بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

حل الاتحاد العام لعمال مصر

خطوة مهمة علي طريق الاستقلال النقابي و النضال ضد الرأسمالية

يتبادر الي الذهن فور سماع كلمة "اتحاد العمال" صورة نمطية حقيقية: " في الاول من مايو كل عام يقف رئيس الجمهورية ورئيس الحزب الحاكم، في نفس الوقت، في احتفال رسمي بقاعة المؤتمرات ليلقي كلمته بمناسبة عيد العمال، فيكرر نفس كلماته في هذا التاريخ من كل عام وعلي مدار ثلاثون عاما، وسط تهليل الحاضرين من كبار رجال الدولة ورجال الاعمال واعضاء الاتحاد وجميعهم من اعضاء الحزب الوطني الحاكم .. وبعد تصفيق حاد علي خطاب رئيس الدولة يأتي الدور علي رئيس الاتحاد ليثني علي انجازات سيده ويعلن تاييده ومبايعته باسم عمال مصر…"

هذه هي الصورة التي يعرفها الملايين عن اتحاد العمال .. فما هو هذا الكيان الاسطوري الذي ظل جاثما علي صدور العمال علي مدار عقود رغم تبدل الحكومات وتبدل السياسات منذ عهد جمال عبد الناصر مرورا بانور السادات وحتي حسني مبارك .. لينهار أخيرا تحت ضربات العمال المصريين في الرابع من أغسطس 2011.

إتحاد العمال المنحل: "ذراع السلطة القابض علي أنفاس الطبقة العاملة المصرية"

تأسس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر عام 1957 بأمر من رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر و يضم الاتحاد 23 نقابة عامة علي سبيل الحصر تشمل كافة الانشطة الاقتصادية "الانتاجية والخدمية" علي مستوي الجمهورية.

وتضم هذه النقابات في أخر دورة نقابية 2006-2011 (1809) لجنة نقابية داخل المنشآت، وتبلغ إجمالي عضوية الاتحاد 3.815.895 عضو من اجمالي عدد العاملين بأجر في مصر 15 مليون عامل.

ومنذ انشائه عام 57 وقف الاتحاد موقفا معاديا لمطالب العمال ولتحركاتهم فأدان الاضرابات والاعتصامات وابلغ الامن عن قيادات العمال وكانت كل تدخلاته الهدف منها مساعدة الادارة والحكومة علي تهدئة الاوضاع.

تتركز اللجان النقابية التابعة لاتحاد العمال في القطاع العام وقطاع الاعمال والحكومة ، في حين تخلو مصانع وشركات القطاع الخاص تقريبا من اللجان النقابية. ولا يوجد الا 25 لجنة نقابية في كل المناطق الصناعية الجديدة. ولم يحاول الاتحاد تشكيل لجان تابعة له في هذه المناطق بل ووقف ضد محاولات العمال في تشكيلها وأبلغ عنهم الاجهزة الامنية ارضاءا لرجال الاعمال.

يضم مجلس ادارة الاتحاد المنحل 23 عضوا، كان منهم 21 عضوا بالحزب الوطني المنحل. ومن بين 23 رئيس نقابة عامة هناك 19 رئيس نقابة عضو بالحزب الوطني ايضا في اخر دورة نقابية 2006 -2011.

وهذه الأرقام تبين لنا العلاقة العضوية التي تربط قيادة اتحاد العمال بالسلطة الحاكمة ورجال اعمالها. وجعل هذا الارتباط "الاتحاد" المدافع الاول عن السياسات الحكومية في مواجهة العمال ، فقد وافق الاتحاد علي خصخصة الشركات المملوكة للدولة وتسبب في تشريد مئات الالاف من العمال في صفقات فساد واضحة واهدار للمال العام، بل وساعد بكل طاقته في قمع احتجاجات العمال علي مشروعات الخصخصة.

2006: بداية انهيار اتحاد العمال

*اضراب عمال غزل المحلة

في 7 ديسمبر2006 اضرب عمال غزل المحلة مطالبين برفع اجورهم، فوقفت اللجنة النقابية، التي كانت قد  فازت في انتخابات مزورة، ضد مطالب العمال وأدانت الاضراب. وطالبت النقابة العامة لعمال الغزل والنسيج بالقبض علي قيادات الاضراب. ولم يخرج موقف الاتحاد عن موقف اللجنة والنقابة العامة.

وبعد انتهاء الاضراب، جمع العمال 12 الف توقيع، أو ما يعادل 50% من الجمعية العمومية، لسحب الثقة من اللجنة النقابية لموقفها المعادي للاضراب وتقدموا بها الي النقابة العامة التي رفضتها واعتبرت اللجنة النقابية هي "الممثل الشرعي" للعمال، وكانت تلك التوقيعات اول محاولة كبرت من جانب العمال لانتزاع نقاباتهم من أنياب الدولة، وانتهت المحاولة برفع شعار"أجر عادل .. نقابة مستقلة"

* موظفي الضرائب العقارية: المحاولة الثانية.. ربما تنجح

في 3 ديسمبر2007 تجمع اكثر من عشرة الاف موظف من موظفي الضرائب العقارية من كل محافظات مصر واعلنوا اعتصاما مفتوحا امام مجلس الوزراء للمطالبة بمساواتهم بالعاملين بمصلحة الضرائب المصرية. وفي خضم الاعتصام تم تشكيل لجان مندوبين عن المحافظات لادارة الاعتصام .

وتجمعت هذه اللجان في " اللجنة العليا للاضراب" التي تفاوضت باسم الاعتصام مع الحكومة بعد ان وقفت النقابة العامة ولجانها ضد الاعتصام ومطالبه، في حين ظهر "حسين مجاور" رئيس الاتحاد للتفاوض مع الموظفين باسم "الحكومة!!!" وفي 31 ديسمبر رضخت الحكومة لمطالب الموظفين واسفر ذلك عن رفع اجورهم بنسبة 320%.

بالفعل من قلب الاضرابات تولد النقابات وتنظيمات العمال.

ارتفع وعي العمال خلال الاضراب فشكلوا لجان المندوبين وبعد انتهاء الاضراب قرر الموظفون بعد مداولات وتحركات بين المحافظات دامت شهور تحويل اللجنة العليا للاضراب الي نقابة مستقلة خارج سيطرة الاتحاد الحكومي.

وانضم لهذه النقابة الجديدة 30 الف عضو. وفي 20 ديسمبر 2008 عقد المؤتمر التاسيسي لها بنقابة الصحفيين بحضور يزيد عن الـ5000 عضو. ووضع موظفي الضرائب ولاول مرة منذ عقود دستورهم بايديهم حيث تم صياغة لائحة النظام الاساسي لتصبح القواعد العمالية هي صاحبة السلطة العليا في النقابة واصبح بالامكان انتخاب وعزل القيادات النقابية بطريقة ديمقراطية.

وبذلك نجح العمال في انتزاع النقابة المستقلة ويبقي طريق الكفاح طويلا من اجل الاجر العادل و الحياة الآدمية.

ثورة 25 يناير: الاتحاد الحكومي يحضر لموقعة الجمل.. النقابات المستقلة تنضم للثورة و تعلن اتحادها من قلب ميدان التحرير..

في 31 يناير ومن ميدان التحرير، و بعد أيام من اندلاع ثورة 25 يناير،  تعلن اربعة نقابات مستقلة هي نقابة الضرائب العقارية والفنيين الصحيين والمعاشات والمعلمين تاسيس الاتحاد المصري للنقابات المستقلة.

وتؤكد النقابات المستقلة علي انضمامها وتاييدها للثورة ومطالبها وفي القلب منها العدالة الاجتماعية ،لا سيما أن اضرابات العمال واحتجاجاتهم شكلت معطيات هذه الثورة حيث كانت انتفاضة المحلة في 6 ابريل 2008 البروفة لما حدث في 25 يناير 2011.

و علي الجانب الاخر كانت قيادات الاتحاد وعلي رأسهم حسين مجاور تعد العدة لاجهاض الثورة وتحضر للهجوم بالبلطجية واعضاء الاتحاد علي ثوار التحرير، فيما عرف بموقعة الجمل يوم 2 فبراير2011.

ووضعت اضرابات العمال في الاسبوع الثالث من الثورة نهاية لاستمرار مبارك علي رأس السلطة فتنحي في 11 فبراير. ولم تتوقف اضرابات العمال منذ اللحظة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتطهير المؤسسات من رموز النظام السابق رغم كل الضربات الاعلامية والعسكرية التي تتلقاها من المجلس العسكري.

وكما ان الاضرابات لم تتوقف استمر العمال في تاسيس نقاباتهم المستقلة ويتم الاعلان عن عشرات النقابات العمالية في فترة وجيزة وفي قطاعات استراتيجية مثل النقل العام والطيران المدني والاعلام والمستشفيات وغيرها.

*وزارة العمل تعترف رسميا بالنقابات المستقلة

إنهالت علي وزارة القوي العاملة عشرات الطلبات بقبول اوراق تاسيس النقابات المستقلة التي انتزعها العمال رغم الحرب الضروس التي قادها اتحاد العمال الفاسد ومجالس ادارات الشركات والهيئات ضد قياداتها. فلقد نجحت القيادات الجديدة بالإعتماد علي  ضغط العمال في المطالبة بحل الاتحاد وفي نفس الوقت تاسيس النقابات المستقلة، في خلق توازن قوي بين النقابات المستقلة ونقابات الاتحاد حتي اصبح التوازن يميل في صالح النقابات المستقلة ، مما جعل وزير القوي العاملة أحمد البرعي يعلن في بيان رسمي اعترافه بالنقابات المستقلة والتزام الوزارة بالاتفاقيات الدولية الخاصة بالحرية النقابية.

* نماذج مشرقة من النقابات المستقلة: النقل العام ومنشية البكري

تم الاعلان عن تاسيس النقابة المستقلة لعمال هيئة النقل العام في مؤتمر تاسيسي اول ابريل وتم ايداع اوراقها في 10 ابريل 2011 ، وبعد عشرين يوم من هذا التاريخ تشارك النقابة المستقلة في احتفال عيد العمال اول مايو بميدان التحرير وتعلن من قلب الميدان عن اضراب كامل بهيئة النقل العام وشركة اتوبيس القاهرة الكبري وبالفعل بدا الاضراب في 2 مايو  للمطالبة بحقوق مالية لعمال الهيئة وبرحيل رئيس مجلس الادارة وتؤكد النقابة بذلك انها جاءت لتدافع عن مصالح العاملين وهي دلالة قوية علي كفاحية هذه النقابة الوليدة.

اما نقابة العاملين بمستشفي منشية البكري التي تضم في صفوفها الاطباء والممرضات والعمال جنبا الي جنب في نقابة واحدة فقد قامت بخطوة جبارة علي طريق تحرير الطبقة العاملة ، فقد اعلنت النقابة والتي تم تاسيسها في ذات اليوم الذي اسست فيه نقابة النقل العام ، اعلنت في اول قرار لها تنحية مدير المستشفي من منصبه وفتحت باب الترشيح وابلغت الوزارة والمديرية بذلك وبالفعل ترشح اربعة اطباء واجرت النقابة انتخابات مباشرة شارك فيها جميع العاملين بالمستشفي لاختيار مديرهم وتحت اشراف ممثلين عن النقابة المستقلة لعمال هيئة النقل العام.

*حل الاتحاد: انتصار تاريخي لعمال مصر

وفي يوم الرابع من أغسطس 2011 أعلنت الحكومة وبعد مطالبات كثيرة واحتجاجات عمالية كبيرة انها ستنفذ احكام القضاء ببطلان الانتخابات النقابية للاتحاد عن دورة 2006 -2011 ، وقررت تشكيل لجنة ادارية مشرفة عليه حتي فترة الانتخابات القادمة.

وفي الوقت نفسه يجري حوار بين النقابات المستقلة (باعتبارها ممثل العمال) مع وزارة القوي العاملة (ممثل الحكومة) ومنظمات رجال الاعمال حول مشروع قانون الحريات النقابية الجديد والذي اعترضت عليه قيادات الاتحاد المنحلة بل ونظمت اعتصاما ضده.

و هذا القانون يفترض فيه ان يعترف بشكل كامل وقانوني بالنقابات المستقلة، وفي ذات الوقت يفتح الباب امام انتخابات حرة ونزيهة لكل التشكيلات النقابية بما فيها اللجان النقابية خلال ستة اشهر من صدوره.

و في هذه الاثناء اجتمع ممثلي 90 نقابة مستقلة بمقر نقابة المحامين بالقاهرة يوم 5 اغسطس للاحتفال بقرار حل الاتحاد ولاعلان عن اختيار هيئة تاسيسية منتخبة للاتحاد المصري للنقابات المستقلة واقرار اعلان المبادئ الذي سبق ان وافقت عليه بعض النقابات المستقلة والذي يتضمن في اهم بنوده:

*استقلال النقابات عن الاحزاب والحكومة ومنظمات المجتمع المدني

*رفض التدخل في العمل النقابي والتمويل الاجنبي وغيره وان تمويل النقابات يكون باشتراكات اعضائها

*الاعلان عن رفض النقابات للدور الاستعماري لامريكا بالمنطقة ومعادتها لإسرائيل و للصهيونية، وترفض ايضا التعامل مع أي جهة او شخص يعترف بها او يطبع معها

اليسار والاخوان في لجنة الاشراف علي الاتحاد

اصدر رئيس الوزراء قرارا يتضمن اسماء أعضاء اللجنة المشرفة علي ادارة الاتحاد المنحل حتي الانتخابات، ضمت رموز من اليسار المصري بالاضافة الي مسئولين عن مكتب العمال داخل جماعة الاخوان المسلمين، وطبعا و للاسف لا يخلو القرار من وجود بعض رموز الاتحاد المنحل!

وتشكيل اللجنة يكشف ايضا عن اطراف المنافسة في الانتخابات العمالية القادمة، فرموز الاتحاد المنحل او فلول الوطني في القطاع العمالي لن تتنازل عن مواقعها بسهولة وستحاول استعادة مواقعها عبر الانتخابات بدعم من الحكومة والمجلس العسكري وبعض رجال الاعمال الذين لا يرغبون في وجود حركة نقابية مناضلة تهدد مصالحهم.

و قد أعطي الأخوان أهمية للتغلغل في الاوساط العمالية خاصة بعد النجاحات الكبيرة للحركة العمالية في 2006 و2008 بعد ما اظهرت انتفاضة المحلة قدرة العمال علي احداث التغيير ، وقد ساعدهم في ذلك اعضاء الجماعة بمجلس الشعب حيث حاول اعضاء الجماعة في البرلمان لعب دور مهم في عرض مطالب العمال الذين اعتصموا لشهور امام المجلس لعرض مطالبهم علي الحكومة. و قام الأخوان بذلك  أولا لكسب تعاطف العمال وتاييدهم للاخوان في دوائر عملهم وثانيا لخلق تواجد اخواني في أوساط الطبقة العاملة المصرية وحققوا قدرا من النجاح في ذلك.

في هذه الاثناء، هناك معلومات عن استعدادات تجري علي قدم وساق في مكتب العمال التابع للجماعة لخوض انتخابات النقابات العمالية المقبلة.

يجري الأخوان، مثلا، ترتيبات للإنتخابات في المصانع  التابعة للقطاع العام وقطاع الاعمال العام. وبعض هذه المصانع هادئ نسبيا من حيث الاحتجاجات العمالية المطلبية  بسبب تقدم أعمار العمال بهذه المصانع وبسبب أن ظروف عملها وأجورها أفضل نسبيا من مصانع القطاع الخاص، و لذلك ستكون هذه القطاعات الهادئة نسبيا هدفا للاخوان في الانتخابات العمالية القادمة وقد تري الجماعة ان هذه القطاعات ملاءمة لطبيعة الجماعة المحافظة.

وغالبا فأن الأخوان لن يركزوا علي  المنافسة في مصانع القطاع الخاص في المدن الجديدة و التي تعيش بها العمال ظروف بالغة الصعوبة وتشهد احتجاجات عنيفة من وقت لاخر ، وبالتالي فغالبا ما سيبتعد الأخوان عن هذه القطاعات بالاضافة الي قطاع موظفي الحكومة والانتاج الحربي التي تشكل بؤرة مقاومة للحكومة.

وفي الفترة الاخيرة كان للقوي اليسارية الدور الأكبر و ان لم يكن الأوحد في مساعدة احتجاجات العمال ودفع حركة استقلال النقابات العمالية الي الامام واكتساب ثقة اعضاء هذه النقابات الي حد ما بدأ بالمحلة و مرورا بالضرائب العقارية.

الا ان الانتخابات العمالية القادمة تمثل تحديا كبيرا امام اليسار المصري، رغم كل هذا التاريخ النضالي مع العمال ، وذلك من حيث اهمية الانتخابات العمالية وما يترتب عليها بالنسبة لوضع الطبقة العاملة وتاثير ذلك علي مستقبل الحركة العمالية في صراعها ضد استغلال وسلطة راس المال و مستقبل الثورة.

التحدي الاول الذي يواجه اليسار هو فلول الوطني المدعومين من الحكومة ورجال الاعمال و التي  ستخوض الانتخابات القادمة ، اما التحدي الثاني هو القدرة التنظيمية العالية للاخوان في الانتخابات عموما و امكانياتهم المادية التي تساعدهم في ذلك.

ان الانتخابات العمالية القادمة لا تقل اهمية عن انتخابات مجلس الشعب ، ان لم تكن لها اهميتها الخاصة لدي اليسار ، و تفرض علينا الاستعداد لها من الان تتضافر الجهود القوي الاشتراكية و اليسارية وتجهيز قيادات عمالية مناضلة لخوض هذه الانتخابات.

علينا الاستعداد لخوض النضال مع المناطق الاكثر سخونة خاصة في المناطق الصناعية الجديدة والتي ستكشف احتجاجاتها القوي النقابية والسياسية المهادنة.

النقابات العمالية: بين الاصلاح و الثورة

للنقابات العمالية أهمية كبيرة سواء بالنسبة لنضال العمال المطلبي الاقتصادي في مواجهة اصحاب العمل او بالنسبة لمسالة تحرر الطبقة العاملة ودورها في قيادة النضال الجماهيري للتحرر من الاستغلال الراسمالي.

فعلي مستوي النضال المصنعي او داخل المنشاة تلعب النقابات ادوارا حاسمة في صراع العمال مع اصحاب العمل حول المطالب الاقتصادية، فالنقابات هي احد اهم الاشكال التنظيمية التي توصل اليها العمال عبر نضالهم وتطور وعيهم وكانت دائما حصنا يحتمي فيه العمال من سطوة راس المال.

ولا شك ان موقف العمال التفاوضي وحتي قوة اضرابهم يختلف اذا كانوا يملكون نقابة ام لا او اذا كانت هذه النقابة معبرة عنهم وتدافع عن مصالحهم ام نقابة صفراء تقف مع الادارة ضد العمال.

وعلي مستوي الصراع السياسي والتحرر من سلطة راس المال يمكن ان تلعب النقابات دورا مهما ، فقد راينا جميعا علي سبيل المثال كيف كان تدخل اتحاد الشغل التونسي في الثورة التونسية حاسما رغم القيادة الاصلاحية التي تسيطر علي الاتحاد.

الا ان وجود تنظيم نقابي، وعلي الاقل قواعد عمالية مناضلة، يمكن العمال في اللحظات الثورية ان يضغطوا من اجل انحياز قيادتهم الي مصالح القواعد العريضة من العمال.

و رغم الدور المهم الذي لعبته الطبقة العاملة المصرية في الاسبوع الثالث من الثورة باضرابتها، فقد افتقدنا نحن في مصر هذا التنظيم النقابي المناضل مثل تونس. ، فتطور الثورة كان من الممكن ان يبدو مختلفا لو قاد هذا الاحتجاج تنظيم عمالي و حزب عمالي ثوري، .ولظهرت الطبقة العاملة كرقم مهم في عملية التغيير السياسي منذ الايام الاولي.

الاشتراكية الثورية والنقابات

بالرغم من الاهمية الكبيرة لنقابات العمال و نضالاتها الا ان مهمتها الأساسية تظل هي الدفاع عن مصالح العمال داخل علاقات الانتاج الراسمالية الحالية، فالنقابات تقوم بتحسين شروط الاستغلال التي يخضع لها العمال وليس لانهاء هذا الاستغلال.

الا ان ذلك لايمنع الاشتراكيين و اليسار من العمل علي التقارب مع تلك النقابات وقيادتها، وذلك بهدف توسيع نطاق المشاركة العمالية القاعدية، وفي نفس الوقت العمل و النضال جنبا الي جنب مع تلك القواعد من اجل الضغط علي القيادات النقابية لتبني مواقف جذرية أكثر فأكثر.

فالقيادات النقابية مجبرة احيانا علي الانصياع لبعض أمال قواعدها العمالية حتي لا تفقد مواقعها.

ونحن لا نعتبر ان النقابات بديلا عن الممارسة الجماعية والنضال المشترك لجاهير العمال بل يجب علينا دفع الممارسة الذاتية المستقلة للقواعد العمالية في كل اللحظات .

ان هدف الاشتراكيين طويل الأمد هو تعبئة الطبقة العاملة من اجل الأطاحة بالنظام الراسمالي وذلك يستلزم كسب نفوذ داخل التنظيمات الجماهيرية للعمال واهمها النقابات.

وأمامنا فرصة يجب علينا استغلالها في اللحظة الثورية الراهنة حيث يمكن في هذه الاوقات الثورية ان يتحول النضال العمال من الارضية الاقتصادية الي الارضية السياسية وبسرعة مدهشة بسبب الطبيعة السائلة و المتقلبة للثورة. فالأضرابات العمالية التي بدأت بمطالب اقتصادية في الاسبوع الثالث من الثورة سرعان ما تحولت الي اضرابات سياسية تنادي باسقاط الرئيس وتطهير المؤسسات من القيادات الفاسدة من رموز النظام. و أضراب النقل العام وعمال هيئة قناة السويس،  مثال علي ذلك،  و كذلك المشاركة الواسعة من النقابات المستقلة في مظاهرات ميدان التحرير طوال ال18 يوما من الأنتفاضة والأعلان عن تاسيس اتحادها وتأييد مطالب الثورة والتأكيد علي تحقيق اهدافها الخاصة بالعدالة الأجتماعية، كل هذا يعد تحولا كبيرا في العمل النقابي في مصر.

ورغم دورها الاصلاحي، لا يمكن التقليل ابدا من اهمية النقابات. فمن قلب النضال الاقتصادي واتساعه تتعمق الازمة الثورية والنقابات العمالية تلعب دور مهم في هذاالعملية.

الا أنه لا يمكن استبدال الحزب الثوري بالنقابات مهما كانت مناضلة. فالحزب الثوري للعمال و الذي يجب بناؤه خصوصا في هذه اللحظات هو الأداة السياسية للعمال، نقابيين أو غير نقابيين، للصراع مع الطبقة الحاكمة و دولتها علي كل المستويات السياسية و الأجتماعية و ليس اقتصاديا فقط.

ولذلك يجب علي القوي الاشتراكية الثورية دائما المساعدة في انشاء نقابات العمال و التقارب مع هذه النقابات ومحاولة دفعها لان تكون اكثر جذرية في مواقفها من الصراع الطبقي و لكن جنبا الي جنب مع بناء الحزب الاشتراكي الثوري الذي لا غني عنه لاحراز الانتصار النهائي للطبقة العاملة المصرية علي سلطة راس المال.