بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كريمة جمعة: وزيرة تموين الاعتصام

بعيدا عن المكاتب المكيفة، و الحجرات الفخمة، و السكرتارية، و التليفونات، و البرستيج، كانت هي وزيرة بالفعل، و لكنها وزيرة من نوع آخر، فهي و بحق “وزيرة تموين ” في واحد من اشرف، و أنبل الاحتجاجات في تاريخ موظفي مصر، وهو اعتصام موظفي الضرائب العقارية، في شارع حسين حجازي، حيث عكفت على توفير الاحتياجات الغذائية للمعتصمين، حتى يتمكنوا من مواصلة النضال من أجل قضيتهم العادلة، فكريمة حنفي جمعة هي أحد الجنود المجهولة في معركة اعتصام حسين حجازي، بشكل خاص، و معركة النقابة المستقلة لموظفي الضرائب العقارية، بشكل عام، و هي النقابة الوليدة التي خلقت بمساعدة أبنائها المناضلين من أمثال كريمة آمل جديد لكل عمال وموظفي مصر.

تلك السيدة الفاضلة، دأبت على قول كلمة الحق، وصانت نفسها من الانجراف، وراء استغلال المنصب لتحقيق مصالحة خاصة، فلم يكن غريباً عليها أن تكون سباقه إلى ساحة النضال مع غيرها من موظفي الضرائب العقارية، حيث تولت مسئولية رعاية زملاءها لمدة إحدى عشر يوماً، بداية من توفير الطعام حتى الغطاء.

هي مناضلة لا تنتمي لحزب أو تيار سياسي، لكن كان لديها صحتها وعافيتها، التي أبقتها هذه الفترة الطويلة، في ظل قسوة برد ديسمبر 2008، لإيمانها بحقوقها وحقوق زملائها في أجور عادلة، وثم جاء عملها الدؤوب مع زملاءها من أجل إنشاء نقابة مستقلة تقف بجانبهم، وتدافع عن حقوقهم المهضومة.

بالرغم من أن كريمة جمعه موظفة الضرائب العقارية، بمأمورية الجيزة، أمينة للجنة النقابية للعاملين بالبنوك والتأمينات، بالجيزة، تبلغ من العمر سبعه وخمسون عاماً، وتعاني من مشاكل صحية عديدة، اقلها الغضروف، فإنها كانت من أهم القيادات الداعية للاعتصام في شهر أكتوبر 2007، في الوقت الذي كان من المفترض أن تقوم فيه بأداء مناسك العمرة. شاركت كريمة في اعتصام أخر أمام الاتحاد العام لعمال مصر، لمدة ثلاثة أيام، لمقابلة حسين مجاور رئيس الاتحاد.

خلال تلك الفترة تلقت كريمة لمكالمة من عائشة عبد الهادي، وزيرة القوى العالمة والهجرة، وكانت تحثها فيها على ضرورة فض الاعتصام، وعلى كل موظف وموظفة العودة للمنزل، كانت رد كريمة جمعة “أنني لا أستطيع أن أخون زملائي، في الوقت الذي كنت فيه من دعاة الاعتصام، حيث لن نحصل علي حقنا بطرق أخرى غير الاحتجاج”، بعد أن قام مسئولي اتحاد العمال بإغلاق الأبواب في وجه موظفي الضرائب العقارية، توجه الموظفون إلى مجلس الوزراء، في شارع حسين حجازي في ديسمبر 2007.

قررت كريمة تجاهل كل أعبائها ومشاكلها والذهاب مع زملائها، لتتولى مسئولية “لجنه الإعاشة”، لأكثر من 5 الآلاف موظف من جميع المحافظات اختاروا شارع حسين حجازي ليكون لهم مبيت. وسعت كريمة لتوفير الطعام و الغطاء لكل معتصم، أما عن أسرتها، فكانت تقف بجانبها، قلبا وقالبا، وتشجعها على القيام بدورها، وفى الوقت نفسه، ساعدتها أسرتها في المهمة، التي تكفلت بها، نظرا لظروفها الصحية، وسنها، حيث زوجها ينقل معها الطعام من البيت للاعتصام، ويقدم المساعدة على قدر المستطاع لأيمانه بما تكافح من أجله زوجته.

لا يعلم الكثير ما عانته كريمة من تبعات صحية، عقب الاعتصام، حيث أجريت لها عملية جراحية في الغضروف، لا تتذكر كريمة ما عنته من آلام، ولا ترغب إلا في تذكر ما حققته هي وزملائها من انتصار.

لا شك أن استمرار قيادات اللجنة العليا للإضراب في العمل المشترك، حتى بعد تحقيق المطالب، كان الخطوة الأولى نحو تكوين نقابة مستقلة، وكانت كريمة واحدة من هذه القيادات، حيث لم تتأخر عن حضور الاجتماعات، والمشاركة بكل طاقتها حتى تحقيق الحلم، وهو إنشاء أول نقابة مستقلة بمصر، منذ أكثر من خمسين عام، في الثالث من ديسمبر 2008.

لم تسلم كريمة من استدعاءات مجاور، حيث استدعاها للتحقيق معها في الخطاب الرسمي، الذي أرسلته لاتحاد العمال لعرضه على وزارة المالية، وطالبت فيه بعدم إرسال المستحقات للاتحاد العام، والنقابة العامة للبنوك والتأمينات، فبالرغم من توقيع جميع الأعضاء اللجنة النقابية للضرائب العقارية بالجيزة على الخطاب، إلا أنه لم يتم استدعاء أحد غير كريمة، كما أن بعض الأعضاء تهربوا، أنكروا توقيعهم، كما رفضت كريمة الذهاب للتحقيق معها، ولكنها أيضا لم تنكر توقيعها، وتشبثت برأيها.

إذا نظرنا لكريمة جمعة كأمينة أحد اللجان النقابية الرسمية للعاملين بالبنوك والتأمينات، لن نفهم الكثير من سلوكها، حيث اعتدنا أن نجد من يشغل مثل تلك المناصب، أن يستغلها لمصالحه الذاتية، لكن الصورة مختلفة مع الموظفة المكافحة كريمة جمعة، السيدة التي تكفلت بالسهر إحدى عشر يوماً لإطعام 5 آلاف شخص معتصمين في الشارع. هي نموذج للنقابي الحقيقي، إلا أنها موجودة النقابة الرسمية، التي لا تمت للعمل النقابي في شيء. تبدوا كريمة أنها قريبة جداً من النقابة المستقلة، لكنها تقول لن تترك موقعها في النقابة الرسمية، حتى تتأكد أن 1600 عضواً باللجان النقابية الرسمية، قدموا استقالتهم، ثم تتقدم هي أخيرا باستقالتها.