بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحركة العمالية والأمن

رغم كل الضغوط الأمنية التي وصلت للاعتداء بالضرب سواء على عمال طنطا للكتان، أو الاعتداء الوحشي على عمال أمونسيتو، وإجبار عمال التليفونات والنوبارية على فض اعتصامهم أمام مجلس الشعب بحجة إن هناك شخصية دولية ستلتقي برئيس الوزراء في مجلس الوزراء (!!)، فإن العمال في المصانع والشركات وشوارع وحواري مصر أعلنوا تصميمهم على مواصلة مسيرة انتزاع حقوقهم المنهوبة، فرأينا عمال وسائقي مترو الإنفاق وبعد أقل من 24 ساعة اعتصموا وأجبروا رئيس الشركة على الاستجابة لمطالبهم تحت ضغط التهديد بالإضراب، كما هدد عمال شركة النوبارية بقطع الطريق.

فالعمال الذين خلعوا ملابسهم وأطلقوا الصفارات والزمامير وقرعوا الطبول وأعدوا المشانق وأغلقوا بأجسادهم شارع مجلس الشعب وتلقوا العزاء في الحكومة في مشاهد جذبت وسائل الإعلام وأثارت ذعر نظام مبارك أعلنوا بعد اقل من 72 ساعة من العدوان الوحشي عليهم في مؤتمر صحفي إنهم قابضون على الجمر ومصممون على مواصلة النضال .فلم يعد لديهم ما يخسروه بعد أن شردوا من أعمالهم وأغلقت مصانعهم فكما لم تجد سياسات “تكبير الدماغ” التي تنتهجها الحكومة مع العمال المحتجين داخل شركاتهم فقرروا نقل احتجاجاتهم إلى شارع مجلس الشعب، فغدا سيعاود العمال الاعتصام في مواقع أخرى فالفقر “أبو الاختراع وأمه أيضاً”..

وبالتأكيد فإن مشهد وزيرة القوى العاطلة وهي تهرب من العمال الغاضبين الذين سعوا إلى اقتحام البرلمان سيظل يشكل هاجسا في أدمغة العصابة الحاكمة، وسيعزز من الاتجاه الذي يدافع عن استعمال سياسة الحوار مع العمال بدلاً من الانفجار القادم.

ولكن هذه العملية لن تمر بسلاسة، بل ستشهد بعض المواجهات والتحرشات الأمنية، خاصة في ظل حكومة لا تريد سوى أن تلقى إلا بأقل القليل وتعرف إن العمال يتعلمون من بعضهم البعض فمن يحصل على مكسب اليوم يشجع آلاف العمال للمطالبة بذات المطالب.

ومما يزيد الطين بله عقم قنوات الحكومة الشرعية المتمثلة في وزارة القوى العاملة والاتحاد العام الأصفر، والذي أثبت رئيسه حسين مجاور إنه لا ينتمي إلى العمال على الأرض ولكنه خادم أمين لمصالح حكومة رأس المال ورجال الأعمال بزعامة مبارك.

مجاور اسقط ورقة التوت من على الاتحاد ليبرهن للمرة الآلف إن عمال مصر بلا نقابات تتدافع عنهم وبلا أحزاب سياسية تطرح مطالبهم. كما أسقط العمال ورقة التوت من على عورة نظام مبارك الذي ادعى في محاولة لشراء أصوات العمال قبل انتخابات الشعب والرئاسة إنه لن يستخدم الطوارئ ضد العمال والفئات الاجتماعية “المؤدبة” التي لا تطمح إلى تغيير النظام ولكنها تناضل من أجل مطالبها المباشرة.

والمؤكد إن نضالية العمال وكسرهم لحاجز الخوف في تعاملهم مع كافة الجهات الأمنية والارتفاع الرهيب في الأسعار، بالإضافة إلى انتخابات الشعب والأهم الرئاسة المقبلتين في ظل حالة الحراك السياسي التي تشهدها البلاد سيجعل العصابة الحاكمة تستجيب لمطالب العمال ولو جزئيا، وليس ببعيداً عنا قرارات الوزير محي الدين بوقف الخصخصة وبصرف مكافأة شهرين لكل العاملين بقطاع الأعمال.

فالقمع اليوم لا يعني سوى إن مبارك يحفر قبره بيده حرفيا وعمليا.. وإن الانفجار بات مسألة وقت، بعد أن وصلت مستويات المعيشة إلى أدنى مستوياتها في ظل موجة ارتفاع أسعار مقبلة بسرعة الصاروخ، وهو ما يجب أن يدركه العمال جيداً ويضعوه في حسبانهم إن الطريق أمامهم مفتوحا لانتزاع الحقوق.

ولكن يبقى على القوى المساندة للعمال، وفي مقدمتهم الاشتراكيين، تقديم كافة أشكال المساندة والدعم للعمال، وفضح كل ما يتعرضون له من انتهاكات والسعي لتقديم الضباط إلى المحاكمة لكي يكونوا عبرة لمن يعتبر.. ومن جهة أخرى العمل على ربط معركة التغيير الديمقراطي بالمطالب الاجتماعية لكل الفئات الشعبية، فحرية الكلام والتصويت في الانتخابات لا تكفي بل ينبغي تغيير السياسات التي تؤدي إلى طرد العمال من المصانع وطردهم من أعمالهم، وحرمانهم وأسرهم من أجورهم ومصدر رزقهم الوحيد، والانتقاص من حقوقهم في ظل الارتفاع الرهيب في الأسعار.. وهي عملية ليست سهلة على الإطلاق خاصة مع الغياب شبه الكامل لحركة التغيير الديمقراطي عن احتجاجات العمال بل وعدم تصديها للاعتداءات الوحشية التي تمت على العمال وإثارة أكبر ضجة حولها، ويصبح الأمر عصيا على الفهم: نخبة تسعى للتغيير بدون قواعد جماهيرية.. والفئات الاجتماعية القادرة على مواجهة النظام تتحرك وتكافح وتتعرض لبطش الأمن.. ولكن النخبة تصر على ألا تتقدم الصفوف لكي تقف وتساند هذه الفئات الاجتماعية! وهو أمر لا يمكن تجاوزه إلا ببناء حركة تغيير شعبية تتبنى مصالح الطبقات الشعبية باعتبارها صاحبة المصلحة في التغيير وأداته في ذات الوقت.