بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاحتجاجات العمالية.. محاولة للفهم

لا تزال الاحتجاجات العمالية تتواصل في كل أماكن العمل، بل أن رقعتها اتسعت لتشمل قطاعات جديدة من العمال. فوفقاً لتقرير المرصد النقابي والعمالي، بلغ عدد الاحتجاجات العمالية في الأسبوع الثالث من شهر أبريل 20 احتجاجاً عمالياً، في حين وقع 29 احتجاجاً عمالياً خلال النصف الأول من شهر مايو الجاري.

وبنظرة سريعة على هذه الاحتجاجات يتضح منذ البداية أنها حلقة جديدة من حلقات سلسلة التفجرات العمالية التي بدأت في التشكل مع إضراب عمال غزل المحلة في ديسمبر الماضي. هذه الحلقة تتسم بعدد من الملامح المميزة لها عن الموجة الأولى من الاحتجاجات، تتمثل هذه الملامح في الآتي:

أولاً: انتقال مركز الاحتجاج لقطاع الخدمات

إذا كان قطاع الغزل والنسيج قد شكل قاطرة الاحتجاجات العمالية في الشهور الماضية من إضراب غزل المحلة ثم غزل كفر الدوار ثم غزل شبين الكوم، فيبدو أن الموجة الثانية من هذه الاحتجاجات يقودها قطاع الخدمات وخاصة القطاع الحكومي. فمع احتفالات عيد العمال في أول مايو أعلن ما يقرب من 2000 عامل من عمال هيئة النقل العام اعتصام وإضراب عن العمل في الثاني من مايو بوسط القاهرة بجراجي النصر وفتح. في حين أعلن عمال بجراجات جسر السويس والأميرية والسواح الاعتصام تضامناً مع زملائهم في وسط القاهرة. كما هدد العاملون بجهاز مترو الأنفاق بالإضراب عن العمل بعد تجمهرهم واعتصامهم أمام مقر الإدارة. وفي 16 مايو عاود أكثر من 300 صراف ومفتش بجهاز تشغيل مترو الأنفاق اعتصامهم.

كما اعتصم ما يقرب من 3 آلاف مهندس زراعي بالقاعة الكبرى بمركز القاهرة الدولي للمؤتمرات بمدينة نصر. كذلك تظاهر عدد كبير من موظفي مكتبة الإسكندرية في الثاني من مايو أمام ديوان عام محافظة الإسكندرية. كذلك تظاهر عمال شركة آمون للتوكيلات الملاحية بالإسكندرية. كما قرر العاملون بمديرة الإسكان بمحافظة البحيرة تأجيل إضرابهم الذي كان مقرراً له يوم 29 أبريل الماضي بناء على وعود المحافظة بحل مشكلاتهم. ومجدداً أضرب عن العمل أكثر من 1400 عامل من عمال ومتعهدي النظافة بقطاعي العمرانية والجيزة. وكان أكثر من 2050 عامل من عمال النظافة بشبرا الخيمة قد أعلنوا الإضراب عن العمل لمدة خمسة أيام فى الفترة من 16 إلي 21 أبريل الماضي. كما قام أكثر من 400 سائق من متعهدي اسطوانات البوتجاز بمحافظتي الغربية وكفر الشيخ بالتجمهر أمام مصنع الاسطوانات التابع لشركة البترول بطنطا يوم 17 أبريل الماضي. وفي محافظة الشرقية اعتصم أكثر من 600 مدرس وإداري بمدارس الشبان المسلمين بالزقازيق يوم 19 أبريل.

كما هو واضح من الرصد السابق فقد تسلم قطاع الخدمات الراية من قطاع الغزل والنسيج في الموجة الثانية من موجات الإضرابات. وهنا فنظراً لثقل وأهمية قطاع النقل (النقل العام، السكة الحديد، المترو)، فقد بدا القطاع القائد في هذه الموجة، كما كانت غزل المحلة وكفر الدوار وشبين الكوم مراكز الثقل في الموجة الأولي.

إلا أن ذلك لا يعني القطاع الصناعي قد غاب عن الموجة الجديدة. بل على العكس فقد شهدت الفترة الماضية تحركات واسعة وبطولية لعمال مصنع المنصورة-أسبانيا الذين دخلوا إضراباً عن العمل في 20 أبريل الماضي ومازالوا مستمرين فيه حتى الآن وسط ضغوط أمنية وإدارية هائلة. كما اعتصم أكثر من 1300 عامل من عمال شركة «تراست» للصناعات النسيجية بالسويس. وفي السويس أيضاً اعتصم 95 عامل من عمال شركة أجواء للصناعات الغذائية «النخلتين»، والشركة العربية للغزل «بوليفار» بالإسكندرية. كذلك مازال اعتصام عمال الطوب الرملي بالصف بمحافظة الجيزة مستمراً حتي الآن، حيث بدأ في 12 أبريل الماضي. كذلك نفذ 150 عامل من عمال شركة «الخميرة» التابعة لشركة القاهرة للمخابز بمدينة السلام اعتصاماً استمر لمدة أربعة أيام. ومع بداية شهر مايو اعتصم أكثر من 1500 عامل من عمال شركة القومية للأسمنت بحلوان.

لكننا نستطيع أن نقول إنه بدخول مرفقي النقل العام ومترو الأنفاق والسكة الحديد حلبة الاحتجاجات تكتسب الموجة الثانية من التحركات العمالية دفعة قوية، شبيهة بدفعة إضراب عمال الغزل في الموجة الأولي.

ثانياً: مازالت الأجور مطلب العمال الرئيسي

بنظرة سريعة علي الاحتجاجات العمالية في الشهر الماضي نجد أن السبب الرئيسي في معظم هذه الاحتجاجات هو ضعف الأجر ومشتملاته من أرباح وحوافز وبدلات… إلخ. فقد رفع عمال مترو الأنفاق أثناء تجمهرهم مطالب زيادة الحافز، واستقطاع نسبة أرباح من صافي مبيعات التذاكر والتي تقدر بـ 3 ملايين جنيه يومياً بالإضافة إلي 2 مليون جنيه شهرياً قيمة الإعلانات. كما طالبوا باحتساب أجر إضافي عن يوم السبت الذي قرر الجهاز الإداري للدولة احتسابه ضمن أيام العمل الإضافية، وبزيادة بدل طبيعة العمل نتيجة زيادة مخاطر تعرضهم لشاشات الكمبيوتر الخاصة بصرف التذاكر.

وفي هيئة النقل العام طالب العمال في إضرابهم بزيادة الأجور وعودة الزي الرسمي، وإلغاء القرار التنظيمي رقم (10) بشأن الحافز المميز، ومنح السائقين الحق في عمل معارضة على المخالفات المرورية، وصرف بدل العدوى والعلاوات التشجيعية، وبدل طبيعة العمل، والرعاية الصحية، وتحسين مستوى مستشفى هيئة النقل العام، وتشكيل مجلس إدارة منتخب لصناديق التكافل وتمثيل العمال، وإعلان الميزانية ومراجعتها ضماناً لشفافيتها، كما طالب العمال بضرورة الكشف عن ميزانية جمعية الإسكان وإعلان ممتلكاتها.

وفي القومية للأسمنت جاء اعتصام العمال احتجاجاً علي رفض إدارة الشركة صرف باقي مستحقات العمال من الأرباح السنوية البالغة 7 ملايين و31 ألف جنيه، كما طالب العمال بصرف بدل طبيعة العمل على الراتب الأساسي وليس بداية مربوط الدرجة، أسوة بالمناصب القيادية في الشركة.

كما كان مطلب عمال المنصورة – أسبانيا في الإضراب هو الحصول على رواتبهم ومستحقاتهم المتأخرة عن شهري أبريل ومارس، بالإضافة إلى رفضهم لتصفية الشركة وبيعها. أما في مصنع أجواء للصناعات الغذائية «النخلتين» فكان تخفيض منحة عيد العمال وراء اعتصام العمال.

أما اعتصام عمال شركة الخميرة بمدينة السلام فقد كان سببه عدم صرف الحوافز والأرباح السنوية بعد أن تم الاتفاق علي استمرار تبعية المصنع لشركة السكر والتقطير المصرية، بدلاً من شركة مخابز القاهرة الكبرى، مع صرف جميع المستحقات المالية المقررة للعمال.

وفي الجيزة كان امتناع الشركة الوطنية «سان روز» للنظافة عن دفع رواتب متعهدي جمع القمامة وراء إضراب أكثر من 1400 من هؤلاء المتعهدين.

كما هدد أكثر من 1500 عامل من عمال وبريات سمنود بالاعتصام ثم الإضراب عن العمل احتجاجاً على عدم صرف الحوافز والمكافآت لهم أسوة بالشركات الأخرى. كذلك هدد عمال شركة كابري للأغذية بالاعتصام أمام بنك مصر (مالك الشركة) احتجاجاً على عدم صرف أجورهم منذ عام تقريباً.

ورغم أن الأجر كان السبب الأساسي وراء معظم احتجاجات العمال في الفترة الأخيرة، إلا أن هناك أسباب أخري دفعت العمال للاحتجاج تراوحت بين الفصل التعسفي عن العمل كما حدث في حالة عمال شركة آمون الملاحية، أو تصفية الشركة أو جزء منها، كما في حالة شركة القاهرة للزيوت والصابون وشركة المنصورة-أسبانيا، أو تعسف الجهات الإدارية، كما حدث مع متعهدي النظافة بشبرا الخيمة ومتعهدي توريد البوتجاز بالدقهلية، أو مطالبة العمال المؤقتين بالتثبيت كما كان الحال مع عمال هيئة الطاقة الذرية الذين تجمهروا أمام قصر عابدين مطالبين بتثبيتهم لحفظ حقوقهم ورفع مستوى روابتهم.

ثالثاً: استمرارية الاحتجاج

تتميز هذه الموجة من الاحتجاجات العمالية باستمرار بعضها لمدة لمدة طويلة نسبياً مع تصعيد في طبيعة الاحتجاج من اعتصام إلي إضراب ثم إضراب عن الطعام. المثالان البارزان على ذلك هما اعتصام عمال الطوب الرملي المستمر حتي كتابة هذا التقرير من 6 أسابيع، والذي طوره العمال بدخول بعضهم في إضراب عن الطعام، كذلك إضراب عمال المنصورة – أسبانيا الذي دخل أسبوعه الثالث وقت كتابة هذا التقرير، وكان العمال قد طوروا اعتصامهم إلي إضراب.

في المقابل لم تتجاوز احتجاجات القطاعات الحيوية في هيئة النقل العام والسكة الحديد ومترو الأنفاق ساعات محدودة. وربما يعود ذلك إلي حساسية هذه القطاعات وتأثيرها، الأمر الذي يدفع الدولة لمحاولة احتواء حركتها بأى وسيلة سواء عن طريق الاستجابة –أو التظاهر بالاستجابة– لمطالبهم، أو عن طريق الضغط والحصار الأمني المحكم.

رابعاً: رد فعل الدولة

كان واضحاً أن الدولة بدأت تتخلى عن سياسة المهادنة التي اتبعتها مع الموجة الأولي من الاحتجاجات. فبعد أن كان ممثلو الدولة سواء في وزارة العمل أو التنظيم النقابي الرسمي أو الإدارات يصفون مطالب العمال بالمشروعة في محاولة لامتصاص غضب العمال، بدأت النبرة تتغير لتصف تحركات العمال بالفوضى، ولتدعي عدم مشروعية الاحتجاج «عمال علي بطال» على حد قول وزيرة القوى العاملة عائشة عبد الهادي، وحسين مجاور رئيس الاتحاد العام. والمؤشر الآخر على تغير سلوك الدولة تجاه الاحتجاجات العمالية هو الدور التدخلي المباشر لأمن الدولة سواء لإرهاب العمال كما حدث مع عمال هيئة النقل العام، أو من خلال عملية التفاوض.

المستقبل .. فرص وتحديات

ربما يعد أحد أهم التحديات أمام حركة العمال في الفترة القادمة هو هذا المنحى الجديد للدولة في محاصرة الاحتجاجات وعدم الاستجابة لمطالبها على نحو ما تم في الموجة الأولى. هذا يعني أن حركة العمال في اختبار صعب، فمن المتوقع أمام تنامي الحركة أن تصعد الدولة هي الأخرى من هجومها. فقد أصبح من الواضح أن نظام مبارك الذي يعاني في الفترة الأخيرة لن يسمح ولن يحتمل زيادة وتيرة الاحتجاجات العمالية وتطورها لتمثل خطراً حقيقياً عليه. ومن ثم لن تتوانى الدولة عن توجه ضربة قاسمة في اللحظة المناسبة لهذه التحركات. وحتى الآن يمكن للدولة أن تفعل ذلك دون خسائر كبيرة، إلا إذا طور العمال من احتجاجاتهم. فبإمكان تحركات العمال أن تصبح تحدياً حقيقاً وأن تصبح عاصية على ضربات الدولة، إذا استطاع العمال توفير الدروع اللازمة لصد الضربات والهجمات. ورغم أن مكمن القوة العمالية الأساسية هو التضامن العمالي، يظل هذا التضامن طاقة ضخمة تتبدد في الهواء بمجرد انتهاء الاحتجاج إذا لم يتم تنظيمه في أشكال معينة يختارها العمال، خاصة في ظل خيانة النقابات الرسمية. لذلك فهناك أهمية قصوى في هذه المرحلة لبلورة تنظيمات عمالية موقعية من القيادات العمالية الطبيعية تكون بديلة عن التنظيم النقابي الموالي للدولة، وتعمل على أن تكون الدرع الواقي والعقل المدبر لحركة العمال في مواجهة الهجوم الأمني المتصاعد.

من ناحية أخرى فاستمرار الأجر كمطلب أساسي في حركة العمال، في نفس الوقت الذي ترتفع فيه أصوات واحتجاجات قطاعات مهنية أخري كالمعلمين والمهندسين والأطباء للمطالبة بتحسين الأجر، يعني أن جبهة العمال أصبحت أقوى بانضمام حلفاء آخرين إليهم، الأمر الذي قد يساعد علي تعطيل خطة الدولة في الهجوم المباشر. لذلك فهناك أهمية كبيرة في هذه المرحلة لإيجاد جسر مشترك بين معركة العمال والمهنيين، لأن المعركة في جوهرها واحد.