بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حوار بين «عم كمال» و«كمال بيه»

لم يكن النهار قد انتصف بعد عندما كان عم كمال جالسا على هذا المقهى القريب من شارع الفلكي بوسط القاهرة، لقد اعتاد التردد على هذا المقهى خلال الأيام الأخيرة في أوقات متفرقة من النهار والليل لقربه من مقر مجلس الوزراء حيث يعتصم مع زملائه منذ عدة أيام.

كان عم كمال، بقبعته المعتادة وشاربه المميز، ممسكا بيده عدد جريدة الِدستور الذي يحمل تاريخ السبت 8 ديسمبر 2007، وقد أخذ يطالع بعناية هذا التحقيق الصحفي عن اعتصامهم، والذي أفردت له الصحيفة مساحة كبيرة تحت عنوان “حكايات من اعتصام 10 آلاف مواطن أمام مقر حكومة نظيف”.

قطع تركيزه ذلك الحوار الدائر في أحد البرامج الفضائية على شاشة تليفزيون المقهى، كان ضيف البرنامج هو رئيس تحرير لإحدى الصحف القومية، وقد أخذ يتحدث عن الدور العظيم من وجهة نظره الذي يلعبه الإبن في لجنة السياسات بالحزب، والذي انعكس إيجابيا على أداء الحكومة الحالية في صورة نجاحات متتالية في تحرير الاقتصاد المصري، غمغم عم كمال محدثا نفسه: “تحريره من إيه بالظبط؟ من إيد الناس الشقيانة طبعا!”

في هذه اللحظة كانت سيارة فارهة تمر في هذا الشارع، وعلى المقعد الخلفي كان يجلس كمال بيه ببذلته الأنيقة وشاربه المنمق، كان كمال بيه يراقب الشارع من خلف الزجاج الداكن، وعندما اقتربت السيارة من المقهى أمر السائق بالتوقف.

مر كمال بيه ببصره على الجالسين حتى ثبته على عم كمال، ثم نزل من السيارة واتجه إليه، سحب مقعدا وجلس بمواجهته، وكما لو كانا يلتقيان يوميا، بدأ حديثه إليه مباشرة:
“مش كفاية بقا يا عم كمال؟.. الإضراب والاعتصام والنومة ع الرصيف مش هي اللي هتحل المشاكل”.
وضع عم كمال الصحيفة جانبا وأجابه:
“أمال عايزنا نعمل إيه عشان ناخد حقوقنا؟ قولى طريقة تانية احنا لسه ماجربنهاش واحنا نعملها، إنت أكتر واحد عارف اننا ماسيبناش وسيلة إلا وجربناها، ومافيش باب في الحكومة إلا وخبطنا عليه”.
سكت كمال بيه لحظة، ثم قال:
“أنا ما بنكرش كل ده، بس الحكومة مفيش معاها عصاية سحرية عشان تحل المشاكل كلها في يوم وليلة، لاحظ إن مش انتو بس اللي عندكو مطالب، الناس في كل حتة في البلد تعبانين وعندهم مطالب، إنتو وقفتم وقفة كبيرة والرأي العام والدولة كلها عرفت مطالبكم، يبقا ترجعوا شغلكم وتسيبو الحكومة تشتغل”.
رد عم كمال وفي لهجته قدر من السخرية:
“طبيعي إنك تكرر كلام الحكومة، ما انت دلوقتى جزء منها!.. الناس زهقت من كُتر ما سمعت الكلام ده يا كمال بيه”.
قال كمال بيه منفعلا بعض الشيء:
“إنت فاكرني بكرر كلام الحكومة وخلاص؟! لا يا عم كمال.. إنت عارف تاريخي كويس، وعارف إن أنا طول عمري وسط العمال وواحد منهم، ومن 6 سنين بالظبط كنت زيك.. نايم ع الرصيف مع زمايلي وقائد لأكبر إضراب، وعلى فكرة كنت بقول نفس كلامك، بس مشاكل الناس كلها مش هتتحل في لحظة، هو انت مش شايف الظروف اللي البلد بتمر بيها يا عم كمال؟؟.. إحنا كده بنصعب الأمور”.
ابتسم عم كمال وقال:
“محدش مستني كل المشاكل تتحل في لحظة، ومش ده اللي مصعب الأمور، اللي مصعبها إن النظام اللي بيحكم هو اللي معندوش الإرادة السياسية إنه يحل أي حاجة، أو ينحاز لمطالب الناس التعبانين اللي انت قلت إنهم ماليين البلد”.

قطع حديثهما في تلك اللحظة رنين هاتف عم كمال المحمول، كان المتحدث على الطرف الآخر هو أحد منظمي المؤتمر السنوي لمركز الدراسات الاشتراكية الذي سيُعقد في اليوم التالي في نقابة الصحفيين، وكان يدعو عم كمال وزملائه ليتحدثوا عن اعتصامهم في مؤتمر صحفي سيُعقد خصيصا لهم على هامش المؤتمر.

أشاح كمال بيه بوجهه ممتعضا عندما أدرك شخصية المتحدث على الطرف الآخر، ولم يلبث عم كمال أن أنهى المكالمة بعد أن أبدى لمحدثه ترحيبه بالدعوة وامتنانه لها، ثم التفت لكمال بيه مواصلا حديثه:
“النظام مش هيغير سياسته يا كمال بيه.. النظام نفسه لازم يتغير!”.
رد كمال بيه سريعا كما لو كان ينتظر الفرصة ليلقي بتلك العبارة:
“طبيعي إنك تكرر كلام الاشتراكيين، ما انتم سايبينهم قاعدين وسطكم ع الرصيف”.
ابتسم عم كمال قائلا:
“وهو حد جه يقف جنبنا في قضيتنا وقلناله بلاش؟!.. وبعدين المهم إن الكلام نفسه صح.. مش كده والا إيه؟!”

اقترب في هذه اللحظة عامل المقهى متسائلا: “أجيبلكوا حاجة يا عم كمال؟”
أجاب عم كمال: “آه.. هاتلي مظبوط فنجان.. تشرب إيه يا كمال بيه؟”
رد كمال بيه: “مظبوط فنجان”.

عاد العامل إلى داخل المقهى صائحا: “اتنين قهوة مظبوط فنجان عند عم كمال”، وفي طريقه توقف أمام جهاز التليفزيون والتقط “الريموت”، وقال موجها حديثه إلى ضيف البرنامج الذي كان لا يزال يتحدث عما يراه نجاحات اقتصادية للحكومة: “كفاية بقا.. يلعن أبوكو قرفتونا!”، ثم أخذ يقلب في القنوات الأخرى، حتى توقف عند قناة تذيع أغنية “تسلم الأيادي”، فرفع الصوت، ثم ترك الريموت وعاد إلى عمله.

واصل كمال بيه الحديث قائلا:
“اليسار اللي مالي دماغكو بالكلام ده يا عم كمال ده يسار طفولي، مش عارف هو عايز إيه”.
رد عم كمال متعجبا:
“هو اليسار اللي يقف مع العمال ومطالبهم، ويحارب معاهم عشان تغيير حقيقي يبقا يسار طفولي؟!!، أمال مين اليسار الحقيقي من وجهة نظرك؟ شاورلي عليه”، ثم أشار هو إلى الأغنية على شاشة التليفزيون، وأضاف متهكما:
“يا ترى بقا هو اليسار اللي طول عمره رامي نفسه في حضن النظام، وبيغني دلوقتي تسلم الأيادي؟!!”
تجاهل كمال بيه السخرية الواضحة في حديث عم كمال، وقال بإصرار:
“بس الإضراب والاعتصام في الوقت ده مالوش لازمة، وعمره ما هيكون هو الحل”.
رد عم كمال:
“الإضراب والاعتصام ونومتنا ع الرصيف هي الأسلحة اللي في إيدينا زي كل العمال، في مواجهة السياسات الظالمة للنظام، وهتفضل هي دي أسلحتنا طول ما النظام كده، يوم ما النظام يتغير بجد، ساعتها بس يبقا مالهاش لازمة”.
أطرق كمال بيه بوجهه، ثم سأله وهو يضغط على كلماته:
“طيب أنا هسألك سؤال أخير.. إمتى هتقول إن النظام اتغير، ومعادش ليها لازمة نومة العمال ع الرصيف؟”
سرح عم كمال ببصره في الشارع الذي لا يهدأ، وقال:
“لما واحد زيي.. مناضل من وسط العمال يبقا وزير.. ساعتها بس هتأكد إن النظام اتغير”.
رسم كمال بيه ابتسامة غامضة على شفتيه، ونهض من مقعده قائلا:
“تعرف إن دي الحاجة الوحيدة في كلامك اللي أنا متفق معاك فيها؟!”.
ثم أخرج من جيبه حساب القهوة التي لم يشربها، ووضعها على الصينية، وأضاف وهو ينظر في عيني عم كمال:
“بس اللي انت مش واخد بالك منه، إن النظام اتغير فعلا”، ثم رفع صوته مشيرا إلى صدره:
“والدليل على كده إن واحد زيي أنا، مناضل ومن وسط العمال، بقا وزير”.

واستدار متجها إلى السيارة القابعة في انتظاره، إلا أن عم كمال هتف به دون أن يغادر مقعده:
“طب والعمال اللي ع الرصيف.. هتعملهم إيه يا سيادة الوزير؟!”
رد كمال بيه وهو يواصل خطواته:
“ماعنديش حاجة أعملهالهم، إنت مش لسه قايل لما النظام يتغير تبقا نومة العمال ع الرصيف مالهاش لازمة”.
تساءل عم كمال بنبرة من يعرف إجابة سؤاله: “يعني هتسيبهم كده؟!”
التفت إليه كمال بيه وهو يفتح باب السيارة قائلا:
“انتوا مش سايبين الاشتراكيين قاعدين وسطكوا؟.. خلوهم بقا ينفعوكوا”، ثم دلف إلى السيارة وأغلق الباب ذا الزجاج المعتم، وقال للسائق بلهجة آمرة: “اطلع ع الوزارة”.

انطلق السائق على الفور، بينما مد كمال بيه يده إلى مجموعة من الجرائد الصباحية الموضوعة بجواره، والتقط واحدة وفردها، كانت تلك هي جريدة المصري اليوم بتاريخ الأربعاء 2 أكتوبر 2013، والتي كانت صفحتها الأولى تحمل العنوان التالي مصحوبا بصورة رئيس الوزراء حازم الببلاوي:
“الحكومة تفشل في تطبيق الحد الأقصى للأجور بسبب كبار الموظفين”.