بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

نضالات العمال في 1996..

الحركة العمالية والسياسة الثورية في ظل الجزر الراهن

من بين جملة الأكاذيب التي تستند لها تيارات اليسار الانتهازي لتبرير انتقالها المفضوح إلى مواقع البرجوازية قولاًَ وفعلاً، لا توجد كذبة أشنع وأكثر تضليلاً من تلك التي تدعي أن الدور الثوري والنضالي للطبقة العاملة قد انتهي عهده وأصبح شيئًَا من الماضي البعيد. وبغض النظر عن الفوارق الصغيرة وغير الهامة على الإطلاق بين الانتهازيين الذين يرون أن الطبقة العاملة قد كفت عن النضال لأنها كفت عن الوجود من الأصل (يدعي البعض، بعد مائة عام التطور الرأسمالي في مصر، أن الطبقة العاملة غير موجودة وأن عمال المصانع والمكاتب.. الخ هم في الحقيقة فلاحون وحرفيون لا يمتون للعامل البروليتاري “الحقيقي” بصلة)، وبين أخوانهم الذين يؤكدون أنها موجودة (والحمد لله) ولكنها لم تعد الطبقة التي في مقدورها التغيير والنضال!.. بغض النظر عن الفوارق السطحية بين هؤلاء وأولئك إلا أن اللحن الذي يعزفونه في الأصل واحد: الطبقة العاملة لم تعد مناضلة ولا قادرة على النضال في المستقبل، وبالتالي لا تلومونا إذا حاولنا “الإصلاح” بطرق أخرى!

إن هذا الانعطاف السياسي في أوساط اليسار الانتهازي – من الدفاع اللفظي عن حقوق ومركزية دور الطبقة العاملة إلى الهجوم – اللفظي والعملي في هذه الحالة – على الطبقة العاملة “التي كفت عن النضال” و”فقدت مركزية دورها” – ليس فيه أي شيء جديد على الإطلاق. إذ لم تسلم الحركة الثورية، في مصر والعالم، من وجود تيارات برجوازية صغيرة يؤدي بها تذبذبها وانتهازيتها وعدم تماسكها السياسي حول مبادئ الماركسية الثورية إلى التملص من كل الشعارات الماركسية الطنانة عند أول منعطف تمنى فيه حركة الطبقة العاملة بهزيمة مؤقتة. إن الحقائق المريرة للصراع الطبقي تكشف أكاذيب كل اليساريين البرجوازيين الصغار وتعري المضمون الطبقي الحقيقي لماركسيتهم.

إن إدعاءات اليسار الانتهازي، والهجوم الأيديولوجي العنيف الذي تتعرض له الطبقة العاملة ومشروعها الاشتراكي على كافة الجبهات يدعوانا إلى تكثيف كل الطاقات من جل الدفاع عن مركزية دور الطبقة العاملة في النضال – داخل وضد – الرأسمالية، ومن أجل القيام بتحليل – اشتراكي وثوري – لطبيعة وأسباب التراجع في حركة الطبقة العاملة المصرية. وسنرى عندئذ أن الاستنتاجات التي ينبغي أن يخرج بها كل ثوري من تحليل الوضع الراهن هي العكس تمامًا من استنتاجات خدم البرجوازية من اليساريين الانتهازيين.

فلنبدأ أولاً بتحليل الوقائع حول حالة الجذر الراهنة، ثم فلنقم بطرح الاستنتاجات السياسية الرئيسية من هذا التحليل.

رصد نضالات 1996:
لتحليل الذي نقوم به هنا يقوم على مادة مستقاة في معظمها من جرائد أحزاب المعارضة الرئيسية (الوفد، الشعب، الأهالي، العربي) عن مختلف التحركات العمالية خلال عام 1996. وهذا معناه بالطبع أن الصورة التي سنرسمها للنضال العمالي خلال العام الماضي لن تكون دقيقة أو مكتملة. فهذه الجرائد، التي لا تهتم أحزابها – لأسباب مفهومة – بالحركة العمالية، لا تقوم بالنشر عن نسبة لا يستهان من الأحداث العمالية. وحتى في حالة النشر، فإن الموضوع المنشور يغفل معلومات أساسية عن طبيعة الحدث وسببه ومدته وعدد العمال المشاركين فيه.. الخ. ولكن بالرغم من كل هذا يمكننا، بالاستخدام الحذر للمادة التي بين أيدينا، أن نعطي صورة للاتجاه العام للحركة العمالية في العام المنصرم.

شهد عام 1996، 36 تحركًا عمالية جماعيً – مابين إضراب واعتصام وامتناع عن القبض وتجمهر وتظاهر – اختلفوا من حيث أسلوب النضال، وحجمه، ومدى نجاحه وتأثيره.. الخ. من ضمن هذه التحركات يوجد 19 إضراب (منهم 7 مصحوبين باعتصامات، و2 مصحوبين باعتصامات وإضرابات عن الطعام)، و9 اعتصامات (منهم 2 مصحوبين بامتناعات عن القبض)، و3 امتناعات عن القبض بدون اعتصام (وبهذا يكون إجمالي عدد الامتناعات عن القبض – سواء المصحوب باعتصامات أم لا – خمسة)، و4 تجمهرات ومظاهرات، وحادثة مقاومة بالقوة واحدة عندما منع عمال شركة مكة بالإسكندرية محاولة صاحب المصنع لنقل آلاته إلى مدينة السادات إذ منعوا تحميل السيارات بآلات المصنع.

عدا الأحداث العمالية، شهد 1996 عددًا من الاحتجاجات الجماعية لقطاعات من الموظفين البرجوازيين الصغار أشباه العمل: سائقو السرفيس، الصيادون، موظفو الطيران. وقد رصدنا من الجرائد 4 أحداث (3 إضرابات وتظاهر واحد) قامت بها هذه الفئات. بالعودة إلى الأحداث العمالية الـ36 نجدها موزعة جغرافيًا على النحو الآتي: 16 حدثًا (أي 44.5%) في القاهرة الكبرى (منهم 8 في حلوان و4 في شبرا)، و5 أحداث في المحلة الكبرى (أي 14%)، و3 أحداث في الشرقية (8.5%)، وحدثين في كل من الغربية، الإسكندرية، بني سويف (بواقع 5.5% لكل منهم)، وحدثين غير معروف موقعهما الجغرافي.

وقد وقعت معظم هذه الأحداث في شركات مملوكة للدولة، إذ نجد أن 17 حدثًَا وقعوا في مصانع قطاع الأعمال العام (47%)، و3 أحداث وقعت في المصانع الحربية (8.3%) وحدثين آخرين في هيئات عامة (5.5%). أما القطاع الخاص فكان نصيبه 11 حدثًا (أي 3.5%) من ضمنهم 4 أحداث في مصانع مخصخصة. تتبقى 3 أحداث (8.3%) غير معروف لأي فئة تنتمي.

أما من حيث توزيع الاحتجاجات بين الفروع الصناعية المختلفة وقعت في قطاع الغزل والنسيج والملابس الجاهزة (25%)، و8 في قطاع الصناعات المعدنية والهندسية والطاقة (22%)، و7 في قطاع الصناعات الغذائية (19.5%)، و5 في قطاع مواد البناء والحراريات (14%)، و4 في قطاع النقل والخدمات (11%)، و2 في قطاع الصناعات الكيماوية (5،5%)، وواحد في قطاع الصناعات الخشبية (2.8%).

وتتوزع الاحتجاجات من حيث السبب الأساسي كالتالي: 12 احتجاجًا على تخفيض الحوافز السنوية والشهرية أو المنح (أي حوالي 33%)، 15 احتجاجًا على عدم قبض حوافز مقررة (41.5%)، 3 احتجاجًا للمطالبة برفع الأجور أو بصرفها في موعدها المقرر (41.5%)، 3 احتجاجًا للمطالبة برفع الأجور أو بصرفها في موعدها المقرر (8.3%)، احتجاجًا للمطالبة بتثبيت العمال المؤقتين (5.5%)، و4 احتجاجات لمقاومة تصفية الشركة وتشريد العمال (11%). نلاحظ هنا أن عدد كبير من الاحتجاجات يمتزج فيه أكثر من مطلب واحد. مثلاً عدد كبير من الاحتجاجات على تخفيض الحوافز كان يتضمن المطالبة أيضًا بعزل عناصر من الإدارة، أو برفع الجزاءات التعسفية، أو بالتوقف عن فصل العمالة المؤقتة.. الخ. نلاحظ أيضًا أنه في حالة واحدة من حالات تخفيض الحوافز (شركة طنطا للدخان) لم تقم الإدارة بخفض الحافز مباشرة وإنما رفعت كمية الإنتاج المستهدفة للحصول على الحافز! ونلاحظ أيضًا أن القضية الأولى التي تركزت حولها مقاومة العمال للرأسماليين هي قضية الأجور (82.8%)، وخاصة الأجور المتغيرة (الحوافز، المنح… الخ).

وأخيرًا، تتوزع الاحتجاجات العمالية على شهور العام على النحو الآتي: 5 أحداث في يناير، 3 في فبراير، 2 في مارس، 2 في إبريل، 3 في يونيو، 5 في يوليو، 5 في أغسطس، 2 في سبتمبر، 2 في أكتوبر، 2 في نوفمبر، 2 في ديسمبر.

إلى هذا الحد تكتمل الملامح العامة والأولية للنضال العمالي في العام الماضي. إلا أن هذه الملامح لا ترسم في حد ذاتها، وفي أحسن التقديرات، إلا صورة ناقصة للحركة العمالية. فأولاً، يغلب على جرائد المعارضة (بالذات الأهالي والعربي) التحيز في اتجاه نشر أخبار التحركات التي تحدث في القطاع العام بالذات. ولذلك ففي الأغلب سيكون الرقم الحقيقي لاحتجاجات القطاع الخاص أعلى من الرقم الذي توصلنا إليه (11 حدثًا). وثانيًا، تحفل الجرائد بأخبار عن تذمرات وتوترات وتهديدات بالاعتصام أو الإضراب وبرقيات احتجاج ومطالبات ومناشدات وبرقيات وشكاوي ودعاوي قضائية وغيرها من أشكال الاحتجاج الجنينية أو العابرة التي لم تتطور إلى تحرك عمالي جماعي للضغط على الرأسماليين والدولة. في بعض الحالات تكون هذه الأشكال مقدمة للمقاومة الجماعية (الإضراب أو الاعتصام مثلاً) كما في حالتي تقديم مذكرة احتجاج لرئيس مجلس الإدارة قبل الإقدام على الامتناع عن القبض في شركة اسكو، وتذمر العمال واحتجاجاتهم المتتالية قبل الإضراب في شركة بيبسي. وفي حالات أخرى يؤدي مجرد التهديد بالإضراب أو الاعتصام إلى تحقيق المطلب العمالي كما في حالتي تهديد عمال السعد للألومونيوم بالإضراب الشامل إذا ما نفذ رئيس مجلس الإدارة قراره بفصل أحد العمال وهو ما أدى إلى التراجع عن القرار، وتهديد عمال شركة النصر للمحولات بالاعتصام إذا لم تتراجع الإدارة عن قراراتها بتخفيض الحوافز وهو ما أدى أيضًا بالإدارة إلى التراجع. ولكن في أغلب الحالات يتوقف الأمر عند مجرد الاحتجاج عن طريق شكوى أو برقية الخ من دور تحقيق المطلب. في هذه الحالات نجد كثيرًا أن السبب في عدم تطوير الاحتجاج هو تهديدات الإدارة أو الأمن أو الدور التخريبي للنقابة المصنعية أو عدم وجود قيادات عمالية تستطيع أن تحول طاقة الغضب والمقاومة إلى قوة ضغط فعالة. بإضافة كل هذه العناصر إلى الصورة نستطيع أن نستنتج أنه إضافة إلى الـ 36 حدثًا التي رصدناهم هناك عدد أخر من التحركات المجهضة، والتحركات غير المنشور عنها، والتحركات التي لم تأخذ شكلاً مكتملاً.

طبيعة الجزر الراهن:
هل يمكننا الاكتفاء فقط برصد عدد التحركات العمالية، وتوزيعها بين الأساليب المختلفة للنضال وبين المناطق الجغرافية والفروع الصناعية… الخ. حتى نفهم طبيعة الظرف الذي تمر به الحركة العمالية في مصر الآن؟ بالطبع لا. صحيح أننا بمجرد النظر إلى الأرقام السابقة نستطيع أن نستنتج أن الإضراب لا يزال هو السلاح الأول والأساسي للعمال في مقاومة الرأسماليين وتحقيق شروط أفضل – أو أقل سوءًا – لبيع سلعة قوة العمل، وأن الاعتصام في ظروف مصر السياسية وفي الظروف الحالية لدرجة تنظيم الحركة العمالية له أهمية مركزية، وأن حلوان وشبرا الخيمة والمحلة لا يزالون أهم مناطق التركز في الحركة العمالية (حدثت بها 50% من التحركات)، وأن فرع المنسوجات والملابس الجاهزة ومعه فرعي الصناعات الغذائية والصناعات الهندسية هم فروع قائدة للحركة العمالية (حدثت بها 66.5% من التحركات)، وأن القطاع العام وهيئات الدولة يظلان حتى الآن هما الساحة الأولى للنضال العمالي (حدثت بها 60% من التحركات)، وأن الأجور هي – بالطبع – موضوع الصراع الرئيسي بين العمال والرأسماليين. صحيح كل هذا، وصحيح أيضًا أن الرقم 36 (عدد الاحتجاجات) يفصح وحده عن حقيقة الجزر الراهن. ولكننا محتاجون إلى النظر في مسائل أخرى أبعد وأكثر عمقًا حتى نفهم طبيعة هذا الجزر.

أول هذه المسائل هي غلبة الطابع الدفاعي على النضالات العمالية. فالأغلبية الساحقة من التحركات العمالية في 1996 (77%) حدثت كمحاولة من جانب العمال لا يقف هجوم الرأسماليين والدولة على أجورهم (33% من التحركات كانت احتجاجًا على عدم صرف حوافز أو منح قررتها الدولة، و2.7% منها كانت احتجاجات على عدم انتظام صرف الأجور). ونسبة أخرى (11%) من التحركات كان هدفها محاولة إيقاف قرار الرأسماليين بتشريد العمال وتصفية النشاط. حتى الحالات القليلة المتبقية (4 حالات) لا يمكننا على الإطلاق أن نصفها بالنضالات الهجومية. ففي حالة منهم (حالة اعتصام القومية للأسمنت) عندما طالب بعض العمال بزيادة الأجور كانوا يطالبون بالوصول للحد الأدنى الذي يقف عنده غالبية العمال الذين يقومون بنفس العمل في المصنع، وبالرغم من هذا فشلوا في تحقيق مطلبهم. وفي حالة أخرى (مصر – تايوان) كان عمال قسم التريكو يطالبون صاحب العمل بالأجر الأدنى الذي يجعل عملهم ذا جدوى، ورغم هذا فشلوا في تحقيق مطلبهم وصفى صاحب المصنع القسم كله. وفي الحالتين المتبقيتين (حالتي بني سويف للاسمنت والنشا والجلوكوز) كان العمال يطالبون بتثبيت العمالة المؤقتة خوفًا من التشريد المنتظر عندما تباع الشركتان، أي خوفًا من الهجوم القادم حتمًا على العمال بعد البيع.

من الواضح إذن أن مضمون التحركات العمالية في العام الماضي كان دفاعيًا. وهو ما يعكس استمرار الانقلاب الحاد في الميزان الطبقي لصالح الرأسماليين ودولتهم ضد الطبقة العاملة. لم يتحرك العمال في 1996 مطالبين بزيادة الأجور والحوافز وتحسين شروط العمل وتقليل عدد ساعاته، وإنما تحركوا لمقاومة تخفيض الأجور والحوافز ولمقاومة هجوم الرأسمالية عليهم ومحاولاتها لزيادة معدلات استغلالهم.

المسألة الثانية التي نحتاج للنظر إليها هي مدى نجاح العمال في مقاومة الهجوم المتوحش للرأسمالية بقيادة الدولة. بالطبع العدد المحدود للنظالات (36 حدث)، ونسبة التحركات المجهضة غير المكتملة يشيران إلى مدى الضعف الذي يعترى المقاومة العمالية. ولكن أيضًا إذا ما نظرنا إلى نتيجة الـ 36 تحرك سنجد أن قدرة العمل ليست كبيرة. ففي 7 حالات على الأقل (19.5%) انفضت الاحتجاجات العمالية على مجرد الوعد بتحقيق المطالب (كلها أو بعضها)، وهو ما يعني عمليًا – في معظم الحالات – عدم الاستجابة والشروع في التنكيل ببعض القيادات وفي إرهاب العمال. وفي 7 حالات أخرى (19.5%) فشل العمال في تحقيق أي من المطالب التي تحركوا من أجلها. وفي 3 حالات (8.3%) كان النجاح جزئيًا، أي تحقق فقط جزء من المطالب. وفي 11 حالة أخرى (30.5%) نجح العمال في تحقيق ما ناضلوا من أجله. أما باقي الحالات (وعددهم 7. أي ما يساوي 19.5%) فنتيجتها غير معروفة لنا.

تكتيك البرجوازية وأسباب الجزر:
إن أدق وصف لحالة الصراع الطبقي في مصر الآن هو أنها حالة جزر، أي حالة انقلاب في الميزان الطبقي لصالح الطبقة الحاكمة وضد جموع المستغلين والمقهورين – خاصة الطبقة العاملة. ولأجل أن نفهم هذه الحالة علينا أن نقوم بتقييم المنحنى الذي سارت عليه البرجوازية المصرية للخروج من أزمتها الاقتصادية.

لقد كانت إعادة هيكلة الرأسمالية الدولة إلى الاندماج الكامل في السوق الرأسمالي العالمي، وفي اتجاه تكثيف معدلات استغلال الطبقة العاملة – إستراتيجية ثابتة للبرجوازية على مدى أكثر من ربع قرن؛ إستراتيجية حتمتها الأزمة الاقتصادية والسياسية الشاملة التي هزت الحكم الطبقي الناصري هزًا عنيفًا بدءًا من أواسط الستينات.

ولكن لأن كل محاولات البرجوازية لتحقيق هدفها الإستراتيجي عن طريق الهجوم المباغت والشامل على كافة الجبهات باءت بالفشل وخلفت رد فعل دموي عنيف (انتفاضة يناير 1977 كانت درسًا لم يمح من وعي وذاكرة البرجوازية؛ درسًا دفعها إلى تغيير تكتيكاتها في الهجوم) فقد اتبعت (البرجوازية) تكتيك الهجوم الجزئي طويل النفس. يعتمد هذا التكتيك على خطط طويلة المدى ومعدة جيدًا للهجوم البطيء على جبهات محدودة بغرض عزل قطاعات من الطبقة العاملة ومعارضتها بباقي القطاعات، وبالتالي تشتيت وإضعاف المقاومة العمالية باستخدام سياسات فرق تسد – القديمة قدم وجود الطبقات الحاكمة – استطاعت البرجوازية (خاصة بفضل الخدمات الجليلة التي أداها لها عمليًا كل من اليسار الانتهازي والنقابات الصفراء) أن تحقق نجاحًا ملحوظًا في الوصول لأهدافها مثلاً، في نفس الوقت الذي لم تهجم فيه الدولة هجومًا مباشرًا على عمال القطاع العام – القطاع المتقدم والممركزة من الطبقة العاملة – طوال سنوات السبعينات والثمانينات، عمدت إلى عزل عمال القطاع الخاص والتعامل معهم منفردين بخلق قوانين خاصة للعمال والاستثمار في هذا القطاع الأخير.

وفي التعامل مع القطاع العام استخدمت الدولة تكتيك النفس الطويل (حتى رغم معارضات الأجنحة المتعجلة من الرأسمالية المصرية) الذي اعتمد على الهجوم البطيء على بعض المكتسبات في بعض القطاعات مع الاستعداد في بعض القطاعات مع الاستعداد للتراجع في كل الحالات التي يخلق فيها الهجوم مقاومة واسعة. وهكذا، فقط رضخت الدولة “مؤقتًا” لمطالب العمال (كلها أو بعضها) في أهم الإضرابات التي حدثت في الثمانينات (كفر الدوار 1984، إسكو 1986.. الخ). ولكنها قامت، في نفس الوقت، بإضعاف الطبقة العاملة في هذا القطاع، أولاً عن طريق التقليص طويل المدى لعدد ونضالية عماله (غلق باب التعيين منذ منتصف الثمانينات، إتباع سياسة قمعية تجاه كل النضالات العمالية، ومعارضة العمالة المؤقتة بالعمالة المعينة، دعم وتقوية التيارات الانتهازية في الحركة العمالية.. الخ). وثانيًا بعزلهم عن عمال القطاع الخاص. والنتيجة كانت تقلص عدد عمال القطاع العام، وانخفاض معدلات أجورهم الحقيقية، وسيطرة حالة الإنهاك والإحباط في أوساطهم.

وحتى بعد الإسراع في خطوات إستراتيجية تكثيف معدلات استغلال الطبقة العاملة مع البدء في تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي عام 1991 (الاسراع الذي يعكس من ناحية أولى تزايد الضغوط على الرأسمالية المصرية المأزومة، ومن ناحية أخرى تزايد الثقة في إمكانية الهجوم على جبهات أوسع)؛ حتى بعد هذا ظلت الدولة تسير وفق خطوات محسوبة: عدم التعجل في إصدار قانون العمل الموحد وقانون الاستثمار الموحد، الخصخصة البطيئة والمتأنية لبعض وحدات القطاع العام، الاستعداد لتراجع الفوري في حالات المقاومة الواسعة،… الخ.

وبالنظر إلى نضالات 1996 نستطيع أن نرى بسهولة كيف انعكست تكتيكات الدولة وحالة الإنهاك والتشتت والانقسام المرتبطة بها في شكل ومضمون ونتيجة هذه النضالات. فالدولة في سعيها لتخفيض الأجور الحقيقية لعمال القطاع العام لم تقم في 1996 بتخفيض شامل ومفاجئ في الأجر الثابت (الأجر الأساسي) أو المتغير (الحوافز، المنح.. الخ)، وإنما استمرت في إتباع التكتيك الذي اتبعته على مدى سنوات وهو ربط الأجر المتغير – الذي يمثل القسم الأهم من الأجر الشامل – بربحية المصنع أو الشركة. وهو التكتيك الذي يؤدي، في ظل ضعف الحركة العمالية وعدم وجود نقابات مصنعية قوية ومقاتلة، إلى عزل كل قطاع وكل شركة – بل وكل قسم إنتاجي – والتعامل معه منفردًا. وقد نتج عن كل هذا أن كل نضالات العام الماضي في القطاع العام ضد تخفيض الحوافز أو عدم صرفها كانت محدودة بحدود مصنع واحد (بل أنه في حالة من الحالات كان التحرك خاصًا فقط بعمال قسم واحد من أقسام الشركة: قسم التلبيد بشركة الحديد والصلب). فلم يحدث أن توسعت النضالات، أو المطالب، أو وجدت أي أشكال للتضامن.

وفي العام الماضي كانت الدولة والرأسماليين مستعدين أيضًا للتراجع التكتيكي في كل الحالات التي بدا فيها أن التراجع المؤقت أفيد من انفلات الأمور. فقد استجابا – نعني الدولة والرأسماليين – لمطالب عمال مصنع 81 الحربي، ومصنع طنطا للدخان، ومصنع النشا والجلوكوز، ومصنع النصر للحراريات… الخ. ولكن كل هذه التراجعات، بما أنها تأتي في سياق انقلاب الميزان الطبقي لصالح الرأسمالية، كانت في الأغلب الأعم – وكما قلنا – تكتيكية. مثلاً تراجع الإدارة عن تخفيض الحوافز في مصنع المحولات الكهربائية بالأميرية، وهو مصنع مخصخص حديثًا بعد إضراب العمال في أغسطس الماضي، لم يمنعها من تكرار المحاولة مرتين (فاشلتين) أخريين في سبتمبر وأكتوبر.

وتعكس النسبة الكبيرة من الاحتجاجات التي انفضت على وعود أو على نجاحات جزئية (28%) حالة الإنهاك الذي تتعرض له الطبقة العاملة في سياق الجزر الراهن. فقد أضطر مثلاً عمال سجاد المحلة لتنظيم 4 إضرابات واعتصامات في العام الماضي للحصول على جزء من حقوق مسلوبة منهم. فقد نظموا في 8 يناير إضرابًا للحصول على العلاوة الدورية (5%) التي رفضت الإدارة إقرارها ونجحوا في تحقيق مطلبهم. ثم أضربوا في أواسط مارس للحصول على منحة العيد الصغير التي قررتها الدولة (15 يومًا) ولم يحصلوا بعد الإضراب إلا على “سلفة” 10 أيام عليهم دفعها مرة أخرى على إقساط في مايو للحصول على منحة عيد العمال فوعدتهم الإدارة بالتلبية ولم تلب، فأضربوا للمرة الرابعة وأضافوا إلى مطالب المنحة مطلب 10% علاوة اجتماعية فحصلوا على العلاوة ولم يحصلوا على المنحة. وأيضًا أضطر عمال القومية للأسمنت والسعد للألومونيوم للإضراب عن الطعام على مدى أيام – مما أدى إلى انتقال عدد كبير منهم إلى المستشفى – مقاومة للرأسمالية المصرية التي أخرت طوال شهور صرف أجور عمال السعد، والتي منعت صرف أي حوافز أو بدلات أو عمولات لسائقي القومية للأسمنت المحولين إلى الشركة من مكتب بيع الاسمنت. وكانت النتيجة هي تحقيق عمال السعد لانتصار صعب عليهم أن يحموه كل شهر بالتهديد بالإضراب أو الاعتصام وإلا أتى عليه صاحب العمل. أما عمال القومية للأسمنت فقد فشلوا فيما ناضلوا من أجله.

ويظهر تفتت وانقسام الحركة العمالية وضعفها السياسي والتنظيمي بوضوح أكثر، في عدم قدرتها على الانتقال بأي نضال إلى مستويات أعلى وأوسع وأعمق. فمن بين التحركات الـ 36 في 1996 نجد أن نسبة كبيرة منها لم تستطع أن تجذب إليها إلا جزء من عمال المصنع أو الهيئة (اعتصام عمال التلبيد بالحديد والصلب، اعتصام عمال النشا والجلوكوز. إضراب سائقي شركة الكوكاكولا بطنطا، إضراب سائقي القومية للأسمنت، إضراب عمال مترو الإنفاق، إضراب عمال لاشين بلاست، إضراب عمال مصر تايوان، إضراب عمال علف كفر العلو، وإضراب ممرضات 6 أكتوبر – المجموع 8 أحداث بنسبة 22%)، ونجد أيضًا أن أغلبيتها الساحقة لا تستمر أكثر من يوم واحد. بل أنها أحيانًا تستمر لساعات محدودة (اعتصام النشا والجلوكوز كانت مدته ساعة، وإضراب طنطا للدخان كانت مدته خمس ساعات.. الخ) وهو الأمر الذي لم يكن يعكس القدرة السريعة على تحقيق انتصار سهل بمقدار ما كان يعكس أولاً تكتيك الدولة في احتواء وتهدئة – ثم قمع – أي تحرك عمالي) وثانيًا الضعف التنظيمي والسياسي للحركة العمالية ككل.

وأخيرًا، كان من مظاهر ضعف وتراجع الحركة العمالية أن فشل العمال في خلق أي أشكال تنظيمية نضالية. فلم يخلف أي من نضالات 1996 شكلاً لتنظيم مقاومة العمال للرأسماليين (صندوق إضراب، لجان عمالية قاعدية، نقابات مصنعية.. الخ).

السياسة الثورية والحركة العمالية الآن:
لم يكن التراجع في الحركة العمالية قدرًا محتومًا. ولم يكن، كما يدعي البرجوازيين ومن وراءهم اليساريين الانتهازيين، مؤشرًا ودليلاً على قدرة الرأسمالية على تجديد نفسها وتجاوز تناقضاتها. فالرأسمالية – في مصر والعالم – لا تزال تعني الجوع والبطالة والقمع الطبقي وجنون السوق – وتعني قبل كل ذلك استغلال العمل المأجور. فما (ومن) إذن الذي سهل للبرجوازية مهمتها في قمع وتشتيت وإنهاك الحركة العمالية؟ ما الذي ينبغي على الثوريين فعله في الظرف الراهن؟

لم يكن في مقدور البرجوازية المصرية أن تحقق هذا القدر من النجاح في تكتيك الهجوم البطيء على قطاعات معزولة من الطبقة العاملة الذي اتبعته لولا المساعدات الثمينة التي قدمتها لها التيارات اليسارية الانتهازية (بمختلف اتجاهاتها)، ولولا الدور التخريبي الذي قامت به بيروقراطية النقابات الصفراء. فقد دافع هؤلاء وأولئك باستماتة عن انفراد الاتحاد العام للعمال – وكيل البرجوازية في صفوف العمال – بالعمل النقابي وناضلوا ضد كل من طرح شعار التعددية النقابية، وساهموا بالتالي في وأد أي مبادرة عمالية تطوير النضال القاعدي. وقام هؤلاء وأولئك بتخريب كل ما طالته أيديهم من النضالات العمالية، سواء عن طريق التنديد، أو التنصل، أو التسويف، أو الدعوة للعودة للنظام. وطرح هؤلاء وأولئك شعارات ودافعوا عن سياسات ناصرية برجوازية صغيرة تدعم عزلة وانقسام أجزاء الحركة العمالية عن بعضها البعض. وحتى عندما ظهر في أوساط اليسار يطرح شعار “الاستقلالية الحركة النقابية وضرورة الحركة القاعدية”، ظهر بسرعة البرق المضمون الانتهازي الصرف لسياسات هذا التيار الذي يحارب باستماتة ضد ربط الحركة النقابية (والنضال الاقتصادي للعمال) بالسياسة الثورية!!

إن الاستنتاجات التي ينبغي أن يصل إليها كل اشتراكي ثوري من فهم حالة الجزر الراهنة هي على الضد تمامًا من استنتاجات الانتهازيين الذين انتقلوا الآن كلية إلى معسكر البرجوازية. ففي ظل الهجوم الشرس للطبقة الحاكمة على مكتسبات وحقوق العمال، وفي ظل تشتت وانقسام الحركة العمالية تبدو الحاجة إلى منظمة ثورية أكثر إلحاحًا الآن أكثر من أي وقت مضى.

إن الرأسماليين يستعدون في الوقت الحاضر، كما تؤكد أحداث عام واحد تحت حكومة الجنزوري، لشن هجوم أوسع وأشمل على الطبقة العاملة وكل المستغلين. يندفع الرأسماليون في هذا الاتجاه في ظل شعورهم المتنامي بالثقة في قدرتهم على رفض إرادتهم على الطبقات الخاضعة، وتحت ضغط حاجتهم على تخفيض تكلفة سلعهم، وبالتالي رفع تنافسيتها، في السوق العالمي.

في ظل وضع كهذا، سيحتاج العمال في معاركهم الصعبة القادمة حتمًا إلى وجود قوة سياسية منظمة تناضل من أجل ربط المعارك الجزئية ببعضها البعض، من أجل أعطاء هذه المعارك طابع سياسي طبقي. فإذا كانت البرجوازية قد سعت إلى أضعاف وتشتيت الحركة العمالية باستخدام سياسة فرق تسد (ونجحت بدرجة كبيرة في مسعاها بدعم اليسار الانتهازي)، فإن على الثوريين أن يسعوا لمقاومة هذه السياسة باستماتة، وهذا لن يكون ممكنًا إلا بربط النضال الاقتصادي للعمال بالاشتراكية، أي بربط النضالات من أجل الإصلاح بالنضال من أجل الثورة.

أن المعارك القادمة للعمال ستكون صعبة. لأن الرأسمالية المأزومة لن تتراجع بسهولة عن اتجاهها للهجوم الشامل. فهي قد تقبل تراجعًا هنا أو تراجعنا هناك، ولكنها لن تقبل، ولن تستطيع، أن تتخلى عن إستراتيجيتها القائمة على تكثيف استغلال العمال وعلى إنقاص أجورهم الحقيقية. في هذه المعارك الصعبة لن يكون الانتصار العمالي سهلاً، حيث سيحتاج إلى شحذ كل الطاقات وكل المهم، وإلى أوسع قدر من التضامن، وإلى أكبر درجة من تماسك والثقة. ولذلك فهذه المعارك تحتاج إلى منظمة ثورية تربط بين المعارك الاقتصادية الجزئية وبين المضمون الشامل للصراع الطبقي، وتحارب كل التيارات السياسية الانتهازية، وتشرح للقطاع الصغير الطليعي من العمال الطبيعة الشاملة للمعركة الدائرة ومرحلتها الراهنة، وتنقل خبرات القطاعات المتقدمة من الطبقة العاملة إلى القطاعات الخاملة، وتحارب من أجل توسيع نفوذ السياسة الاشتراكية الثورية في صفوف العمال المتقدمين.

بناء هذه المنظمة الثورية المقاتلة هو المهمة العاجلة الملقاة على عاتق الاشتراكيين الثوريين. وهي مهمة، وإن كانت صعبة، إلا أنها حتمية. ويجب البدء فورًا في ظروف الجزر هذه في بناء هذه المنظمة على كافة الجبهات.