بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحركة العمالية المصرية عند مفترق الطرق.. (الجزء الثالث)

مقدمة:
تواجه الطبقة العاملة المصرية اليوم هجومًا برجوازيًا شرسًا يستهدف تعظيم ربحية الاقتصاد المصري على حساب لقمة عيش الملايين. وما يحدث في مصر في هذا المجال ليس فريدًا على الإطلاق. فالأزمة المتفاقمة للرأسمالية العالمية تدفع البرجوازيات للتوحش واعتصار اللحم الحي في كل بقعة من عالمنا. أما الفريد حقًا في الحالة المصرية فهو ذلك النجاح “الباهر” للبرجوازية ودولتها في تجريد الطبقة العاملة من أسلحة النضال النقابي والسياسي.

فكيف السبيل إلى حركة عمالية منظمة وقوية تملك أدوات نضالها وتعيد طرح مشروع الطبقة العاملة على جدول أعمال المجتمع والسياسة في مصر؟

نحو حركة عمالية مستقلة:
من حزب الوفد يمينًا إلى فصائل أقصى اليسار الصغيرة، يكاد الجميع يجمع على شعار “استقلالية الحركة العمالية”! الذي ينبغي أن يميز الموقف الثوري إذن ليس رفع شعار الاستقلالية وإنما تقديم تصور نضالي لمضمون هذه الاستقلالية وكيفية النضال من أجل تحقيقها.

عقدت دار الخدمات النقابية بحلوان مؤخرًا دورة لأعداد القادة العماليين ألقي خلالها صابر بركات – النقابي البارز بشركة الدلتا للصلب – محاضرة حول “استقلالية النقابات” عدد خلالها صور الاعتداء على استقلالية النقابات العمالية في مصر، ثم راح يقدم رؤيته لتحقيق هذه الاستقلالية. وتنطلق رؤية صابر بركات من أن استقلالية النقابات صارت “أحد شواغل المجتمع الدولي نتيجة خبرة العمل في نقابات العمال” وأن المجتمع الدولي قد أقر بهذه الاستقلالية في العديد من الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر والتي صار لها بالتالي، وفقًا للدستور المصري، أولوية على القوانين المصرية ذاتها.

إن هذه الرؤية القانونية الدستورية تتضمن ثلاثة أوجه قصور خطيرة على الأقل. أولاً، تتحول معركة النقابات المستقلة وفقًا لهذه الرؤية من معركة سياسية طبقية إلى “معركة” قانونية يلعب فيها الدور الأساسي النقابيون “المستنيرون” (من أمثال صابر بركات نفسه) والمحامون وليس جماهير العمال، وهي “معركة” تتمثل أهم “أسلحتها” في كتابة المذكرات وإصدار التوصيات ورفع القضايا. وثانيًا، فإن المعركة لا تتحول فقط وفقًا لهذه الرؤية لمعركة قانونية، بل لمعركة قانونية خاسرة في الأغلب، ذلك أن القوانين الدولية التي يعتز بها صابر بركات ليست ديمقراطية كما يحاول أن يصورها، فهي دائمًا ما تقيد الحقوق والحريات التي تمنحها بعبارات فضفاضة مثل “الأمن الوطني” و”النظام العام” كما تجعل ممارسة هذه الحقوق والحريات خاضعة دائمًا لما تنص عليه قوانين الدولة المعنية. وعلى سبيل المثال، فإن المادة (8) من “العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية” الصادر عن الأمم المتحدة التي تنص على “حق النقابات في العمل بحرية” تعود فتؤكد في نفس الجملة على تقييد هذه الحرية بما “ينص عليه في القانون مما يكون ضروريًا في مجتمع ديمقراطي لصالح الأمن الوطني أو النظام العام أو من أجل حماية الآخرين وحرياتهم”. كما أن الحق في الإضراب وفقًا للمادة نفسها يجب “أن يمارس طبقًا لقوانين القطر المختص”.

وربما يكون من المناسب هنا أن نذكر صابر بركات بالمقولة التي يرددها دائمًا المناضل العمالي طه سعد عثمان: “القانون مثل خيط العنكبوت، يخترقه الأقوياء ويقع في حبائله الضعفاء”. فالقوانين المصرية قمعية واستبدادية بالطبع، إلا أن النضال ضدها يكون بقوة الجماهير وليس بالتشدق بالقوانين الدولية التي ليست أفضل كثيرًا من نظيرتها المصرية.

ثالثًا وأخيرًا، ينبغي ألا يغيب عن الذهن أبدًا أ، “المجتمع الدولي” الذي يتشدق به صابر بركات ليس سوى وصفًا مهذبًا للامبريالية التي تكن للطبقة العاملة والجماهير الفقيرة في العالم أجمع أقصى درجات العداء، وهذه الامبريالية تكون “ديمقراطية” فقط عندما لا تتعارض “الديمقراطية مع مصالحها في الاستغلال والقهر.

ولا عجب أن تصدر هذه الرؤية القانونية عمن صاروا ينظرون للعمال من أعلى ويستمدون قوتهم من الشرعية الدولية لا من الجماهير، ويتحسسون خطاهم حرصًا على شرعية مراكزهم الهشة في ظل استبداد سياسي متزايد. وبالطبع فإن كثيرين من بين هؤلاء ليسوا منسجمين مع الانتهازية على المستوى الشخصي، إلا أن تخبطهم السياسي وعجزهم عن الصمود إزاء إفلاس اليسار والجزر في مستوى الصراع الطبقي قد دفعهم للدوران في فلك التيار الانتهازي في الحركة.

أما بالنسبة لليسار الثوري، فإن معركة النقابات المستقلة هي معركة القاعدة العمالية، معركة يتم خوضها من أسفل لا من أعلى، من الورش والعنابر وأماكن العمل لا من مكاتب المحامين والمراكز النقابية النخبوية وساحات القضاء. فإمكانية بناء نقابات مستقلة توجد في الحركة الاحتجاجية لجماهير العمال أنفسهم، فهم وحدهم الذين يستطيعون من خلال الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات أ، يشكلوا اللجان القاعدية الديمقراطية التي تنسق حركتهم والتي يمكن أن تشكل نواة لمنظمات نقابية ديمقراطية تلفظ التنظيم النقابي الأصفر البوليسي الجاثم فوق صدور العمال اليوم.

كما أن هذه المعركة طبقية سياسية بامتياز، وليست نقابية بالمعنى الضيق للكلمة. فالنقابات البديلة التي يمكن أن تنشأ في مصر لا تملك ترف أن تشغل نفسها فقط بالمفاوضة الجماعية مع صاحب العمل لتحسين ظروف وشروط العمل، بل ستجد نفسها على الفور في مواجهة عنيفة مع نظام بوليسي، وهي مواجهة لا يمكن للعمال الصمود والانتصار فيها إذا لم يسيسوا حركتهم. ستجد هذه النقابات مثلاً أن السبيل الوحيد لمنع التنكيل بنشطائها والزج بهم في السجون ومنع قوات الأمن من اقتحام المصانع وأماكن العمل كعادتها لفض الاعتصامات والإضرابات، هو توسيع نطاق المواجهة من خلال الإضرابات التضامنية والمظاهرات الجماهيرية التي تعين أن يعقد العمال خلالها تحالفات طبقية مع عامة الفقراء تحميهم من العزلة والتنكيل. وبالطبع ستطرح قضية الديمقراطية والحريات السياسية نفسها بإلحاح على هذه النقابات حيث ستجد نفسها في مواجهة عدو شرس مدجج بالسلاح كلما طرحت مطالبها في ومواجهة عدو شرس مدجج بالسلاح كلما طرحت مطالبها الاقتصادية على صاحب العمل (سواء كان رأسماليًا فردًا أو شركة كبرى أو قطاع عام).

وسيجد العمال كذلك أن الانطلاق بحركتهم للأمام يقتضي الرفض الصريح لمنطق السوق الذي يحاول عدوهم الطبقي فرضه عليهم، أي رفض المزيد من الاعتصار والتشريد والتجويع انطلاقًا من قوانين العرض والطلب المقدسة وضرورات الربح الخاصة بالبرجوازية المصرية. كما أن الانطلاق للأمام يتطلب أيضًا تجاوز ذلك الشعار التعس: “الدفاع عن القطاع العام”. فالحركة العمالية الجديدة – المستقلة حقًا- يجب أن تنطلق من رفض رأسمالية الدولة ورأسمالية السوق معًا، وأن تنطلق من الدفاع عن مصالح العمال في القطاعين العام والخاص والدفاع عن عامة الفقراء في المجتمع أيضًا. هكذا فقط تكون الحركة العمالية مستقلة من العدو الطبقي ومعبرة عن جماهير العمال.

آفاق الصراع الطبقي في مصر:
لا يمكن لهذا السيناريو الذي أوجزنا أبرز معالمه أن يتحقق على أرض الواقع إلا إذا توفر شرطان أساسيان: ارتفاع كيفي في مستوى الصراع الطبقي في مصر، ووجود طليعة داخل صفوف الطبقة العاملة تتوفر لديها الرؤية والهمة اللازمتين لاستثمار المد في الصراع الطبقي في دفع الحركة العمالية للأمام.

فيما يتعلق بمستوى الصراع الطبقي في مصر، تشير خبرة السنوات الأربعين الممتدة من أوائل الخمسينات إلى أوائل التسعينات إلى نمط يسهل التعرف على السمة البارزة له. ففترات المد في الصراع الطبقي هي بشكل عام فترات تأزم الرأسمالية المصرية ومحاولة تجاوز أزمتها على حساب الجماهير: ينطبق ذلك على فترة 68-1977 وفترة 84-1989. أما فترات الجزر فهي تتزامن بشكل عام أيضًا مع انتعاش الرأسمالية المصرية وزيادة مرونتها النسبية وقدرتها على رفع مستوى معيشة العمال والفقراء عمومًا سواء اقترن ذلك بإصلاحات اجتماعية مهمة (مثل فترة 65-1965) أو لمن يقترن بمثل تلك الإصلاحات (1977-1984).

إلا أن هذا النمط العام لا ينطبق على السنوات الخمس الأخيرة. فعلى الرغم من تطبيق برنامج الإصلاحات الاقتصادي بآثاره السلبية على مستوى المعيشة التي ناقشتاها في الجزء السابق من هذا المقال، فإن ذلك قد تزامن مع التراجع الواضح في الحركة العمالية (رغم عدم توفر إحصاءات دقيقة) سواء على مستوى حجم الاحتجاجات العمالية أو فرصها من النجاح أو عدد المواجهات الكبرى بين العمال والدولة (حيث لم تشهد هذه السنوات من الإضرابات الكبرى سوى ملحمة كفر الدوار التي يتناولها باب “من ذاكرة الطبقة” في هذا العدد).

ويشير ذلك إلى نتيجة مهمة وهي أن تفاقم البؤس والاستغلال لا يؤدي بالضرورة وعلى المدى القصير إلى زيادة المقاومة بل قد يؤدي إلى العكس تمامًا. فمن الممكن أن تجد الجماهير نفسها مستنزفة إلى أقصى حد فقط في النضال من أجل استمرار الحياة وتلبية الحاجات الضرورية للبقاء البيولوجي بدرجة من قدرتها على مقارنة سياسية الإفقار. كما أن تفاقم البؤس يكمن أن ينعكس في تزايد الإحباط واليأس وليس المقاومة. ويبدو أن تلك كانت السمة البارزة بالفعل للسنوات الخمس الأخيرة في مصر.

ومع ذلك فينبغي أن نكون حذرين عندما نقول هذا الكلام، وذلك لأنه على الرغم من الجزر في الحركة العمالية فإن السخط والتذمر الجماهيريين قد عبرا عن نفسيهما خلال تلك السنوات من خلال أشكال عديدة. فقد شهدتا مثلاً انتفاضتين عفويتين موجهتين ضد الشرطة ف إدكو وأبو حماد، وفي الحالتين كان الذي إشعال فتيل المواجهة حوادث فردية مما يعكس حجم الغضب الشعبي الهائل. كما أيضًا في الفترة نفسها ظاهرة جديدة هي إقدام فلاحين فقراء على الإضراب عن الطعام تعبيرًا عن الاحتجاج. إن الإضراب عن الطعام بدلالاته الرمزية مألوف لدى المثقفين وعادة وما يرتبط بقضايا الرأي والمبادئ السياسية والأخلاقية. أما أن يبدأ في الانتشار في أوساط الفلاحين. فذلك يدل على مخزون هائل من اليأس والمرارة لا يستطيع تجاهله إلا من يتعمد ألا يرى. وأخيرًا. فإن هذه السنوات شهدت بالطبع مواجهات دموية لم نعهد لها مثيل من قبل بين نظام مبارك والحركة الإسلامية الراديكالية، وهي حركة تعكس في التحليل الأخير التذمر والغضب في صفوف فقراء الريف والحضر في مصر.

وهناك أسباب عديدة تجعلنا نتوقع صعودًا جديدًا في الحركة العمالية الاحتجاجية وفي مستوى الصراع الطبقي خلال السنوات القادمة. أولاً، كان أول المتضررين من المرحلة الأولى من برنامج الإصلاح هم الداخلون الجدد لسوق العمل. فهؤلاء تفاقمت البطالة في صفوفهم بسبب السياسات الانكماشية المتبعة، وقد صب سخطهم المتزايد في الحركة الإسلامية أكثر منفي الحركة العمالية. أما مع الإسراع في المرحلة الثانية الآن، فإن العمال المشتعلون بالفعل – وخاصة عمال القطاع العام – سيواجهون خطر الاستغناء عن أعداد غفيرة منهم، كما أنه من المتوقع أيضًا أن يتزامن ذلك مع ارتفاع الأسعار بنسب أعلى كثيرًا من السنوات السابقة بسبب تخلي الدولة عن سياساتها الانكماشية ونيتها خفض قيمة الجنيه مقابل الدولار الأمريكي تشجيعًا للتصدير. وثانيًا، بعد أكثر من عقد كامل على ظهور الرأسمالية الصناعية الخاصة الجديدة في المدن الصناعية الجديدة، يمكن أن نتوقع أن يكون عمال هذه المدن – الذين يعملون في ظل ظروف أسوأ ويحصلون على أجور أدني من زملائهم في القطاع العام – قد بدءوا في اكتساب الخبرة بالعمل الصناعي والاحتجاجي اللازمة لكي يسهموا في الحركة العمالية أكثر من ذي قبل. وثانيًا، فإن الريف المصري الذي هيمن عليه الطابع المحافظ طوال السنوات الثلاثين الأخيرة. مرشح للفوران مع تطبيق قانون الإيجارات الزراعية الجديد بما يعنيه من طرد مئات الألوف من فقراء الفلاحين من الأراضي التي يستأجرونها وتسريع رسملة الزراعة المصرية. وأخيرًا، فهناك عامل ذو طبيعة “نفسية” ينبغي أخذه في الاعتبار. لقد كانت دعاية مبارك طوال السنوات السابقة تنصب حول ضرورة التقشف والتضحية لكي نعبر مرحلة العلاج الصعب الذي يتطلب آلام وصدمات.. الخ أما اليوم فالنظام بدأ يبشر بقوة بالرخاء القادم وانتهاء سنوات التضحية، وبأن عام 1996 هو بداية “الانطلاق” للاقتصاد المصري والازدهار في مستوى معيشة المصريين. ومع اتضاح زيف هذه الوعود خلال السنوات القادمة، فإن رد الفعل يمكن أن يفوق “أسوأ” كوابيس مبارك ورجاله. ألم يكن يناير 1977 في جانب منه على الأقل تعبيرًا عن الغضب إزاء عدم تحقيق وعود السادات بالرخاء في عصر السلام والانفتاح؟

نستطيع أن نصف المرحلة الراهنة من تطور الصراع الطبقي في مصر بأنه مرحلة انتقالية بين جزر ومد، أو مرحلة ما قبل المد. قد تقتصر هذه المرحلة أو تطول ولكنها بالتأكيد لن تدوم. فما هو دور الطبقة المناضلة داخل صفوف الطبقة العاملة والحركة العمالية في المرحلة الراهنة؟ هل هو انتظار المد القادم ثم التفاعل معه عندما يأتي؟ بالطبع لا! إن دور هذه الطليعة شديد الأهمية تحديدًا في مرحلة ما قبل المد هذه، وهذا الدور يتمثل في التمهيد للمد القادم بالشكل الذي يجعل منه حين يأتي دفعة للأمام تنظيميًا وسياسيًا للطبقة العاملة المصرية.

كانت السمة البارزة لمد 68-1977 هي بزوغ حركة قاعدية مستقلة عن التنظيم النقابي تحاول (بنجاح أحيانًا وبإخفاق في الأغلب) أن تدفع المستوى الأدنى من التنظيم النقابي لتبني تحركاتها ومطالبها. أما خلال المد التالي 84-1989 فقد تبلور أكثر التناقض والعداء بين الحركة الاحتجاجية القاعدية والتنظيم النقابي بمستوياته الثلاثة. والمنشود في المد القادم هو أن يتحول هذا العداء إلى حركة إيجابية تبني مؤسسات بديلة للبيروقراطية النقابية الصفراء، مؤسسات قاعدية ديمقراطية مستقلة مناضلة. ولن يحدث ذلك إلا إذا خاضت الطليعة الواعية والمناضلة داخل صفوف الحركة العمالية دعاية سياسية ملموسة مكثفة، اليوم وليس غدًا، حول الحاجة لهذا البديل. الحركة العمالية المصرية اليوم في حاجة ماسة لأكبر عدد ممكن من المجلات المصنعية بعينه والسياسة الاقتصادية العامة للدولة، كما تستطيع الربط بين فضح تخاذل التنظيم النقابي وضرورة بناء العمال لبديلهم الذي يعبر عنهم. ويمكن للمجموعات الصغيرة نسبيًا من العمال التي ستلتف وتتجمع جول مجلات كهذه أن تكون بمثابة نواه للجان الإضراب ولجان مندوبي العنابر التي لن يكون بالإمكان بناءها بالفعال إلا في ظل المد القادم.

إن مجرد حدوث مد في الصراع الطبقي لا يضمن نشوء حركة عمالية جديدة. فهذا المد هو شرط ضروري لكنه غير كافي لنشوء هذه الحركة. أما الشرط الثاني الضروري فهو ليس شيء آخر غير النشاط الآتي المخلص والمهموم للطليعة العمالية الحقيقية لا الاسمية الذي يقوم بالسباحة ضد التيار وفي ظروف صعبة من أجل وضع أساس الحركة الجديدة.

وإلى جانب المجلات المصنعية ومجموعات النشطاء حولها، هناك حاجة ماسة كذلك إلى مجلة عمالية عامة تستهدف خلق التجانس والوحدة بين عشرات المحاولات لدفع الحركة القاعدية في أماكن العمل المختلفة.

اليسار الثوري والحركة العمالية:
يتسم اليسار الثوري في مصر اليوم بصغر حجم مجموعات وانعزالها عن الصراع الطبقي. فالمجموعات القائمة تضم حفنة ضئيلة من النشطاء الذين يأتون في الأغلب من صفوف المثقفين والبرجوازية الصغيرة. وبالطبع يخلق هذا الوضع مناخًا عصبويًا تعيش فيه حلقات أقصى اليسار الصغيرة ويؤثر بالسلب ليس فقط على العلاقات فيما بينها وإنما أيضًا على علاقتها بالحركة الجماهيرية.

ينتشر بين بعض نشطاء أقصى اليسار في مصر تصور للعلاقة بينهم وبين الحركة العمالية يمكن أن نطلق عليه وصف “النمو المتوازي”. وفقًا لهذا التصور، فإن المهمة الأساسية للثوريين هي “التراكم البدائي للكوادر” من خلال كسب الأعضاء والمتعاطفين عن طريق الدعاية السياسية العامة للأفكار الثورية وخلق الصلات بمواقع السخونة داخل الحركة العمالية والجماهيرية عمومًا. وإلى أن يتم خلق منظمة كبيرة نسبيًا، فإن الرفاق لا يرون جدوى من الارتباط بالحركة الجماهيرية من خلال طرح إستراتيجية وتكتيكات على هذه الحركة (هذا إن كانوا سيعون أصلاً أهمية قضية الإستراتيجية والتكتيك هذه في أي وقت من الأوقات!) ويكتفون بمجرد التواجد قرب المواقع الجماهيرية لتجنيد العناصر منها. سيؤثر التنظيم الثوري إذن من خلال الحركية والدعاية العامة، وبالتوازي مع ذلك ستنمو حركة جماهيرية مناضلة، ثم يحدث في وقت معين غير منظور اللقاء السعيد بين العاملين الذاتي والموضوعي فيبدأ التنظيم الثوري في الارتباط والتفاعل مع الحركة الجماهيرية الصاعدة.

المشكلة الكبرى في هذا التصور هي ذلك الفصل الحاد المتعسف بين العاملين الذاتي والموضوعي. فذلك الفصل أولاً يؤدي لترسيخ العصبوية وبناء تنظيم من أشباه المثقفين غير المناضلين المنعزلين عن الصراع الطبقي والمتخلقين حول مبادئ ثورية عامة لا تجد السبيل للارتباط بالواقع. كما أن هذه العصبوية تؤدي لنقيضها على الأرض: أي التذيل الانتهازي لحركة الإصلاحيين. فما دام الرفاق نشطون ومتواجدون في مواقع الحركة، وما داموا في الوقت ذاته لا يقدمون إستراتيجية وتكتيكات لهذه الحركة، فإنهم يميلون لتذيل الرؤية السائدة داخل هذه الحركة بلا وعي. وهكذا يتم الجمع بين العصبوية الشديدة في الفكر والتذيل الانتهازي في الممارسة.

وإذا كان علينا أن نتجنب هذا الموقف العصبوي من الحركة العمالية، فمن المهم كذلك ألا تقع في الخطأ العكسي: الغرق في الحركة القاعدية، أو إذا شئنا الدقة، في العمل التمهيدي للحركة القاعدية! فلا سهام في بناء حركة كهذه والتفاعل الايجابي معها لا يمكن أن يكون هدفنا النهائي بأي حال من الأحوال. إن الميزة الحقيقية للحركة العمالية القاعدية لا تكمن في ثوريتها، وإنما في خصوصية أصلاحيتها: الإصلاحية من أسفل. فلأنها إصلاحية من أسفل خلالها العمال بأنفسهم بطرح مطالبهم وتنظيم حركتهم، فإنها تحمل إمكانية عالية للتجذر إذا استطاع الثوريون أن يتفاعلوا معها بشكل صحيح. وتزداد احتمالات التجذير والتثوير هذه بسبب صعوبة أن تقدم الرأسمالية المصرية في ظل وضعها الحالي إصلاحات تذكر، وبالتالي صعوبة استيعابها للحركة القاعدية في الإطار ألمطلبي التقليدي المحدود. ولكن في الوقت ذاته لأنها تظل إصلاحية فمن المهم إلا نقع في غرامها إلى الحد الذي تفقدنا استقلاليتنا السياسية والتنظيمية عنها.

التفاعل إذن مع محاولات بناء حركة عمالية قاعدية يمثل مناخًا خصبًا لعمل اليسار الثوري ونموه. فمن خلال تأثيرنا في هذه الحركة وتأثرنا بها، من خلال دفعنا لها للأمام وفي الوقت ذاته تعلمنا منها، نستطيع أن نختبر إستراتيجيتنا وتكتيكات عملنا، وأن نرسخ نضاليتنا، وأن نوجد كذلك المناخ الخصب لنمونا كما وكيفًا. والشرط الأساسي لعدم وقوعنا في خطر الغرق هو حساسيتنا إزاء فرص تفاعلنا مع هذه الحركة، وتتفاوت هذه الفرص وفقًَا للعاملين الموضوعي والذاتي. على صعيد العامل الموضوعي، يمكن القول أنه كلما اشتدت وتيرة الصراع الطبقي في المجتمع كلما تزايدت فرصتنا في جعل تفاعلنا مع الحركة القاعدية يتخذ شكل التحريض الجماهيري الواسع نسبيًا، وكلما انخفض مستوى الصراع الطبقي كلما اضطررنا للتباعد النسبي عن الحركة القاعدية ويتخذ تفاعلنا معها حينئذ بشكل متزايد طابع الدعاية السياسية الملموسة في أوساط محدودة نسبيًا من الطبقة. أما بالنسبة للعامل الذاتي، فلا شك أنه كلما نما التنظيم الثوري كمًا وكيفًا وكلما أصبحت له جذور داخل الطبقة العاملة، لكما زادت فرص التحريض السياسي المباشر حيث نبادر بالفعل في خلق الأشكال القاعدية على الأرض وليس مجرد الدعاية لها.

وانطلاقًا مما سبق، يصبح شكل التفاعل الملائم لوقتنا الراهن بيننا وبين الحركة العمالية القاعدية هو الدعاية الملموسة الدءوبة للعمل القاعدي في أوساط الطليعة العمالية، وهي دعاية سياسية تتجنب الوقوع في العمل التحريضي الواسع الذي لا يتناسب لا مع المستوى الراهن للصراع الطبقي ولا مع حجم اليسار الثوري، كما تتجنب أيضًا مرض العصبوية والانعزال.

وفي الختام:
فقد حاولنا في هذا المقال بأجزائه الثلاثة أن نقدم ملامح عامة أو خطوطًا عريضة للمأزق الراهن للحركة العمالية حيث تفتقد لأدوات النضال السياسي والنقابي، والتحديات التي تواجهها في ظل الهجمة البرجوازية الشرسة التي تتعرض لها، والسبيل لتسليحها بما يلزمها من أسلحة لخوض معاركها القادمة بكفاءة أكبر. وتحتاج هذه الخطوط العريضة بكل تأكيد للإثراء والتطوير، والنقد والتقويم. ونحن ندعو جميع الرفاق المعنيين بمستقبل الحركة العمالية لحوار خصب حول هذه القضية على صفحات “الشرارة”، وهو حوار ينبغي أن يتحرر من كل قيد باستثناء قيد واحد: الحاجة لربط النظرية الثورية بالممارسة الثورية، والمحاولة الجادة للتصدي لسؤال: “ما العمل؟” سواء بالنسبة لمستقبل الحركة العمالية ذاتها أو للعلاقة بينها وبين اليسار.