بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حول قانون المنشآت الطبية الجديد

لم تكتف الوزارة بالتعدي علي حقوق الأطباء العاملين لديها من اجتراء علي حقوقهم وتراجع عن وعودها بتحسين أجورهم بحجج واهية، وممارسة كافة السبل للاقتصاص من الحوافز المقررة لهم، وتعطيل صرفها، ويأتي اليوم الدور لسد الأبواب الجانبية للدخل، التي كانت حتى اليوم تؤدي دوراً في تهدئة الأطباء، وتأخير حركتهم، حيث تلعب دوراً محورياً في توفير دخل إضافي مناسب (نسبياً) للعديد منهم، فهناك حوالي ستون ألف مؤسسة صحية خاصة مرخص لها بالعمل، وهناك 2000 مستشفي خاص بالقاهرة والمحافظات وفقاً لتصريحات د. صابر غنيم مدير إدارة العلاج الحر والتراخيص الطبية، لموقع مصراوي 27 / 5 /2009.

في ظل توجه عام من الحكومة لتصدير أزماتها لهذا القطاع من أصحاب الملكيات المتوسطة و الصغيرة لتوفير السيولة، التي تفتقدها لمواجهة أزماتها الداخلية والخارجية بالإضافة، لذلك دأبت الشريحة أتحاكمه على تمرير القوانين، التي تصب في مصالحها الضيقة، علي حساب الشريحة الأعظم من المواطنين. ويأتي قانون المنشآت الطبية الجديد في السياق نفسه الذي صدر عنه القوانين والقرارات التالية:

  1. القرار الذي يحول صاحب الملكية الزراعية الأقل من ثلاث فدادين ( وهي الشريحة الأعظم من الفلاحين ) إلى عامل زراعي وبالتالي يتم رفع الدعم عنهم.
  2. إيقاف وسحب رخص أصحاب السيارات المقطورة لصالح صفقة الترلات المشبوهة لثلاثة من أعضاء مجلس الشعب.
  3. تمرير قانون ينص علي أن تطرح وزارة التضامن الاجتماعي مناقصة لشراء 100 مجمع مخابز عملاق بخطوط إنتاج ضخمة قد تصل إلى 25 خط إنتاج، وتحويل أصحاب المخابز الصغيرة والمتوسطة إلى منافذ للتوزيع، أو تحويلها إلى مخابز للرغيف الطباقي والعيش الفين، مما يضر بمصالح حوالي 16.000 صاحب مخبز، وتشريد حوالي 100.000 عامل.
  4. زيادة الرسوم القضائية بعشرة أضعاف مما يضر بمصالح صغار المحاميين وموكليهم لصالح مكاتب المحاماة الكبيرة ،ويضر بمبداء الحق في التقاضي.

أما داخل القطاع الصحي فمن قانون المحاسبة الضريبية الجديد لسنة ،2005 والموجه مباشراً ضد أصحاب الصيدليات المتوسطة والصغيرة لصالح الصيدلية المول – لاحظ تصريح مصدر مسئول في شعبة المستحضرات الطبية باتحاد الصناعات عن أحد السلاسل البريطانية المتخصصة في الصيدليات الشاملة، والتي بدأت تنفيذ خطة لفتح نحو 200 صيدلية تدريجياً بالسوق المصري، وسيتم افتتاح أولي فروعها خلال أيام، تلك السلسلة تنوي تطبيق تصميم موحد لكل فروعها، بحيث لا تقل مساحة الصيدلية عن 400 متر، حيث صرح المسئول بأن هذه الشركة تلقي دعماً من وزارتي الصحة والتجارة ( المصري اليوم 23 / 5 /2009 ) – وفي نفس السياق جاء قانون المنشئات الطبية الجديد 153 لسنة 2004 وتعديله 141 لسنة 2006 والذي ينص في مادته( 1 د ) علي شروط الترخيص للمستشفي الخاص، التي يتم عمل الجراحات الكبرى بها ( أيا كانت نوع العملية )، ألا يقل عدد الآسرة بها عن 15 سرير، كما يشترط تواجد غرفتي عمليات علي الأقل، بالإضافة إلى غرفة عناية مركزة، وأخرى للإفاقة، بتجهيزات كاملة، وفقاً للوائح المنظمة لذلك، وأن يكون للمستشفي مدخل مستقل .

السؤال الآن كم من الــ 2000 مستشفي خاصة سيتحمل تكلفة إعادة توفيق الأوضاع، وفقاً لهذه الشروط التي تتطلب ميزانية ضخمة، مهما كانت فترة توفيق الأوضاع، ( حتى 2009 وفقاً للقانون 153 أو 2011 وفقا 141 )، الواضح أنه لن تستطيع الغالبية من هذه المستشفيات التوفيق، وبالتالي سوف يحدث السيناريو التالي، المشابهة لما حدث في أسوان يناير 2009.

يتم إغلاق العديد من المستشفيات، وسوف يتمكن بعض الأطباء من توفيق الأوضاع، سواء بإمكانياتهم الخاصة، أو بعمل شراكة مع بعضهم، أما الشريحة العظمة من الأطباء، والتي لن تتمكن من توفيق أوضاعها، فسوف تطرد من دفء الطبقة الوسطى، وتعمل عند أصحاب المستشفيات الكبيرة متحولة إلي صفوف الطبقة العاملة، حيث لن تمتلك سوي قوة عملها الذهنية والبدنية، ويحدد أجرها آليات السوق والعرض والطلب. أما عن صغار الأطباء حديثي التخرج فحدث ولا حرج عن مدي تأثرهم بهذا القانون، فسوف ينهي أي أمل في الصعود الطبقي لهؤلاء الخريجين، وسوف يدفع بهم إلى الهجرة أو السفر، مما يهدر ثروات الدولة البشرية، والتي تم الصرف على تعليمها وتدريبها من أموال دافعي الضرائب ليقدموا خدمتهم في دوله أخرى، تاركين المواطنين وهم في أمس الحاجة إلي خدماتهم في وضع صحي مزري .

أما عن ادعاء البعض بأن هذا القانون يصب في صالح المريض، هذا غير صحيح، فالأصل هو اعتبار الصحة حق وليس منحة، وأن الأصل فيه الإتاحة للجميع بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو الطبقي، كما نصت علي ذلك المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي وقعت عليه الدولة المصرية، بالإضافة إلي شروط منظمة الصحة العالمية، التي تشترط ألا تقل ميزانية الصحة عن 10 % من ميزانية الدولة، ويمكن الرد على أن القانون الجديد يصب في مصلحة المواطن، بأن وجود العديد من المستشفيات تقدم الخدمة الصحية، أو حتى العيادات الخاصة، يخفض من سعر تكلفة الخدمات الصحية، أما عند احتكار الخدمة، ولو بشكل قانوني كما سيحدث وفقاً للقانون 153، في إطار سعي المستشفيات الخاصة من أجل الربح، وليس خدمة المواطن سوف يجعل من الصحة سلعة تقدم لمن يستطيع دفع ثمنها، بالإضافة إلي الهرب من علاج الأمراض ذات التكلفة المرتفعة، والتي هي في الغالب أمراض الشرائح الفقيرة من المجتمع.

لا يمكن فهم هذا القانون إلا في سياق التخلص من الدعم القطاعي بالتأمين الصحي، في ظل الغياب التام والمتعمد في دور لجنة وزارة الصحة المسئولة عن تحديد تكلفة الخدمة الطبية المقدمة بالقطاع الخاص، حسب قانون الرعاية الصحية الخاصة، وكل ذلك يدفع في اتجاه تقليص عدد المنتفعين بالخدمة نظراً لارتفاع تكلفتها، فتح الباب للمنشآت الغير مرخصة والبعيدة عن أي رقابة، الملاحظ عالمياً انه مع ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وخضوعها لقانون السوق، يزداد رواج الطب البديل، والعلاج بالأعشاب، والعلاجات التي تختلط فيها الخرافة بالمعتقدات الشعبية.

في النهاية يجب أن نؤكد أن هذا القانون يضر بمصالح الشريحة العظمى من المواطنين سواء أطباء أو مرضي لصالح شريحة ضيقة كل همها المتاجرة بالمرض، والسعي من أجل الربح، وتراكم رأس المال، ولو علي حساب زملائها بالمهنة، ولذلك يجب أن نتراص جنباً إلى جنب في مواجهة هذه الشريحة وهذا القانون بكافة السبل، وليكن موقف الصيادلة مثالاً يحتذى وما ضاع حق وراءه مطالب.