بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

الشباب والهجرة غير الشرعية:

البحر من أمامهم والبطالة من ورائهم

لا يكاد يمر أسبوع إلا وترد إلينا أنباء عن شباب أبحرت بهم قوارب صيد صغيرة إلى عمق البحر، مئات الشباب من قرى بحري ونجوع قبلي رهنوا ممتلكاتهم واستدانوا ليدفعوا إلى سماسرة البشر ثمن نقلهم إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط، حيث الحلم بالحصول على فرصة عمل وطريقة لكسب الرزق. ودائما ما تصل إلينا أنباء هؤلاء الشباب بعد تحطم أحلامهم البسيطة تلك، إما بإلقاء القبض عليهم وإعادتهم قسرا إلى مصر، وذلك في أحسن الأحوال، أو بفاجعة غرقهم في مياه المتوسط وعودتهم إلى مصر داخل نعوش كتبت عليها أسماءهم لتتسلمها أسرهم. وبذلك تنتهي رحلة البحث عن حياة أفضل بمئات المآتم في بيوت مصرية فقيرة، لم يحلم أصحابها يوما بأكثر من تزويج الابن و”تستير” الابنة.

من المؤكد، أن توافد هذه الأخبار المريعة بهذه الصورة يضع نظام مبارك في وضع لا يحسد عليه، فمع كل نبأ ترحيل للمئات من الشباب المصريين سواء من إيطاليا أو تركيا أو مالطا يظهر للعيان فشل سياسة جذب المستثمر في توفير فرص عمل وحياة كريمة لجموع المصريين. ومع كل نعش يصل إلى مطار القاهرة حاملا رفات شاب مصري يضاف دليل إدانة جديد لنظام اتبع منذ عقود مضت سياسة مفادها تسليع البشر.

الهجرة الشرعية هي الحل

لا يمكن فهم مغامرة المئات من شباب قرى تطون وميت ناجي وكوم حمادة وبقية قرى ومدن مصر بالإبحار في جنح الظلام على متن قوارب لا تحتوي على أدنى متطلبات الأمان بمعزل عن سياسات الحكومات المصرية المتتالية في حل مشكلة توافد أيدي عاملة جديدة إلى سوق عمل عاجز عن استيعابهم. فمنذ سبعينات القرن الماضي خرج علينا ممدوح سالم، رئيس وزراء مصر آنذاك، بتصريح يلخص رؤية دولة رأس المال التي تحكمنا للأسلوب الأمثل للتعامل مع العمالة المصرية: “لابد أن يكون هدفنا بالنسبة لتصدير العمالة واضحا كهدفنا بالنسبة لتصدير القطن والأرز وأن نكسر الكلام الخاص بتقييد الهجرة وعدم تصدير البشر”. اليوم، وبعد مرور ثلاثة عقود، لازال شباب مصر يحصد الثمار المرّة لسياسة تسليع البشر التي عبر عنها سالم بوضوح لا يحتمل اللبس، تحت مسمى الهجرة الشرعية. فقد تخلت الدولة المصرية عن دورها في تعيين الحاصلين على مؤهلات متوسطة أو خريجي الجامعات منذ عام 1984 وبدرجة بعيدة استوعبت الرأسماليات الخليجية، أثناء ما أطلق عليه “فورة النفط” التي بدأت بمنتصف السبعينات، الشباب المصري الذي كفت الدولة المصرية يدها تماما ليس عن تعيينهم فقط، بل وعن إيجاد فرص عمل لهم.

فبينما عانت الرأسمالية المصرية، ولازالت تعاني، من أزمة مزمنة أدت إلى عدم قدرتها على استيعاب القادمين الجدد إلى سوق العمل، دخلت الرأسماليات الخليجية بدءا من منتصف السبعينيات بسبب ما أسماه البعض “فورة النفط” في مرحلة طويلة من النمو المذهل تطلبت استيراد “طبقة عاملة” من البلدان العربية وبعض البلدان الآسيوية. بذلك، فقد ارتفع عدد المصريين العاملين بالدول العربية من 700 ألف عام 1975 إلى مليون و50 ألف عام 1980 إلى حوالي المليونين في أغسطس 1990. أما بالنسبة للتقديرات الأحدث، فقد بلغ عدد العاملين في السعودية وحدها حوالي المليون مصري حسب إحصائيات عام 2004. وعلى العكس مما تحاول أبواق النظام تصديره حول المهارات المهنية العالية للمصريين والتي تجعل منهم مطمعا لدول الخليج، فإن إحصائيات تقسيم العمالة المصرية المهاجرة إلى المملكة العربية السعودية لعام 1990 تشير إلى أن الغالبية العظمى، وبالتحديد 76.5%، هم من العمال الفنيين والعاديين والعاملين بقطاعات الزراعة والخدمات وتربية الحيوان.

لكن من المهم أن نشير هنا إلى أن الأرقام المذكورة لا تكشف حقيقة الوضع كاملة. فأعداد العاملين الفعليين في الخليج وتوزيعهم بين المهن المختلفة هي الجزء الطافي من جبل الجليد. فإلى جانب هؤلاء هناك مئات الآلاف ممن يحلمون بفرصة عمل خليجية ويسعون إليها، ولكنهم يفشلون في الحصول عليها. هذا التنافس الرهيب على اقتناص فرصة عمل في بلدان الذهب الأسود كان من أهم أسباب تدهور شروط عمل العمال المصريين المهاجرين. تشير الأرقام مثلا إلى أن عدد الساعين للعمل بدول الخليج ارتفع من 820 ألف عام 1980 إلى مليون و150 ألف عام 1985. هذه الأعداد المهولة هي السبب وراء صعود تجارة البشر المتمثلة في مكاتب تسفير العاملين المصريين، فضلا عن مهربي البشر، الذين أعلنت مباحث الأمن العام والأموال العامة بأواخر الشهر الماضي عن إلقائها القبض على “رأس الأفعى” من بينهم، هؤلاء الذين قرروا أن يتربحوا من أزمة ملايين الكادحين المصريين الذين تلفظهم الرأسمالية المصرية خارج أسواق عملها.

هذا هو السياق الحقيقي لظاهرة “الهجرة غير الشرعية” والتي تودي بحياة العشرات، إن لم يكن المئات، من الشباب المصري. فالرأسماليات الخليجية بدأت تعاني من مشاكل اقتصادية منذ حرب الخليج الثانية (1990-1991) أدت إلى تبنيها لسياسات “الخلجنة”، أي إحلال العمالة الخليجية محل العمالة الأجنبية بإصدار قوانين ملزمة للقطاع العام والخاص على حد سواء بجعل الأولوية في التوظيف لمواطنيها أو بتحديد نسبة للعمالة الأجنبية لا يسمح بتجاوزها، لتحد من البطالة التي بدأت تنتشر لديها. وبذلك، لم يعد الباب مفتوحا كما كان في السابق لاستقدام المهنيين من دول أخرى. ولعل أبلغ قصة تجسد انعكاس هذه الوضعية على شباب مصر هي قصة هروب 11 طالب متفوق من أصل 17 سافروا إلى المدينة الأمريكية نيويورك في برنامج تبادل أكاديمي بين جامعة المنصورة وجامعة مونتانا بمنتصف عام 2006، فبينما عاد ما بعد انتهاء البرنامج ستة طلبة، عرض الباقون أنفسهم لملاحقة جهاز المخابرات الأمريكية – في ظل الوضعية المذرية للعرب ما بعد 11 سبتمبر- على الأغلب لا لشيء سوى لإنقاذ أنفسهم من طوابير البطالة التي أصبحت من طبائع الأمور. فقد زادت نسبة البطالة خلال الأعوام الماضية، حيث وصلت إلى 10% عام 2002، وفي عام 2003 زادت النسبة إلى 10.7%، وزادت في عام 2007 لتصل إلى 11%، هذا فضلا عن سياسات الخصخصة التي تمهد الطريق لانضمام المزيد من العاملين إلى طوابير العاطلين عن العمل.

من العبودية إلى الغرق

منذ أن طفت ظاهرة الهجرة غير الشرعية على السطح، وأبواق النظام يحاولون باستماتة إبعاد الشبهات عنه، باتهام الغرقى بضعف الإيمان مرة، وبالجهل مرة أخرى. تجدر الإشارة هنا إلى حادثة اختناق الشباب المصري المرحل من ليبيا حتى الموت بسبب تكدس العربات في أكتوبر 2004، تلك الحادثة التي تمت تحت سمع وبصر ومسئولية الشرطة المصرية، والتي لم يكن لضعف إيمان الشباب المرحل أو جهلهم أي يد فيها.

وحتى بعد أن تقدم 20 نائبا برلمانيا بطلبات إحاطة ودارت المناقشات حول الظاهرة المفزعة، لم تقدم الحكومة سوى حلين لا ثالث لهما..

الأول، وهو الحل الأمني الذي يتضمن إلقاء القبض على عصابات تهريب البشر وتأمين الحدود البرية والمائية.

أما الثاني، فهو عمل برامج تدريب تؤهل الراغبين في الهجرة للعمل بالدول المستقبلة للعمالة. باختصار، بعد كل الرطان الذي سمعناه عن العلاقة ما بين جذب المستثمرين وعن توفير فرص عمل للشباب، حكومة نظيف لم تزد على عدد الوظائف التي حددت أن عليها توفيرها، وهي 500 ألف وظيفة سنويا.

وفي سياق متصل، لم تطرح حكومة نظيف، التي تدعي امتلاكها للخطة السحرية التي ستنقل مصر إلى مصاف الدول المتقدمة، دفع أي تعويضات لأهالي الغرقى. هذا هو السياق المزري الذي ظهر فيه إعلان ساويرس، تحت عنوان “مصر أولى بأولادها”، الذي يعد بتوفير ألف ومائتي فرصة عمل وجعل الأولوية لأسر الغرقى، في صحيفة ” المصري اليوم” وقبل رأس السنة الميلادي بأيام.

واقع الأمر، أن حكومة نظيف لم تفزع من مغامرة الشباب بأرواحهم في سبيل الحصول على فرصة عمل لأن الدولة المصرية أسست لهذه المعادلة بقوة منذ عقود. فلا يخفى على القائمين على النظام واقع أن دول الخليج كافة تمارس عملية تمييز منظم ضد العمالة الأجنبية الشرعية، وبالتحديد تلك القادمة من دول العالم الثالث، وهي العمالة الأكثر فقرا والأقل حظا من حيث التعليم والمهارة. فبالنظر إلى سكوت الحكومات المصرية المتعاقبة عن أكثر أشكال التمييز فجاجة وهو نظام الكفيل المطبق في بعض دول الخليج، ذلك النظام الذي يتجاوز جميع الأساليب التقليدية في النصب والاستغلال ويقتبس بعض مظاهر العلاقة ما بين السيد والعبد لضمان إخضاع العمال بشكل شبه مطلق، يمكننا أن نستنتج علاقة الحكومة المصرية الحالية بالمهاجرين.

فعادة ما تقوم الرأسمالية الحديثة على حرية العامل في اختيار عمله (بغض النظر عن عدم قدرته على أن يختار ألا يتم استغلاله). لكن نظام الكفيل –وهو الغطاء القانوني للعلاقة مع العامل الأجنبي في بلد مثل السعودية– يحرم العامل من هذا الحق الرأسمالي. فوفقا لنظام الكفيل يصبح العامل مجرد عبد ذليل لكفيله الذي يملك بيع الكفالة لشخص آخر ويملك ترحيل العامل ويملك الاحتفاظ به.

فلم تدافع أي من الحكومات المصرية عن حقوق العمالة المصرية الشرعية، حتى يشعر المواطن الحالم في الحصول على فرصة عمل خارج مصر أنه سيخسر شيئا بلجوئه إلى الهجرة غير الشرعية. فالدولة لم تعر بالا للتمييز المنظم وللتجاهل الفج للقوانين التي تنظم عمل المصريين في الخارج، على الرغم من أنها كانت في فترة مضت مصدرا بالغ الأهمية للعملة الصعبة. إذ انعكس حجم تلك العمالة في ارتفاع أرقام تحويلات المصريين. ففي خلال الفترة من 1974 إلى 1990 تزايدت تحويلات المصريين في الخارج من 116.8 مليون جنيه إلى 9 مليارات و763 مليون جنيه. وبالرغم من تراجعها في المرحلة اللاحقة، إلا أن تحويلات العمالة المصرية في السعودية والكويت بلغت في 1999 حوالي مليار دولار أمريكي (مليون عامل في السعودية و200 ألف عامل في الكويت).

من الجدير بالذكر هنا اكتفاء الدستور بنص وحيد فيما يخص العمالة المصرية المهاجرة شرعيا يكفل “حرية المواطن في مغادرة الوطن!”. هذا التجاهل الرهيب لقطاع ضخم من الشعب المصري يؤكده حرص مبارك، المتواطيء مع رأسمالية الخليج على نهب كادحي مصر، على التأكيد بمناسبة وبدون مناسبة على أن “مصر لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية.” هذا ما يفسر لنا، بشكل جزئي على الأقل، عدم اكتراث الساعين للهجرة غير الشرعية بالحماية التي يفترض أن توفرها سفارات وقنصليات مصر في الخارج، وبالتالي بغطاء الشرعية برمته.

أمام البطالة والفقر وانعدام الفرص لا يصبح أمام الآلاف من الشباب المصري سوى الحلم بفرصة عمل في الخارج تنتشله من الانتظار. حلم يبيع الأهل من أجله الغالي والنفيس. حلم يتحول لكابوس مع عودة الأبناء في نعوش تشهد على جرائم هذا النظام في حق الملايين من المصريين.