بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف ينجح الإضراب العام؟

صراع مرير على مدار عام كامل، يعلو ويهبط، في مواجهة آلة عسكرية جبارة وقمع وتنكيل وتشويه إعلامي مكثف ضد الثورة والثوار. وانتصار الثورة في هذا الصراع، والذي من الواضح أنه سيستمر طويلاً، يحتاج لتصعيد كبير من قوة اجتماعية جبارة قادرة على شل النظام وتسديد أقوى الضربات له.

هكذا تنتشر منذ أيام دعوات لا حصر لها على الإنترنت وجرافيتي على حوائط في الشوارع وبيانات من كل حدب وصوب، للمشاركة في إضراب عام في طول مصر وعرضها يضع حداً لطغيان المجلس العسكري في السلطة ويجبره على العودة للثكنات. وتأتي هذه الدعوة على خلفية صعود هائل في الحركة العمالية يضع عليها الثوار آمالاً ضخمة في الخلاص من حكم العسكر.

قوة الطبقة العاملة

ولم لا؟ ففي الأيام الأخيرة لمبارك على رأس السلطة، أظهرت الطبقة العاملة جانبا كبير من قوتها حينما خاضت قطاعات واسعة منها سلسلة من الإضرابات الجماهيرية التي سددت الضربة القاضية له وأجبرته على الرحيل، وافتتحت بذلك طريق الثورة ليتخذ أبعاداً أكثر عمقاً بكثير من مجرد إزاحة رأس النظام.

ولم تتوقف حركة العمال منذ ذلك الحين للمطالبة بالعدالة الاجتماعية وتطهير المؤسسات من رموز النظام (ومن لواءات الجيش أحياناً)، برغم كل الضربات الأمنية والإعلامية التي تتلقاها من المجلس العسكري. وعلى مدار العام السابق، تنوعت الاحتجاجات العمالية بين 605 اعتصام و312 إضراب، علاوة على 373 مظاهرة و240 وقفة احتجاجية. استطاع العمال خلال تلك الاحتجاجات تحطيم كافة القوانين التي سنها المجلس العسكري وحكوماته ضدهم. فعندما طبقوا قانون تجريم الاحتجاجات، زادت الاحتجاجات وانتعشت الحركة بشكل غير مسبوق. وعندما ادعوا رفض التفاوض مع العمال قبل فض الاعتصامات، أجبرهم العمال على التفاوض والرضوح للمطالب. وعندما هددوا بتطبيق الطوارئ لقمع المحتجين، أصبحوا غارقين في طوفان الغضب العمالي والاجتماعي.

هذه القوة الاجتماعية الجبارة، المسماة بالطبقة العاملة، هي التي يلجأ إليها الثوار والنشطاء ويعلقون عليها آمالهم اليوم لحسم الصراع في مواجهة طغاة العسكر. ومن البديهي أن هذا النشاط العفوي لدى الطبقة العاملة بحاجة إلى درجة عالية من الوحدة والتنظيم.. هذا الطوفان العمالي يلزمه تكثيف وتوجيه في مسار موحد لتحطيم سدود تحالف العسكر ورأس المال، والجميع متفق على أن هذا المسار هو: الإضراب العام.

لكن.. من يعلن الإضراب؟

إن واحدة من أهم المعضلات الرئيسية أمام الثورة اليوم هي الانفصال النسبي بين ما يحدث في الميادين والشوارع من ناحية، وما يجري في المصانع والشركات من ناحية أخرى. وبالطبع يهدف الاشتراكيون الثوريون إلى أن يصبح “الميدان والمصنع إيد واحدة”، لكن من قال أن هذه “الإيد الواحدة” يمكن إعلانها من طرف واحد؟ ومن قال أنه يمكن تكثيف طاقة الطبقة العاملة وتوجيهها في إضراب عام أو ما شابه، من خارج أسوار المصانع؟

في كل الأحوال لا يمكن إنكار أن للإنترنت، وبالأخص شبكات التواصل الاجتماعي (فيس بوك وتويتر، إلخ)، أدواراً مهمة في حشد وتعبئة الثوار في المليونيات ومسيرات الأحياء والفعاليات الثورية الأخرى، ذلك علاوة على سعي النشطاء لفضح جرائم المجلس العسكري وأكاذيب إعلامه من خلال هذه الشبكة العملاقة.

لكن الأمر لا يمكن أن يتوقف عند هذا الحد، فالطبقة الحاكمة تترصد بالثورة، وخلال ذلك فهي تستعيد توازنها وتستخدم أبشع أساليب القمع ووسائل الخداع. وفي المقابل، فإن الجماهير بقدر ما تستطيع تنظيم صفوفها (العمال في المصانع، والطلاب في الجامعات، والفلاحين في القرى، والعاطلين والمهمشين في الأحياء)، ستصبح قادرة على إلحاق الهزائم بالطبقة الحاكمة وإحراز نصراً بعد آخر. ولا يمكن استبدال النضال من أجل تنظيم وتوحيد الصفوف على أرض المعارك اليومية، والاكتفاء بإطلاق دعوات للتصعيد على صفحات الويب -حتى برغم راديكاليتها أو أهميتها في اللحظة الراهنة.

المشكلة الحقيقية في دعوات مثل هذه -برغم أنها تأتي بدوافع ثورية جديرة بالاحترام- هي في عزلتها عن الحقل العملي الذي تدعو للتنفيذ فيه (المصانع والشركات والمؤسسات، إلخ) في استعجال يغض الطرف عن شروط المعركة العمالية وضرورات النجاح والانتصار. وهكذا تبدو هذه الدعوات وكأنها مخططات ضيقة يتم إملائها على الملايين ممن يشكلون الطبقة العاملة في مصر. وهذه الملايين يتم اللجوء إليها في أوقات بعينها، بينما هي تناضل طوال الوقت تحت الأرض دون أن تلقى دعماً أو مساندة أو سعياً لتوحيدها والتنسيق بينها عبر القطاعات والمناطق المختلفة أو محاولة تعميم تجاربها وخبراتها، اللهم إلا قليلاً.

النقطة الإيجابية بالطبع هي أن الآلاف، بل وعشرات الآلاف من النشطاء والمناضلين والثوار أصبحوا يدركون يوماً بعد يوم مركزية دور الطبقة العاملة في العملية الثورية. لكن التخوف الأساسي هنا هو أن تؤدي محدودية المشاركة، أو عدم تحقيق النتائج المرجوة، إلى أن يتسلل الإحباط وفقدان الثقة في قدرة الطبقة العاملة على التدخل الحاسم في الصراع.

ما العمل الآن؟

ليس هناك من شك أن الاشتراكيين الثوريين يهدفون إلى إضراب عام تفتح فيها الجماهير الثورية، وفي القلب منهم الطبقة العاملة، كافة جبهات المواجهة الاقتصادية والسياسية ضد السلطة، وتزلزل الأرض من تحت أقدام الجنرالات الحاكمين واللصوص الرأسماليين. والإضراب العام في مصر، نتيجة للأزمة السياسية والاقتصادية الراهنة للطبقة الحاكمة، لن يعني تنازل الطبقة الحاكمة أمام الجماهير بتلبية بعض المطالب هنا أو هناك، بل سيعني مرحلة حاسمة للثورة تنصهر فيها المطالب الاقتصادية والسياسية معاً، وتستطيع خلالها جماهير العمال تنظيم أنفسهم بشكل واضح، ربما لانتزاع السلطة وإعادة تشكيل هذا المجتمع وتسييره مصالح الأغلبية العظمى منه وليس لصالح الأقلية المترفة فيه.

لكن الطريق إلى إضراب عام ليس مستقيماً، بل مليء بالتعرجات التي ترسمها وتحددها التطورات المتلاحقة للحركة العمالية بالإضافة إلى مستوى تطور الوعي والمطالب والتنظيمات القاعدية للعمال، وليس نقاشات الجروبات والصفحات على فيس بوك أو التغريدات على تويتر، مهما كانت حارة وثورية ومخلصة. إلا أنه لا يحق لأحد أن يصادر على أي مبادرة تسعى لدفع الثورة إلى الأمام مهما بلغت انتقاداته؛ فالدعوة ليست حكراً لأحد.

وقد تلقى الدعوة للإضراب العام في 11 فبراير نجاحا نسبيا، في ظل الحنق الجماهيري المتزايد تجاه المجلس العسكري، وبالأخص بعد إعلان العديد من القيادات العمالية في بعض القطاعات (مثل النقل العام ومصانع العاشر من رمضان وغزل المحلة، إلخ)، علاوة على عدد من الاتحادات والحركات الطلابية بالجامعات (جامعات القاهرة وعين شمس والألمانية والأمريكية، إلخ)، تبنيهم للدعوة واعتزامهم المشاركة.

إن الدعوة قد انطلقت وانتشرت بالفعل، وهذه هي المهمة الأسهل. يبقى لنا أن نعمل على تفعليها عملياً ونسعى جاهدين لتوسيع قاعدة المشاركة العمالية فيها لنصرة الثورة. لكن في نفس الوقت علينا أن ندرك جيداً أن 11 فبراير ليس نهاية مطاف الثورة، وإذا لم يحقق الآمال المعقودة عليه، فإنه بالتأكيد سيكون خطوة في هذا الاتجاه. والطريق لا يزال طويلاً ومحاطاً بكم هائل من الاحتمالات وقد يحمل لنا الكثير من المفاجئات التي لن نكون على استعداد لمواجهتها سوى بمزيد من الانغراس داخل نضالات الطبقة العاملة -قاطرة التغيير الاجتماعي الجذري.

اقرأ أيضاً:
بيان مكتب العمال بحركة الاشتراكيين الثوريين
بيان الطلاب الاشتراكيين الثوريين
بيان معيدي الجامعة الألمانية
نقابات النقل والعاشر والصعيد ينضمون إلى الإضراب العام
سلسلة كراسات مبادئ وخبرات ثورية: الإضراب العام