بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الدولة واعتصار عمال النقل العام في مصر

يمثل عمال النقال قطاعًا حيويًا وأساسيًا من الطبقة العاملة المصرية نشأ وتوسع مع ظهور تطور الرأسمالية المصرية. وقد لعب هؤلاء العمال أدوارًا حاسمة في تاريخ حركة الطبقة العاملة المصرية بدءًا من إضرابات عمال الترام في ثورة 1919، وحتى قبلها، إلى إضرابات العقود الأخيرة ومن أهمها إضراب عمال النقل في 1976 الذي أحرج نظام السادات وكان واحد من مقدمات عديدة لانتفاضة 1977.

وكما أن الرأسمالية في مجرى تطورها تخلق العمال الصناعيين، حفاري قبورها، فإنها تخلق أيضًا عمال النقل يمثلون جزءًا لا يتجزأ من الطبقة العاملة الصناعية بما يلعبونه من دور أساسي في نقل البضائع والعمال وهو الأمر الذي بدونه لا تكتمل دورة الإنتاج الرأسمالي. ولذلك فقد شهد كل توسع، ولو حتى محدود، للرأسمالية المصرية، توسعًا في أعداد وأدوار عمال النقل: سواء – كما قلنا – عمال نقل البضائع أو عمال نقل الركاب.

وفي الظروف المصرية، فإن الدولة هي صاحب العمل الأول والرئيسي لعمال نقل الركاب، وهم موضوع تحقيقنا الحالي. إذ يعمل لدى الدولة الآلاف والآلاف من هؤلاء العمال: في هيئة السكك الحديدية، في شركات المترو والترام، في مترو الأنفاق، في هيئة النقل العام وشركة أتوبيس القاهرة الكبرى، وفي شركات الأتوبيس بين المحافظات.. الخ. ويتناول تحقيقنا جزء من هؤلاء العمال، وهم أولئك الذي يعملون في هيئة النقل العام وشركة أوتوبيس القاهرة الكبرى – خاصة السائقين والمحصلين. ونحاول فيه أن نبرز تطورات أحوال، وإمكانات نضال، هؤلاء العمال في ظل عصر التحول الكبير من رأسمالية الدولة إلى رأسمالية السوق الحر الذي عشناه ولا زلنا نعيشه في العقود الأخيرة. وقبل الحديث عن الملامح الأساسية لاستغلال عمال النقل العام من بيروقراطية الدولة المستغلة الفاسدة، سنحاول معرفة بعض المعلومات عن تطور هذا القطاع وأهم الظروف التي يعمل فيها عماله.

إنشاء هيئة النقل العام وشركة أتوبيس القاهرة:

قبل إنشاء هيئة النقل العام كانت هناك عدة شركات تقوم بتأدية خدمات نقل الركاب داخل مدينة القاهرة، وهي شركات الالتزام التي كانت تنقل الأفراد داخل المدينة مثل أبو رجيلة والأسيوطي وذلك بالإضافة إلى شركة ترام القاهرة البلجيكية. وظل التنظيم السابق سائدًا حتى إنشاء هيئة النقل العام بالقاهرة عام 1956، وتم وضع شركة ترام القاهرة البلجيكية وشركات الأوتوبيس الأخرى تحت إشرافها. وكانت الهيئة في بدء إنشائها تتبع وزارة الإسكان والمرافق، ثم تغيرت تبعيتها إلى محافظة القاهرة، ثم تبعت القوات المسلحة في 1964، فوزارة النقل في 1965، وأخيرًا صدر القرار الجمهوري في 1971 بنقل تبعية الهيئة إلى محافظة القاهرة.

ويصل عدد العاملين بالهيئة تقريبًا اليوم إلى حوالي 16 ألف عامل أغلبهم من السائقين والمحصلين. وتشرف الهيئة على الأوتوبيس والترام والأوتوبيس النهري.

أما شركة أوتوبيس القاهرة الكبرى فقد تأسست عام 1978، وتم نقل عدد من العاملين بالهيئة إلى الشركة للعمل فيها. وتتكون الشركة من ثلاثة أفرع أساسية هي فرع بورسعيد وفرع حلوان وفرع القطامية، ويعمل بها حوالي ألف سائق، وتقوم بتشغيل حوالي 600 سيارة. وعلى خلاف تبعية الهيئة للمحافظ مباشرة تتبع الشركة المحليات ولا تتبع المحافظ مباشرة.

أوضاع العمال في النقل العام:

يبدأ أجر السائق في هيئة النقل العام اليوم ب 60 جنيهًا، بينما يعين المحصل على أجر أساسي قدره 47 جنيه، ويعتمد الاثنان اعتمادًا كليًا على الحوافز التي تنقسم إلى عدة أنواع أهمهم الحافز الثابت وعائد الإنتاج. فيأخذ المحصل 2،5 % حافز ثابت و1 % عائد إنتاج على الجنيه، بينما يأخذ السائق 2 % حافز ثابت و1 % عائد إنتاج على الجنيه.

ويختلف حساب هذه الحوافز من حيث النسب وفقًا لنوع الخط وقيمة التذكرة. فيختلف الأمر بين التذكرة ذات قيمة الربع جنيه وتلك ذات الخمسين قرش، أو الجنيه. وهذا الأمر الأخير يثير مفارقات عديدة يظلم فيها المحصل والسائق معًا، وخاصة المحصل لاعتماده على الحوافز المربوطة بقيمة إيراد التذاكر.

ففي الخطوط الطوالي (ذات التذاكر المرتفعة القيمة، أي الخمسين قرش والجنيه) القاعدة يحدث دائمًا في هذه الحالات أنه يستحيل عمليًا أن يبيع المحصل إلا عدد من التذاكر الأرخص – 25 قرش – معتمدًا على المسافة، حيث تشتمل المسافة الطويلة على عدة مسافات صغيرة متداخلة، ويرفض الفقراء دفع إلا قيمة العدد الصغير من المحطات التي يركبونها بالفعل. وبذلك يقل دائمًا حافز المحصل والسائق بطريقة غير مباشرة، ولا يستثنى من هذه الحالة إلا بعض الأوتوبيسات ذات التعريفة الموحدة. وتظهر هذه المسألة بوضوح أكثر من شركة أوتوبيس القاهرة الكبرى لوجود هذا النوع من الخطوط بها.

وبالإضافة إلى ما سبق يأخذ السائق عائد أدوار عن قيامه بأدواره كاملة (يختلف عدد الأدوار حسب طول الخط) ويكون هذا العائد في الغالب 3 جنيهات يوميًا. كما يحصل السائق على عائد للصيانة يختلف من سيارة لسيارة حسب حالتها، يتراوح بين الـ 180 قرش يوميًا للسيارة الجديدة إلى 3 جنيهات للسيارة القديمة. وبالطبع غالبًا ما يخصم عائد الأدوار والصيانة بسبب حدوث عطل واحد، وهو الأمر الذي يتفنن فيه فساد الهيئة كما سنرى، أما عائد الأدوار فيخصم كاملاً إذا لم يتم السائق الدور الأخير، وهو الأمر الذي لا توجد سيارة في الهيئة على الإطلاق تستطيع عمله باستمرار أو بكفاءة، باستثناء السيارات الجديدة المكيفة. وبذلك يصل الأمر كثيرًا بالسائقين إلى الحصول على الـ2% فقط الحافز + الأساسي.

وهناك أخيرًا ما يسمى بمقابل تحسين الخدمة حيث يحصل السائق على 70 جنيه شهريًا إذا عمل 16 يومًا متصلين في الشهر، يمكن أن تصل إلى 100 جنيه (وتسمى بدل وجبة البيروقراطية البرجوازية الذي قادها إلى اختراع فكرة العمل 16 يوم متصلين، قادها أيضًا إلى ترصد العمال إذا غابوا بعد يوم قبض الحوافز، حيث تخصم من العامل 20 % من تحسين الخدمة إذا غاب لأي سبب في اليومين التاليين لقبض الحوافز. وغالبًا يكون يوم قبض الحوافز هو 17 في الشهر فلا يستطيع آي عامل بالتالي الغياب في أيام 18، 19 في أي شهر، وإلا خصمت منه هذه النسبة.

وبالنسبة لنظام الراحة الأسبوعية، ترتبط راحة أي عامل – سائق أو محصل – بجدول راحة السيارات حيث هناك راحة أسبوعية لكل سيارة، ولا يأخذ العامل راحته إلا مع سيارته بغض النظر عن أي ظروف. ففي اليوم المحدد لراحة سيارة ما يأخذ العاملين عليها راحتهم الأسبوعية.

أما بالنسبة للأجازات سنجد أن هناك صعوبة حقيقية لعمل أي يوم أجازة، فبالإضافة إلى استحالة الغياب في أيام 18، 19 فأن هناك ذات الاستحالة في أخذ أي أجازة يومي 29، 30 وهم اليومين التاليين للقبض (يوم 28). كما أنه تمنع أي إجازة أيام الأعياد. وفي أوائل شهر أغسطس الحالي صدر قرار في جراج القطاعية، على سبيل المثال، بمنع أخذ أية أجازة من يوم 1 إلى يوم 10 في الشهر، وأصبح أي عامل لا يستطيع أن يأخذ أجازة إلا في أسبوع واحد من الشهر هو الذي يبدأ من يوم 10 إلى يوم 17.

وتعمل كل من الهيئة والشركة في ظل ورديات، تكفل أن يكون العمل مستمرًا 20 ساعة يوميًا تقريبًا. والمفترض أن يعمل كل من السائق والمحصل ثمان ساعات فعلية، ولكن أحيانًا كثيرة تصل عدد ساعات عملهم إلى عشر أو أحدى عشر ساعة. كما أنه من المفترض أن يأخذوا 25 % زيادة على الإضافي، ولكن في أحيان كثيرة يشكو السائقين من أن الإضافي لا يتم حسابه بالرغم من ساعات زائدة.

ووصل التعسف في القطاعية إلى الاستفزاز. فبعد قرار منع الأجازات خلال أيام العشرة الأولى من الشهر، صدر قرار غريب لا يدل سوى على الاستهانة بظروف هؤلاء العمال ومن أجل توفير عدد الأوتوبيسات التي تعود بالعمال الذين يسكنون في مناطق بعيدة إلى منازلهم. ومفاد هذا القرار أنه تم تأجيل عودة أوتوبيس الدورة الذي يعود بالعمال إلى منازلهم في المساء ليكون بدلاً من الساعة الواحدة والنصف مساء على الثانية والنصف مساء. ويعنى هذا القرار بالنسبة للذين يقطنون في الريف أنه مهما كان الوقت الذي أنهى فيه العامل عمله مساء، فأن عليه أن ينتظر من الساعة الثانية عشر مثلا ً إلى الثانية والنصف في الجراج – لحين قيام أوتوبيس توصيل العاملين.

وقد قاد هذا القرار الاستفزازي العمال إلى القيام بنضال احتجاجي. وذهب إليهم رئيس قطاع الحركة بالهيئة، وعندما قام العمال بالشكوى له قائلين: “أنه يستحيل علينا عمليًا الذهاب في هذا الوقت والعودة اليوم التالي”. رد عليهم باستفزاز قائلاً: “اللي مش عجبه يسيبها”، فقام العمال بضربه بالطوب، واستمر الأمر حتى جاء المحافظ القاهرة ونبيل المازني رئيس الهيئة، وانتهى بمجرد وعود في الساعة الرابعة مساء.

ويمكننا أن نرصد ملاحظات شبيهة، أو حتى أسوأ، في شركة القاهرة الكبرى التي تعاني من خسائر تريد تحميلها للعمال. وهناك قول شهير بين العاملين بالشركة نقل عن لسان حلمي أبو زيان رئيس قطاع الحركة بالشركة هو: “أنهم قالوا لي أجي الشركة دي عشان أصفي 75 % من عمالها”، وهو الأمر الذي يؤكد منطق رأسمالية الدولة والبيروقراطية البرجوازية الذي يعرف أن تسريح العمال بدون سبب، وهو ما يحدث في الآونة الأخيرة، يوفر الكثير للشركة من تكاليف المعاش المبكر. فمكافأة نهاية الخدمة للعامل الذي يخدم الهيئة 40 سنة هي 3000 جنيه فقط، بالإضافة إلى أربعة ألاف جنيه أخرى من صندوق التكافل الاجتماعي الذي يدفع فيه العمال اشتراك شهري!!

ومن أسوأ ما يواجهه العمال هو مخلفات الطريق التي يدفعها السائقين عند تجديد الرخصة ولا تساهم فيها هيئة النقل العام، أو (الشركة) على الإطلاق برغم دور الحالة السيئة لأوتوبيسات الهيئة في وقوع بعض حوادث الطرق. ذلك إضافة إلى تأخر محاميو الهيئة في الدفاع عن عمالها، وفي الغالب ما يترك هؤلاء ساعات طويلة بالحجز في أقسام الشرطة – وعندما يأتس المحامون يركزون كل دفاعهم على الهيئة لا العامل. كما تعد المعاملة المهنية التي يواجهونها من رجال الشرطة أحد أهم المشاكل الأساسية التي تواجه سائقو الهيئة.

وحالة العلاج بمستشفى الهيئة من أسوأ ما يكون ولا ويوجد ما يسمى بالعلاج الأسرى. إذ تستغل الهيئة العمال ولا تصرف لهم مكافأة الإنتاج الواجب صرفها أ ثناء إصابة العمل بمتوسط حساب آخر ثلاثة شهور. كما أكد العديد من العمال أن الهيئة لا تدفع التأمينات الاجتماعية لهم. ومنذ شهور وبعد اكتشاف عدد كبير من العمال أن الهيئة لا تقوم بدفع التأمينات، وقيام بعضهم بالمطالبة بحقهم في التأمينات، تم تقلهم للعمل في مناطق بعيدة جدًا عن منازلهم، ووزع منشور بجميع المحطات والجراجات يقول بأن موضوع التأمينات إشاعة مغرضة وغير صحيحة.
أن عن العلاوات الدورية فهي تقتصر على النسب البخسة الآتية: جنيه ونصف زيادة سنوية للمستوى الخامس بالدولة – المحصل -، وأثنين جنيه للمستوى الرابع – السائق -، وأربعة جنيهات للمستوى الثالث، وخمسة جنيهات للمستوى الثاني!!

الملامح الأساسية لاستغلال عمال النقل العام في مصر: الملمح الأول: الفساد في رأسمالية الدولة والأزمة يعنى المزيد من الاعتصار:

الأمر الذي لا شك فيه هو أن استغلال عمال الهيئة أصبح مضاعفًا، حتى أكثر مما لو عملوا لصالح رأسمالي عادي، والسبب هو أولاً أزمة القطاع العام، بالذات مع تغير سياسات الدولة، وثانيًا حجم الفساد في كل من الشركة والهيئة، وهو الأمر الذي له تأثيرات ضخمة مباشرة وغير مباشرة على حالة وأجور العمال ومستوى صيانة السيارات…. الخ. وعلى سبيل المثال فهناك أمر معروف يتحدث عنه سائقو المينى باص حول كارثة سيارات شركة النصر التي اشترتها الهيئة العام الماضي بمبلغ 375 ألف جنيه للسيارة. هذه الدفعة بما أكثر من 22 عيب. وكانت الدفعة السابقة التي اشترتها الهيئة عام 1990 بها 22 عيب أيضًا، أما سيارات المني باص الأسبانية التي اشترتها الهيئة في أوائل الثمانينات فكان ثمنها فقط 25 ألف جنيه وتعمل بكفاءة حتى الآن.

ويصرخ العديد من السائقين عن حجم الكوارث التي تتسبب فيها هذه السيارات، وعن حجم الكوارث التي تتسبب فيها هذه السيارات، وعن حجم الخصومات التي تتسبب فيها الأعطال التي تسببت فيها السيارات أصلاً، فيفقد السائق عند تعطيل السيارة كل من حوافز عائد الأدوار ومقابل صيانة السيارة، وهي الأمور التي يعتمد عليها اعتماد كلي.

كما تعد مشكلة الاشتراكات من أهم المشاكل التي يعاني منها سائقو الميني باص والتي ترتبط بالفساد. ويؤكد سائقو الميني باص أن نظام الاشتراكات كارثة عليهم. فكيف في ظل العدد المحدود من الركاب في الميني باص (22 راكب) واعتماد العمال على عائد الإنتاج، أن يحرموا من نسبتهم عن الاشتراكات التي تذهب كاملة للهيئة؟

وبالإضافة إلى الميني باص ينطبق هذا الأمر على أوتوبيسات الهيئة أيضًا التي تنعدم فيها الصيانة. فلا توجد قطعة غيار واحدة منذ أكثر من عشر سنوات، وكل الصيانة في هذه الفترة تقتصر على إحلال وتبديل قطع الغيار من سيارة لسيارة.

وقد أخترع الفساد طرقًا بيروقراطية تعرف جيدًا كيف تستغل العمال، وابتكر وسائل معقدة لخصم الحوافز من السائقين، تنتهي بألا يفلت العمال من الخصم إلا في حالات قليلة هي الأعطال التي لا يستطاع إصلاحها – وهندسة الجراجات تحدد كل شيء!! – أو الأعطال التي لا يستطاع أن يصل بها إلى الجراج للإصلاح، أو التي تفاجئه صباحًا.

وفي تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات – أحد أجهزة الدولة – ذكرت أوجه عديدة للفساد في هيئة النقل. يكشف التقرير أن حسابات الهيئة تفرض، وهميًا، أن العمال يعملون حوالي 43 ساعة يوميًا. ويكشف عن قطع غيار موجودة في الفراغ صنعت من مواد ولسيارات في الفراغ.

والمثال الصارخ أيضًا في هذا السياق هو إجبار السائقين على التحرك بسيارات بها أعطال أو حتى سليمة في دور وحيد من الجراج إلى نهاية الخط المحدد، وذلك لإثبات حركة الخط. والسبب الخفي لذلك هو أن مجرد خروج السيارة من الجراج يحسب له حوافز تبدأ من رئيس الشركة والهيئة مرورًا بمدير الفرع حتى ملاحظ الجراج. أما السائق فلا يحصل تقريبًا على شيء لأنه لا تذاكر بيعت ولا أدوار فعلاً. ولكنه مجبر على ذلك لخوفه من أن يكتب فيه تقريبًا بالمخالفة وهو الأمر الذي يعني خصم ما تبقى من أجره.

الملمح الثاني: خلق حالة عداء بين عمال النقل والجمهور (لتفتيت التضامن بين الفقراء)

الخصومات الهامة هنا لقطاع العاملين بالنقل العام هو أنه من قطاعات الطبقة العاملة التي تعمل في مواجهة مباشرة مع الجمهور. ولأن الدولة البرجوازية تعرف جيدًا أهمية هذا الأمر فأن إعلامها القذر لا يبخل في اصطناع حالة من العداء بين عمال النقل وجمهور المواطنين. فمجد تلال التحقيقات الصحفية التي تتحدث عن ضحايا أوتوبيسات النقل، وأن هذه الأوتوبيسات قتلت خلال الشهرين الماضيين فقط شخصين، وأصابت 84 شخص. وفي كل هذه الموضوعات لا نجد ملمح لأي حديث عن دور الهيئة في هذه الأخطاء، فالسائقين المستهترين هم فقط المسئولون!! ولا يخلو الأمر من أن تذكر التحقيقات الصحفية أن السائقين “قليلي الذوق” يحاولون تجاوز السيارات الأخرى معتمدين على حجم سياراتهم الكبير المخيف. كما أن مفيد فوزي لا يقصر في أن يتحدث عن المحرومين متعاطي “البانجو” واستهانتهم بحياة الركاب، ويعطي الفرصة لرئيس الهيئة أن يقول ذات الاتهامات. وكل هذه في الحقيقة أكاذيب تخفي الحقيقة الجوهرية، وهي أن سياط وربط الأجر المتغير باستكمال الدورات، يؤدوا إلى تزايد سرعة السائقين مضطرين باستخدام أتوبيسات متهالكة. أي أن الحقيقة هي أن النظام الاستغلال هو السبب في سوء الخدمة وليس السائقين.

الملمح الثالث: خلق تنافس مستمر بين العمال لمزيد من اعتصارهم:

وفي هيئة النقل العام لا تتخلى الرأسمالية عن أحد مناهجها التاريخية التي اخترعتها لتفتيت أي إمكانية للتضامن بين العمال وللمزيد من اعتصارهم. يتمثل هذا المنهج في خلق تنافس بين العمال من خلال بعض الميزات التي تحصل عليها شريحة دون أخرى، أو خلق مواجهة مستمرة بين شريحة وأخرى.

ونلمح ذلك بوضوح مثلاً بين العمال الأقدم – وخاصة المفتشين والذين غالبًا ما يكونوا سائقين أو محصلين سابقين – والأحدث والذين لا زالوا محصلين أو سائقين. فبينما يعتمد الأقدم على الأجور الثابتة (الأساسي)، الذي يكون أكبر من أساسي السائقين، يعتمد الأحدث على عدد الدورات التي يقوم بها الأوتوبيس وعدد التذاكر المباعة، وذلك للبخس الشديد للمرتب الأساسي.

وتستفيد الهيئة من صنع مواجهة دائمة بين كل من: المفتش والمحصل، الملاحظ والسائق. بل ويصل الأمر إلى أن تكون حوافز النشاط للمفتشين متوقفة على تقارير المخالفات التي يقومون بعملها للمحصلين، والمفتش الذي لا يكتب مخالفات للمحصلين تخصم منه مخالفات النشاط!!

وتسلك الهيئة الطريق ذاته للتفرقة بين المحصل والسائق، حيث يعتبر السائق فنيًا يتم تعيينه على المستوى الرابع على كادر الدولة، ويعتبر المحصل إداري يتعين على كادر الدولة في المستوى الخامس. ويواجه الاثنان اللذان يعملان في نفس الظروف تمييز كبير – بالنسبة للقروش التي يحصلون عليها – فيما يتعلق بالحوافز التي تعتمد حياتهم عليها اعتماد كلي. فيأخذ المحصل 2،5 % على كل جنيه تذاكر مبيعة كحافز ثابت و 1،5 % على كل جنيه كعائد إنتاج، فيصبح المجموع 4 % من كل جنيه، بينما يحصل السائق على 3 % فقط على كل جنيه مضافًا إليهم 3 جنيهات يوميًا كعائد يسمى عائد أدوار على قيامه بالرحلات – الأدوار – اليومية كاملة.

ويظهر التنافس في أن الأكبر أهمية للسائق هو عمل الأدوار كاملة – حوافزه التي تتوقف حياته عليها -، في حين أن حياة المحصل تعتمد على عدد التذاكر المبيعة، وهو الأمر الذي يعتمد على الوقوف في المحطات كثيرًا. واختلاف المعاملة هذا يصنع صراع يغذيه النظام الرأسمالي للأجور بين المحصلين والسائقين بموجبه تستفيد الهيئة جيدًا من استغلال الاثنين معًا.

ويظهر ذات الأمر بوضوح في الفرق بين شركة أوتوبيس القاهرة الكبرى وهيئة النقل العام. حيث تعتبر الأولى بين شركة تدخل في إطار العاملين بالقطاع العام. ويحاسب العاملين بها وقف القانون 48 لسنة 1978 وهو الخاص بالعاملين بالقطاع العام، أما الهيئة فتخضع للقانون 47 لسنة 1978 الخاص بالعاملين بالدولة، حيث توجد بعض الفروق في التعامل في هذين القانونين.

وعلى سبيل المثال فقط فأن هناك قرار أصدره رئيس الوزراء في يناير 1999 والخاص برفع الأجور الأساسية لقدامى العاملين بالدولة. والمسمى بقرار الرسوب الوظيفي. والهدف من القرار كما أعلن هو رفع أجر المعينين حديثًا. ورغم نفس الظروف، فإن هذا القرار تم تطبيقه على جميع العاملين بالدولة بما في ذلك هيئة النقل العام ولم يتم تطبيقه في شركة أوتوبيس القاهرة الكبرى.

نقابة النقل العام نموذج مثالي للنقابة الصفراء

نقابة هيئة النقل العام جزء من النقابة العامة للنقل البري، وتتكون من لجان نقابية أربع هي نقابة وسط وغرب النيل (والتي تضم منطقة شمال الجيزة وجنوب الجيزة) ونقابة شمال القاهرة (والتي تضم المظلات والسواح والترعة والأوتوبيس النهري) ونقابة الترام (الجر الكهربائي)، ونقابة مترو مصر الجديدة. وككل النقابات الاشتراكات إجبارية بالنسبة للسائقين، واختيارية للمحصلين والميكانيكية والموظفين الذين غالبًا ما يشتركون أيضًا. والاشتراك الشهري 180 قرش يذهب منها جنيه ينقسم على النقابة العامة والاتحاد العام واللجنة النقابية وصندوق الطوارئ. أما الثمانين قرش فتذهب لصندوق الزمالة.

وتضم نقابة هيئة النقل العام 15 عضو في مجلس إدارتها، وهناك 16 ألف عام مشتركين فيها، بالإضافة إلى 3000 غير مشتركين، ويتركز هؤلاء في المهن الأساسية: السائقين، والمحصلين، والميكانيكية. أما شركة القاهرة الكبرى فهي كشركة قطاع عام، لديها نقابة بالإضافة إلى انتخاب عمال في مجلس إدارتها.

والأمر الذي يجمع عليه كل من العمال بالهيئة والشركة غياب أي دور للنقابة وكل دور النقابة يقتصر على تقديم ضمان للسائق حتى يستطيع تجديد رخصة القيادة، وبالطبع فإن تجديد رخصته يكون على نفقته الخاص، وكل المخالفات تكون على نفقته الخاصة أيضًا.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن كل ما تقدمه النقابة بخلاف خطاب الضمان للسائقين!!، هو تقديم بعض الإعانات من صندوق النقابة وصندوق الزمالة. فيخرج صندوق النقابة “400 جنيه” لأهل العضو المتوفى، و50 جنيه في حالة وفاة الأمر أو الأب، و100 جنيه في حالة وفاة الزوجة. والنقابة بالطبع تحترم القانون 112 لسنة 1996 بإنشاء صندوق الطوارئ، والذي يصرف منه على العمال الموقوفين، وعلى العمال المضربين، وذلك في الدولة التي تقمع وتمنع الإضراب وفي الحقيقة أن النقابة لا تقود حركة عمال النقل العام وإنما تواجهها أو على الأقل لا تعبأ بها. ويشهد بذلك كون إضرابات النقل العام عفوية دائمًا وبلا تنظيم نقابي!!

ضم السرفيس للهيئة لا يعني إلا المزيد من الاستغلال

إن فكرة ضم سيارات السرفيس إلى هيئة النقل العام لا يمكن أن تعني سوى مزيد من الفساد والاستغلال، بل وربما تعني امتداد الاستغلال لهؤلاء المالكين الصغار ليخضعوا لشروط العمل والتنافس مع عمال الهيئة. وذلك برغم شلال الحجج التي قبلت في تبرير هذا القرار، كالقول بأن الهدف هو وضع حد للمخالفات الكثيرة التي تقع من سائقو السرفيس وانضباط الشارع، وأن هناك تراخيص لحوالي 30 ألف سيارة أجرة – سرفيس – في حين أن مشروع المحافظة السابق للسرفيس حوالي 3 ألاف فقط، وهو ما يعني غياب الرقابة. وبموجب هذا القرار سوف تخضع سيارات السرفيس للعديد من القواعد مثل تغير لوحاتها والتزامها بخطوط معينة. ويشير نائب رئيس النقابة العامة للنقل البري التي تدخل في إطارها كل من نقابة النقل العام ونقابة شركة أوتوبيس القاهرة الكبرى وتضم السائقين الأفراد إلى أن هذا الأمر يدخل في أطار مشروع متكامل بدأ بوقف الترخيص لمزيد من سيارات السرفيس، وبتدعيم الميني باص وبفتح باب لشركات نقل خاصة تأخذ خطوط أدنى 100 سيارة لكل شركة.

ويؤكد عدة سائقين في الهيئة أن هناك 10% من مقابل الكارتة التي تحصل من السرفيس كانت تذهب لصالح اللجنة النقابية – بالنقابة العامة للنقل البري – سوف تكون 20 % وتذهب لهيئة النقل العام. ويشرح قرار المحافظ المهندس نبيل المازني رئيس الهيئة أنه لن تصبح الكارتة مرتبطة بالرخصة، وسيتم تجديد الكارتة وفقًا لرغبة صاحب السيارة فيحصل على طابع يلصق على التصريح ويتم تجديده كل شهر أو أثنين أو ثلاثة، ولن تعمل السيارة إلا بعد تجديد الطباع وإلا يسحب التصريح، وسيتم تحديد مواقف وخطوط سير.

الأمر المهم هو مستقبل هذا القرار ومجال تنفيذه في المستقبل، وهو الذي يعنى امتداد بيروقراطية المحافظة وبيروقراطية رأسمالية الدولة في المحافظة لابتزاز واستغلال هؤلاء الملاك الصغار – والذين في غالب الأحيان لم يتملكوا سياراتهم بعد بسبب استتراف الرأسمالية لهم عبر الأقساط البنكية!!.

الثوريون والتفاعل مع عمال النقل العام

إذا كانت الثوريون يفكرون اليوم في التفاعل مع عمال النقل العام، فإن عليهم أن يدركوا خصوصية هذا القطاع من الطبقة العاملة، وخصوصية ملامح استغلالهم، التي تضعهم في مواجهة مصطنعة مع الجمهور، كما تخلق حالة من التنافس بينهم وبين أقرانهم. غير أن نقطة الأساس التي ينبغي أن يضعها الثوريون في اعتبارهم هي الربط بين هذا وذاك عن طريق كشف العدو الحقيقي للجميع وهو البرجوازية البيروقراطية التي تعتصرهم وتستغلهم، أكثر من أي رأسمالية فرد بالنظر إلى حجم الفساد فيها.

كما لا يجب أن ينسى الثوريون تاريخ هذا القطاع، وهو الذي كان قطاع عمالي رائد في العشرينات والثلاثينات، تلك السنوات التي لم يكن أي شهر فيها يخلو من اجتماع عام للسائقين بالجمهورية، أو في القاهرة، أو ترام الإسكندرية. حيوية هذا القطاع قد تأثرت بتطورات الرأسمالية ودخول الدولة للسيطرة عليه في إطار رأسمالية الدولة في الستينات، حتى وصل الأمر إلى شراسة ووحشية الرأسمالية في الثمانينات والتسعينات. كما نجحت الدولة في تدجين نقابة هذا القطاع كنقابات أخرى عديدة للعمال.

وبرغم الخوف في صفوف العمال، وبرغم التراجع النسبي المستمر، فإن هناك بعض الومضات من التضامن والمد الثوري في صفوف عمال النقل العام، مثل الإضراب الهام الذي قام به عمال هيئة النقل العام في جراج إمبابة في اليوم التالي لإعلان نتيجة استفتاء المدة الرئاسية الثانية للرئيس السادات عام 1976، وإضراب سائقي أوتوبيس كل من الهيئة وشركة أوتوبيس القاهرة بشبرا الخيمة يوم 14 يناير 1997، وتجمهر عمال جراج القطامية أو أغسطس 1999.. وغيرها من الإضرابات التي كثيرًا ما تكون في المرحلة الأخيرة ضد تعسف الشرطة.

ومن أهم الأمور التي يمكن أن نستنتجها هو احتمال وجود العديد من الانفجارات بين المحصلين بسبب التجاهل والتسويف المستمر لمطالبهم بمساواة عوائدهم مع السائقين. كما يعد من أهم المطالب والشكاوي في صدور هؤلاء وخاصة السائقين هو تحسين المعاملة البشعة التي يواجهونها من قبل ضباط الشرطة والمرور يوميًا، إضافة إلى مطلبهم الخاصة بمشاركة الهيئة أو تحملها لمخالفات المرور التي يدفعونها بالكامل من عرقهم في خدمة الهيئة، وموضوع ابتلاع الدولة بالكامل للاشتراكات بالنسبة لسائقي الميني باص – ذات عدد الركاب المحدود!! كما يمثل مطلب تحسين أوضاعهم بعمل كادر خاص لهؤلاء من أهم المطالب التي يطالب بها الجميع.

غير أن الأمر الأساسي الذي يجب أن يتسلح به الثوريون هو استعدادهم الدائم للاشتباك في المعارك المتوقعة حول هذه الأمور وغيرها، بخلق الصلات أولاً مع هذا القطاع. وفي هذا الطريق الطويل يقع عليهم واجب فضح طبيعة فساد القطاع العام الذي يستغلهم بحجة خدمة الجماهير، وفضح المواجهة الكاذبة بينهم وبين الجماهير، وفضح التنافس بين عمال النقل العام وبعضهم البعض.