا نجد أن عمالة النساء هي الاختيار الرشيد لأن تكلفتها أقل وقدراتها على مقاومة تكثيف الاستغلال (بسبب تراثها النضالي المحدود) أضعف. وتظهر الصورة بشكل أوضح إذا وضعنا هذه العوامل في سياقها الأشمل الخاص بهذه المرحلة من مراحل تطور الرأسمالية المصرية والعالمية. إذ أن معظم مصانع الملابس الجاهزة في شبرا الخيمة قد ولدت، كما سبق وأن ذكرنا، في مرحلة بداية وأواسط السبعينات. في هذه المرحلة كانت الرأسمالية العالمية تمر بأزمة طاحنة (لا تزال هذه الأزمة ممتدة بأشكال متعددة إلى اليوم). في هذه المرحلة أيضًا كانت البرجوازية المصرية تقود عملية تحول اقتصادي، سميت وقتها بالانفتاح، مضمونها هو الاندماج بدرجة أكبر في السوق الرأسمالي العالمي؛ هذا بينما كانت معدلات البطالة تزيد بوتيرة متسارعة غير مسبوقة. كل هذا كان معناه من ناحية أولى أن الميل لتكثيف الاستغلال أصبح ضرورة وشرطًا للاندماج، ومن ناحية ثانية أن إمكانيات تكثيف الاستغلال أصبحت أكبر بسبب وجود جيش بطالة احتياطي واسع. ولذلك فإن خيار عمالة النساء في مصانع الملابس الجاهزة قد عنى درجة من الاستغلال لهذا القطاع أعلى بكثير من المرحلة السابقة في تطور الرأسمالية المصرية. هذا الوضع يظهر بوضوح إذا تطلعنا للحياة اليومية البائسة لهؤلاء العاملات وأصناف الاستغلال والاعتصار التي يتعرض لها.

النهب بطريقة تقليص الأجور:

تفرض الرأسمالية في قطاع الملابس الجاهزة على العاملات معدلات أجور متدنية بالمقارنة بالعمل المذكور – دوي الأجور المتدنية أساسًا. فيتراوح متوسط أجور العاملات في شبرا الخيمة ما بين 80 إلى 170 جنيه كمرتب أساسي بالإضافة إلى الإنتاج والسهر والانتظام (وهي أنواع مختلفة من الأجور المتغيرة)، بينما يتراوح متوسط أجور العمال الذكور ما بين 170 إلى 300 جنيهًا. وبالنسبة للزيادة السنوية، فهي ليست سنوية بل تحدث كيفما اتفق (أي وقتما يريد الرأسمالي). فعلى سبيل المثال، تقوم أحدى العاملات بشركة مصر تايوان: “منذ سنتين لم يزيد أجرى، لكن هذه السنة زودت الإدارة الناس ما بين 2.1 جنيهًا”. وبشكل عام فالزيادات إذا حدثت تشكل ضئيلة لا تتجاوز 10 % من المرتب الأساسي الضعيف.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك وإنما يمتد إلى محاولة تقليص هذه الأجور الضعيفة عن طريق الجزاءات والخصومات التي تلعب دورًا أساسيًا ليس فقط كأداة لقمع وإخضاع العاملات. وإنما أيضًا كأداة لربط معدلات الأجور بالإنتاجية والانضباط لكل عاملة، أي كأداة لاستخدام سياسات التحكم في الأجور المتغيرة كوسيلة لإذكاء التنافس بين العاملات. وتتراوح أشكال ومناسبات الخصومات والجزاءات وتتعدد. ولذلك سنذكر منها فقط بعض الأمثلة الدالة على مدى “النصب” والاستغلال الذي تمارسه الرأسمالية على العاملات. فأول أساليب الخصم هو ما تفعله إدارة مصر تايوان التي تطلب من كل خط تحقيق إنتاج حوالي 1200 قطعة في اليوم وهو رقم كبير جدًا لا تستطيع العاملات تحقيق أكثر من نصفه، فيتم خصم “عجز إنتاج” لهن! أيضًا هناك الخصومات المتعسفة في حالة الغياب والتي لن تتضح درجة تعسفها إلا إذا نظرنا لها في ضوء نظام الأجازات في الشركة. حيث لا تحصل العاملات على أية أجازات وذلك لأن الإدارة اشترطت عليهن عدم حصول اللواتي تعملن على أي خط إنتاج على أجازات الجمع الأسبوعية إلى إذا حققن رقم ضخم جدًا، وهو ما يعني على أرض الواقع عدم حصولهن عليها. أما الغياب بإذن، والذي يصبح في هذه الحالة هو المفر الوحيد أمام العاملات للحصول على أدنى قسط من الراحة، فالإدارة اشترطت أيضًا الحصول على الأذن قبل الغياب بخمسة أيام على الأقل لقبوله. أما الأجازة العارضة فلا بد من الحصول على الأذن قبلها بيومين. هذا التعسف والاعتصار للعاملات وصل إلى مداه في شهر سبتمبر الماضي الذي تراوحت فيه الخصومات بالنسبة لبعض العاملات بين 14.9 جنيهًا (هذا بالرغم من أنهن حققن انتظام وسهر وإنتاج).

نفس الموضع المتردي تعاني منه العاملات في شركة طيبة للملابس الجاهزة. حيث تحص العاملات على خصم عشرة جنيهات (أي الانتظام) ويومين في أول مرة غياب. ومع تكرار الغياب تشتد العقوبة. هذا إلى جانب الخصومات التي توقع في حالة وقوع أي عاملة في خطأ أثناء العمل.

ويلعب المشرفون في هذا دورًا هامًا. فطبقًا لما قالته بعض العاملات، تحدد الإدارة لكل مشرف نسبة من الجزاءات لابد من تحقيقها، ويحصل على مقابل لكل جزاء يوقعه، وفي حالة فشله في تحقيق النسبة المطلوبة يتم عقابه. والمشرفون كما تكمل احد العاملات: “مش واعيين أنهم زيهم زينًا”.

نوع أخر من النصب تمارسه الإدارة في هذه المصانع على العاملات بخصوص الأجور. حيث يتم تأخير قبض المرتبات وذلك بهدف ترك النقود مدة أطول في البنوك لزيادة الفوائد التي تتحقق من ورائها والتي تصل لمبالغ ضخمة. وهو الأمر الذي أدى لحدوث إضراب في شهر رمضان الماضي عندما علمت العاملات في شركة مصر تايوان أن سبب تأخير القبض هو رغبة الإدارة في زيادة الفوائد فأوقفن الماكينات في لحظتها ولم يقبلن التزحزح عن موقفهن إلا بعد أن أرسل صاحب المصنع الصراف للبنك واستلمن مرتباتهن.

والحقيقة أن سياسات الأجور هذه، والرامية إلى ضغط تكلفة العمل ونهب العمال بأقصى قدر ممكن، قد نجحت في أبعاد شبح الأزمة عن قطاع الملابس الجاهزة على الأقل حتى الآن. فمالك شركة مصر تايوان على سبيل المثال، والذي يمتلك أكثر من شركة أخرها شركة تايوان 2، كان يعاني من أزمة مالية كبيرة كانت تهدده بالإفلاس منذ عامين مضيًا. وكان الحل (كالعادة) هو تصفية جزء من العمالة إلى جانب تخفيض أجور العمالة الباقية. فبدأ المصنع يدخل بذلك مرة أخرى في مرحلة انتعاش. في ذلك الوقت قام حسنين المهدي – مالك المصنع – بتغيير المشرفة على الإنتاج، نظرًا لأنها كما تقول أحدى العاملات: “كانت بتراعي مصالح العاملات والعمال”، واستبدلها بمشرف أخر له العديد من العلاقات استخدمها في عقد صفقات للمصنع. كانت هذه أحدى مميزات المشرف الجديد من وجهة نظر حسنين المهدي. أما الميزة الأخرى فكانت أنه نفذ سياسة تخفيض أجور العمال وزيادة الجزاءات بمهارة! وبالفعل بدأت أحوال الشركة في التحسن، وبعد أن كان عدد العاملين 2000 أصبح الآن يتراوح بين 4000 و4500 عامل.

النهب بطريقة إطالة ساعات العمل:

أما عن ساعات العمل فهي تبدأ من 8 صباحًا إلى 5 مساءًا في شركة مثل فابلوس، ومن 8 صباحًا إلى 7 مساءًا في شركة مثل مصر تايوان. أما شركة طبية فساعات العمل فيها تبدأ من 8 إلى 6 ومن 6 إلى 8 في حالة وجود ضغط عمل. وتضطر العاملات للعمل هذه الساعات الإضافية بالإجبار وبمقابل بخس. أما بالنسبة للمكافآت في مقابل الساعات الإضافية فحدث ولا حرج. أحدى العاملات في شركة مصر تايوان تقول: “مستر جونسون – المدير – بيقول أكثر خط يطلق إنتاج أدوا للعاملات فيه “جنيه” مكافأة”!!! ويمكن الإشارة أيضًا في هذا الصدد إلى ما سبق الحديث عنه بخصوص نظام الأجازات الذي لا يعطي العاملات فرصة لالتقاط الأنفاس.

أطالة يوم العمل واستبعاد الأجازات إذن هو احد الوسائل المستخدمة في هذا القطاع لزيادة الاستغلال. فالعاملات في نظر رأس المال ليسوا بشرًا من حقهم أن يحصلوا على قسط من الراحة وإنما الات يجب أن تستمر في العمل حتى يصيبها البلى والتلف. فيما أن هناك جيش بطالة احتياطي، وبما أن العمالة النسائية في معظم الأحيان مؤقتة، فلا مانع أذن من التضحية بها على مذبح التراكم من أجل المزيد من فائض القيمة.

النهب بطريقة إهمال الخدمات:

ينبغي أن نضيف كل ما سبق أن وضع العاملات هو وضع أشبه بالعمالة المؤقتة التي لا تتمتع بأي ضمانات أو خدمات اجتماعية وصحية. تتحدث العاملات عن مشاكلهن الصحية الناتجة عن عملهن في صناعة الملابس الجاهزة. حيث تؤكد أحداهن أن نظرهن يضعف بسبب الألوان، كذلك يصيبهن الوبر بأمراض صدرية وجلدية. كل هذا يجعل من التأمين الصحي أمرًا حيويًا بالنسبة للعاملات، لكن حتى هذا تواجههن فيه المشاكل. ففي شركة طيبة على سبيل المثال، لا يسمح للعاملة بالذهاب للكشف سوى يوم الأجازة (الأحد)، ولو كانت حالتها خطيرة ولا تحتمل التأجيل يعطونها ورقة صغيرة وبعد انتهاء العمل تذهب لمستشفى مار جرجس في مسطرد. أما في شركة مصر تايوان، فالوضع أسوأ حيث لم تقم الشركة بعمل أي بطاقات تأمين صحي منذ أربعة سنوات، ومؤخرًا بدئوا في اتخاذ الإجراءات لعملها.

عاملات شبرا: تناقضات الوعي والحركة:

العمالة النسائية في مصانع الملابس الجاهزة بشبرا الخيمة هي قطاع شاب في الطبقة العاملة المصرية خلقته الرأسمالية في طورها الأخير من التراكم. ولأن هذه العمالة قد خلقت في مرحلة أزمة، ولأنها أيضًا عمالة نسائية، فقد حملت كثيرًا من السمات الخاصة التي ينبغي علينا فهمها إذا ما أردنا فهم إمكانيات دورها النضالي المستقبلي.

معظم الفتيات العاملات في مصانع مثل طبية وفابلوس ومصر تايوان بشبرا الخيمة (من 80% إلى 90% منهن) هن فتيات غير متزوجات وفي مرحلة الشباب الأولى. ولا تنظر هاتي الفتيات لوضعهن كجزء من الطبقة العاملة المصرية ألا كمحطة انتقالية مؤقتة لن يزيد طولها عن عام أو عامين أو ثلاثة أو أكثر قليلاً، ثم بعد ذلك سيكون المال هو الزواج والاستقرار في المنزل. وتقول أحدى العاملات في هذا الصدد أن العاملات “حاطين في دماغهم أنهم أن عاجلاً أو أجلاً هيسيبوا الشغل”. وحتى الآن فإن وعي هاتي العاملات بوضعهن على أنه وضع مؤقت لا يخالف حقائق الأمور. إذ نلاحظ أن هناك حالة من عدم الاستقرار في أوساط عاملات المصانع. تأتي العاملة لتعمل عدد قليل من الأعوام ثم تخرج من المصنع ولا تعود إليه – هذا إن عادت من الأصل – إلا بعد أعوام قد تطول. والمعنى العملي لهذا هو أن انصهار خبرات العاملات في بوتقة واحدة وتكوينهن لوعي جماعي مشترك مغزول على مدى سنوات طوال، هو أمر مفتقد في أوساط هذا القسم من الطبقة العاملة المصرية. فخبرة كونها عاملة لا تمثل بالنسبة للفتاة المستغلة في المصنع إلا ضريبة مؤقتة لابد من دفعها إلى حين الانتقال إلى الوضع الدائم: الزواج وإنجاب الأطفال.

وفي الحقيقة فإن هذا الوضع لا يعكس وعيًا ذاتيًا مجردًا للعاملات، وإنما يعكس من ناحية أولى ظروف النشأة لقطاع جديد من الطبقة العاملة (دائمًا ما كان العمال حينما يدخلون المصنع الأول مرة منتقلين أليه من بيئة أخرى يشعرون بأن عملهم الجديد ووضعهم الاجتماعي الجديد مؤقت)، ويعكس من ناحية ثانية مصالح الرأسمالية المصرية فيما يتعلق بوضع المرأة. فبالنسبة لهذه النقطة الثانية، نجد أن الرأسمالية المصرية من مصلحتها أن تكون المرأة عمالة مؤقتة لفترة من الزمن فقط، وذلك لأن الرأسمالية المصرية تحتاج للمرأة في البيت كما تحتاجها في العمل، وهي لذلك لن تسمح لها بأن تستقر في عملها (أي لن توفر لها الحضانات وكافة التسهيلات والسبل التي تسمح لها بأن تعمل، حتى بالرغم من الزواج وإنجاب الأطفال، عملاً دائمًا).

حداثة النشأة مضافًا إليها الظرف الخاص بالعمالة النسائية الذي تحدثنا عنه قبل قليل يؤديان إلى التدني النسبي للوعي النضالي والقدرة على الحركة الجماعية المنظمة في أوساط العاملات بشبرا الخيمة. أحدى العاملات تعبر عن هذا الوضع قائلة: “العاملات بيقدر صاحب العمل يسكتهم بأي مبلغ، وبيقول لأنهم بنات في الأول وفي الأخر. لكن العمال لأنهم بيفتحوا بيوت ما بيقلبوش الوضع ده”. وتعني هذه العبارة أن العاملة تفهم أ، هناك مصاعب أكثر تكتنف إمكانيات مقاومتها للاستغلال الرأسمالي من تلك التي يلاقيها زميلها العامل الرجل؛ تعني هذه العبارة أيضًا أن الرأسمالية تحاول غرس أيديولوجيا أن عمل النساء أقل أهمية من عمل الرجال وذلك كتسهيل لتخفيض أجورهن بدون مقاومة.

ولكن برغم من مصاعب تناقضات هذه المرحلة، ولاتي تفاقم منها ظروف الجزر التي تمر بها حركة الطبقة العاملة المصرية، إلا أن عاملات شبرا الخيمة قد بدأن في طريق خلق تراث نضالي جيني. فمثلاً شهدت شركة طبية إضرابًا للعاملات في رمضان الماضي بسبب رغبة الإدارة في بقائهن في المصنع بعد الساعة الرابعة مما دعاهن للإصرار على الخروج وبالفعل اضطرت الإدارة للسماح لهن بذلك.

أيضًا، عاملات مصر تايوان قمن بإضراب عندما قام مستر “يانج” المشرف الجديد بتخفيض أسعار كل المراحل الإنتاجية، خاصة مرحلة اسمها “التجميع” والتي جعل إنتاجها (إي النقود التي تحصل عليها العاملات مقابل كل قطعة) 4 قروش. وهنا ثارت العاملات في التجميع (وعددهن 300 عاملة) وجمعوا المصنع كله واستمر مضربين لمدة ربع ساعة استطاع خلالها صاحب المصنع تهدئتهم. وعلى الرغم من أن اليوم التالي كان يوم عمل إلا أنه منحه لهن أجازة ما عدا قسم التجميع حيث طلب أن يجتمع بهن وحدهن، وبالفعل استطاع أن يقنعهن بقبول زيادة ضئيلة (نصف قرش)، وهو تقريبًا نفس معدل الزيادة الذي أعطاه للمراحل الأخرى. استطاع حسنين المهدي صاحب المصنع، عن طريق تفريق العمال وتقسيهم، “الضحك عليهم” والتلاعب بهم… ونظرًا لخبرة العاملات الضئيلة وقعن في الفخ.

في هذا السياق يمكننا أن نفهم جانب أخر من عملية تكون الوعي الطبقي لدى هاتي العاملات. فهذه الفئة من العمالة النسائية في مصانع القطاع الخاص قد نشأت بعيدًا عن التقاليد النقابية المتعفنة وبعيدًا عن النقابيين الصفر الموجودين في عدد كبير من مصانع القطاع العام، وهو ما يعني أنها فئة لا تملك تراثًا يعيقها في تطورها النضالي، أو بصياغة أخرى أنها فئة تشكل خبرتها خارج سياق التراث السائد في الكتلة الأساسية من الطبقة العاملة المصرية. وهذا ما يعني؛ في مرحلة مد قادمة في الصراع الطبقي، أن هذه الفئة ستكون لديها فرصة للوثوب للأمام بدون قيود خبرات أو خيبات سابقة. فكما أن الخبرة النضالية تعد ذخيرة أساسية لأي طبقة عاملة، فأن الخبرات الإصلاحية والانتهازية تعد قيدًا وعقبة. ومتحررات من كل من الخبرتين تشكل العاملات في مصانع الملابس الجاهزة بشبرا الخيمة وعيهن بوضعهن وبإمكانيات فعلهن الجماعي في سياق له تناقضاته وعيوبه الخاصة، ولكن أيضًا – وبالتأكيد – له أفاقة التي ينبغي على الثوريين فهمها والتفاعل معها والتعلم منها.