بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

إضراب شركات قناة السويس:

خطوات في طريق لا يزال طويل

بحلول يوم 28 يونيو، وصل إضراب شركات قناة السويس يومه الخامس عشر. بينما شهد يوم 27 تصعيدا مذهلا لنضال العاملين، حيث قطع المئات من عمال الشركات التابعة لقناة السويس الطرق الرئيسية المؤدية إلى مبنى إدارة القناة الرئيسي بالإسماعيلية، ومنعوا مرور السيارات وأشعلوا النيران في إطارات السيارات المطاطية وأقاموا المتاريس الحجرية. كما قطع العمال المحتجين طريق رقم 6 والذي تطل عليها معظم منشآت هيئة قناة السويس والمجرى الملاحي فيما واصلوا إضرابهم عن العمل لليوم الرابع عشر على التوالي.

وصرح قيادي عمالي بالشركة: “أخبرنا مستشار بالهيئة أن الغد سيحمل الرد على مطالبنا، وبالتالي سنتجمع غداً أمام مبنى الإدارة فإما الاستجابة لمطالبنا أو الاعتصام المفتوح.. وكل الخيارات مفتوحة أمامنا بعد كل هذا التجاهل من الإدارة.. ونعد المسئولين بمفآجات من العيار الثقيل إذا لم تتم الاستجابة لمطالبنا”.

يشمل الإضراب جميع الشركات التابعة لهيئة قناة السويس، التي تبلغ سبع شركات تضم نحو 8500 عامل. والشركات هي: التمساح لبناء السفن، والقناة لأعمال الموانئ والمشروعات الكبرى بالإسماعيلية، والترسانة البحرية بالسويس، وأنوار السفن، والأعمال البورسعيدية والإنشاءات البحرية، والحبال “في بورسعيد”.

أسباب الإضراب

يمكن حصر الأسباب المباشرة للإضراب في: رفض إدارة قناة السويس تنفيذ قرارات أحمد البرعي، وزير القوى العاملة، بزيادة في أساسي الراتب من أول شهر يونيو الجاري بنسبة 40%، وزيادة بدل الوجبة 4 جنيهات يوميا، وصرف العلاوة الدورية بنسبة 7% من الأجر الأساسي، وتشكيل لجنة لدراسة إعادة الهيكلة المالية والإدارية والفنية للشركات السبعة التابعة للقناة السويس، والمقرر بدء عملها في أول يوليو القادم.

وحسب تصريحات العمال، فكانوا قد أنهوا اعتصامهم الأول في أبريل الماضي بناءا على ما تم الاتفاق عليه ولكن رئيس قناة السويس لم يلتزم بتنفيذ الاتفاق. حيث ذكر محمود عبد العزيز عضو اللجنة النقابية بشركة التمساح: “لن نوقف الإضراب عن العمل إلا بعد الاستجابة لمطالبنا.. خسائر الشركات ستكون بالملايين وسنصعد الإضراب بالاعتصام أمام مبنى إدارة قناة السويس إذا لم تنفذ مطالبنا”.

وطالب العمال المعتصمون داخل شركاتهم برحيل الفريق فاضل رئيس هيئة قناة السويس، وقال العمال أن الفريق فاضل يتقاعس عن إرساء مبدأ المساواة والعدالة بين العاملين في إدارات هيئة قناة السويس والعاملين في الشركات التابعة لها. حيث أن هناك فجوة كبيرة في المرتبات علما بأن الشركات التابعة تقوم بخدمة مشروعات إدارات هيئة قناة السويس، مؤكدين أن صندوق العاملين بالهيئة يحتوي على مليار و360 مليون جنيه. وأن فائض ميزانية شركات الهيئة 200 مليون جنية فى السنه يتم صرف الفتات منها للعامين، والباقى يدخل فى جيوب كبار مديري الهيئة.

نضال متواصل 

وفي خطوة تصعيدية، نقل العاملون اعتصامهم يوم الاربعاء، 15 يونيو من مقار الشركات إلى المقر الرئيس لإدارة القناة بمحافظة الإسماعيلية، حيث تجمع أكثر من 2500 عامل. مرددين هتافات غاضبة ضد الفريق أحمد فاضل رئيس هيئة قناة السويس ومطالبين بتدخل المجلس العسكري وإقالة فاضل من منصبه، رافعين العديد من اللافتات التي تلخص مطالبهم، ورددوا هتافات “ارحل يا فاضل” و”أخويا في الهيئة هايص وأنا في الشركات لايص”.. لكن الشرطة العسكرية منعت العاملين وأغلقت الكباري المؤدية إلى مبنى الإرشاد بالأسلاك الشائكة لمنع العمال من الوصول إليه والاعتصام بداخله.

وخرج مئات العمال بشركتي التمساح والموانئ يوم الثلاثاء 21 يونيو في مظاهرة ضخمة حاملين نعش كتبوا عليه اسم رئيس هيئة قناة السويس وبداخله دمية في جنازة رمزية استقرت أمام مبنى إدارة الشركات ثم توجهت إلى مبنى الإرشاد -المقر الرئيسي لإدارة القناة- لإشعال النيران في الدمية.

وقد احتشدت الشرطة و الشرطة العسكرية، وأحاطت قوات الجيش بالاستراحة التي يقيم بها الفريق فاضل رئيس هيئة قناة السويس وأغلقت الطرق المؤدية إليها باستخدام الأسلاك الشائكة ومنعت مرور السيارات خوفا من توجه المتظاهرين إليها.

في يوم الخميس، 23 يونيو، تجمع العمال المحتجين أمام مبنى إدارة الشركات بالإسماعيلية وأحرقوا دمية لشخص المهندس محمد حلمى مطير مديرالشركات. الذي تجاهل مطالب العاملين، وتعمد التضليل في تصريحاته، حيث زعم زيادة أجور عمال شركات القناة لن تتحقق الا باجراء تعديل تشريعي جديد‮ ‬ينظم أجور العمالة في الشركات التي تخضع لقانون‮‬48 ‬لسنة‮ ‬1978‮‬بشأن العاملين بالقطاع العام،‮ بينما يذكر أن الزيادات التي حصل عيها العمال منذ 2008، و أن بدل الجهود زاد بنسبة 25.0% ، وهو ما تكرر في بيان رسمي للهيئة. وقد كرر البيان أن تطبيق كل وعود الوزير للعاملين يحتاج لتعديل تشريعي، حيث ذكر أن “تطبيق هذة الزيادات لابد ان يكون بالطرق القانونية وأن القانون والذي حدد الفئات التي تحصل علي العلاوة الدورية ولايسمح بالخروج عن هذه الفئات !

أشار أعضاء النقابات بالشركات السبع بهيئة قناة السويس في بيان لهم أن العاملين بالشركة يخضعون للقانون 48 لسنة 1978 اسما، لكن الشركات تتبع هيئة قناة السويس، ورئيس الجمعية العمومية بها الفريق فاضل. كما دعوا المسئولين بالدولة لزيارة الشركات على أرض الواقع حتي يروا بأنفسهم ماوصلت إليه من حالة متردية في المعدات والماكينات التي لم يصلها التطوير في جميع أجزائها، ورغم ذلك تتحقق الإنجازات بسواعد العمال، كل في مجاله، وإذا كان البعض من الشركات لا يحقق أرباحا فهو ما يرجع لسوء الإدارة التي توليها هيئة قناة السويس لها.

وأوضح العمال أن “الأرباح التي تحدث عنها مطير تصرف على الأجر الأساسي الضعيف للعمال، وعندما يحال أحدهم للمعاش يتقاضى 40 ألف جنيه كحد أقصى، في حين من يعمل بالهيئة يحصل على 300 ألف إلى 1.5 مليون جنيه”. قالوا “إن الزيادات المالية التي يتحدث عنها جرت قبل 2008، وجاءت بوقفات احتجاجية للعمال وجميعها على الراتب الأساسي الذي يعد الأضعف على مستوي نظرائنا في أماكن أخري بالدولة”.

وأضاف محمود عبد العزيز عضو اللجنة النقابية بشركة “التمساح”: أن اللائحة الموحدة لا تحتاج إلى تشريع جديد لكي يتم إقرارها، فالفترة الماضية شهدت زيادة مرتبات بقية العاملين في إدارات قناة السويس دون تشريع”.

وفي يوم الجمعة، 24 يونيو، بينما واصل العمال مظاهراتهم وسط تواجد مكثف للأمن وعناصر من القوات المسلحة والشرطة العسكرية المدعمة بالمصفحات. دفع فاضل في المقابل بمظاهرة ضمت العشرات من العاملين بهيئة قناة السويس خرجت من أمام مبني الارشاد المقر الرئيسي‮ ‬للهيئة بالاسماعيلية، الذي يفترض أنه تحت حراسة القوات المسلحة، تحت لافتة تأييد فاضل.

شهد يوم السبت 25 يونيو، مزيدا من الإصرار من جانب عمال شركات القناة، حيث نظم المئات من عمال الشركات مسيرة ضخمة باستخدام الدراجات النارية بمدينة الإسماعيلية وحول المقر الرئيسى لهيئة قناة السويس بالمدينة. في حين أغلق تجمع الآلاف من العمال بشارع محمد علي بقلب مدينة الإسماعيلية حركة مرور السيارات، حيث أعلن ممثلو نقابات العمال الاستمرار في الإضراب حتى تتم الاستجابة لمطالبهم وصرف الزيادات المالية التي أعلن عنها من قبل، مطالبين بضرورة تدخل المجلس العسكري لإقالة رئيس الهيئة من منصبه لإخلاله بوعوده، ومنع صرف الزيادات المالية التي تم الاتفاق عليها.

بينما منع عدد من العاملين بشركات قناة السويس فريق القناة الرابعة الحكومية والتي تقوم بالبث المحلي بمنطقة القناة، من التواجد في الاعتصام، حيث اتهمهم العاملين بالتضليل والتحيز لإدارة هيئة قناة السويس ورئيسها فاضل. فى موقفه برفض صرف أى زيادة لعمال الشركات ولقيام القناة بتصوير مظاهرة التأييد التى دفع بها فاضل ضد احتجاجات عمال الشركات. واتهمهم مصطفى خضر رئيس القناة الرابعة بالتعدي على “موظفين أثناء تأدية عملهم”.

كل ذلك في الوقت الذي صرح فيه مسئول بهيئة قناة السويس أن شركات قناة السويس تحقق خسائر يوميا تقاربت من المليون جنيه بسبب تعطيل العمل ووقف عملية الإنتاج بالشركات السبع. وأكد أن خسائر شركة الترسانة البحرية بالسويس بلغت خلال الأسبوع الثاني للاحتجاجات، 30 مليون جنيه بسبب تأخير إصلاح بعض الحفارات والسفن والوحدات البحرية الموجودة بالأحواض العائمة الخاصة بالشركة مما تسبب في فرض غرامات تأخير على إدارة الشركة لعدم الانتهاء من الأعمال المنوطة.

خطوات للأمام

ترجع الأهمية الخاصة لإضراب الشركات التابعة لقناة السويس، إلى حيوية المرفق الذي تتبعه الشركات، وحساسيته، وهي تذكرنا بالعاملين بالإنتاج الحربي، فلم يأبه العاملين بالشرطة العسكرية ولا التهديدات. وقد نجح العاملين في تجميع نضال الشركات السبع في وقت واحد وعلى المطالب نفسها، وبلغ عدد المتظاهرين أمام المقر الرئيسي،2500 متظاهر، أي ما يعادل ثلث مجموع العاملين تقريبا.

وبينما كان نقل الاعتصامات من مقارها بالأقاليم إلى مجلس الوزراء أو مجلس الشعب، خطوة للأمام، قبل الثورة، فإن تركيز الاعتصام في منطقة القناة وتصعيده للاعتصام أمام المقر الرئيسي، هو الخطوة الصحيحة في تلك اللحظة، خاصة مع مهاجمة المقر الرئيسي للإدارة، ومقر إقامة الفريق فاضل، في خطوة تصعيدية بلغها العمال بعد افتضاح كذب الوعود التي قدمها.

والفريق فاضل واحد من بين الكثيرين، من الصف الثاني للنظام، المتمثل في المحافظين، ورؤساء الهيئات والمؤسسات والجامعات والبنوك.. الذي لا يزالون في مواقعهم، بل ويمارسون أشد أنواع العجرفة-مثل حسام كامل رئيس جامعة القاهرة- ولا يزال الجيش محتفظا بهم، دون أية محاسبة على ما اقترفوه من جرائم فساد. ولعل الدليل على ذلك هو ضرب الفريق فاضل بكل ما اتفق عليه وزير القوى العاملة أحمد البرعي، في لقاءه بالعاملين، عرض الحائط. فموقف الجيش من الثورة ينفضح عمليا أمام العاملين بشركات القناة، من خلال موقف الجيش القمعي لنضالهم، مقابل حماية رأس الفساد بالهيئة.

الحجج والذرائع التي ساقها بيان الهيئة، أو تصريحات مدير الشركات”مطير”، تفتح الباب أما فضح مرحلة الخصخصة، أو بالأدق “ماقبل الخصخصة” وهي المرحلة التي بدأت في عهد السادات، بتفكيك القطاع العام إلى قطاعات وشركات ذات توصيفات قانونية وتبعية إدارية مختلفة ومتشعبة. وكذلك إخضاع الرواتب، أو الجزء الأكبر المتمثل في البدلات، لأهواء الإدارات، وهو ما فتح الباب للمحسوبية والفساد، زد على ذلك التفاوت الرهيب في دخول المديرين بالنسبة للعاملين والموظفين. إلى جانب التعاقدات المؤقتة، واليومية.

كلمة “إشمعنى” وبمعنى أدق، مبدأ المعاملة بالمثل، وهو الذي يرفعه العاملين بالشركات للمساواة بأقرانهم العاملين في إدارات هيئة القناة نفسها، يثبت جدارته، ولا ننسى ان إضراب الضرائب العقارية الشهير، كانت مطالبه تستند إلى التساوي بمأموري الضرائب العادية. المبدأ ذاته، لو أخذناه على امتداده، يفتح مجالا لتوحيد مطالب الطبقة العاملة والتي تشمل كل العاملين بأجر. في حين يحاول رجال الإدارة اللعب على التناقضات والاختلافات بين العاملين في القطاعات المختلفة-مثلما فعل فاضل بافتعال مظاهرة من العاملين بالهيئة ضد العاملين بالشركات- فيتم تصوير القضية على أنها “أحقاد” او أطماع بين العاملين وبعضهم البعض.

خطوات لا تزال على الطريق

لعل الخطوات المتبقية هي توحيد صف العاملين في هيئة قناة السويس عموما، سواء العاملين في إدارات الهيئة ذاتها، أو في الشركات التابعة لها، كذلك باتخاذ خطوات تصعيدية نحو وقف الملاحة بقناة السويس، او إبطاء إيقاعها على الأقل.

فإضرابات النقل العام بالقاهرة، والذي يعتبر مرفق حيوي رغم عملية التصفية التي شهدها لمدة سنوات، تمكن من شل الحركة بالعاصمة، ونجح في تركيع الحكومة وتحقيق المطالب، التي بلغت ذروة تصعيدها في الإضراب الذي حمل مطالب الثورة وعجّل بسقوط مبارك. وبالمناسبة ايضا، فإن توحيد إضراب النقل العام اتساعه كان داعما له، بينما إضراب السكة الحديد بالزقازيق، أعطى مجال لقمعه بواسطة الجيش.

وفي العموم يستوجب النضال في المرافق الحيوية حملة دعائية واسعة، من جانب المناضلين العماليين والنشطاء لحشد الراي العام حول مشروعية نضال العاملين، وحول تكامل نضالهم في مواقعهم مع أوجه النضال الثوري، من أجل تطهير البلاد من كل عناصر النظام التي لا تزال في الحقيقة تعمل بشخوصها، والأهم بالسياسات ذاتها، التي تسببت في نهب الاقتصاد وفي إفقار الملايين، لحساب قلة فاسدة.

المطلبي والوطني

من ناحية أخرى، تتشابك قضية قناة السويس بالذات، مع القضية الوطنية، فقد عبرت قناة السويس الجمعة24 يونيو حاملة الطائرات الأمريكية النووية “إنتربرايز يو.إس.إس” بحمولتها البالغة 93 ألف طن، حيث تحمل 60 طائرة، وترافقها قاذفة الصواريخ “ليت جولف” وسفينة إمداد وتموين. وقد تصدرت القافلة الجنوبية للقناة قادمة من البحر الأحمر في طريقها للبحر المتوسط للقيام بمهام ضمن قوات حلف الناتو ضد ليبيا.

جراء عبور حاملة الطائرات، شددت هيئة قناة السويس من إجراءاتها الأمنية حيث تم وقف حركة الصيد بالقوارب الصغيرة كما تم وقف عمل معديات نقل المواطنيين بين ضفتي القناة إضافة الى وقف حركة مرور الشاحنات والسيارات فوق جسر قناة السويس، وهو ما عطل آلاف المواطنين بالضرورة، ومنعهم من لقمة عيشهم، التي لا تؤخد طبعا في حسابات الباشوات.

كما سمحت هيئة قناة السويس يوم الأحد 26يونيو، بعبور سفينة شحن إسرائيلية، وذلك بعد احتجازها 24 ساعة بالمدخل الشمالى لوجود عيوب فنية بها تمثل خطرا على سلامة الملاحة بالقناة. السفينة EUROBE حمولتها 3 آلاف طن كانت تستعد لعبور القناة قادمة من ميناء أشدود الإسرائيلى على البحر المتوسط فى طريقها إلى ميناء إيلات-الإسرائيلي أيضا- على البحر الأحمر.

فملف قناة السويس مرتبط بالقضية الوطنية والسيادة المنقوصة لمصر عليها، ودرجة التبعية التي تصل إلى “العمالة”، التي انفضحت خلال الحرب على العراق، وخلال العدوان على غزة، ولا زالت تتكرر في العدوان على ليبيا تحت مسمى حماية الثورة، بهدف السيطرة على منابع البترول ومحاصرة المد الثوري في المنطقة ككل.