بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكادر الخاص للمعلمين.. وعود في الهواء

شهد العام الماضي تصاعدا في وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية كرد فعل طبيعي على سياسات النظام التي ثبتت الأجور لسنوات وقلصت الإنفاق على الخدمات، في الوقت الذي ترتفع فيه الأسعار بجنون. اتخذت هذه الاحتجاجات في عدد كبير منها طابع مهني، ولعبت فيها النقابات دورا ما، كذلك تركزت معظم المطالب على الأجور.

البداية .. وعد “الرئيس”

كان أبرز هذه الاحتجاجات تلك المتعلقة بما عرف بـ”الكادر الخاص” للمعلمين. فحين وعد حسني مبارك في حملته الانتخابية بكادر خاص للمعلمين لتحسين أوضاعهم المعيشية، كان يحاول استقطاب قطاع هام من قطاعات الشعب المصري يقدر بمئات الألوف. وكان هو ومهندسو الحملة الانتخابية يظنون أنه مجرد وعد كبقية الوعود التي لا تنفذها الحكومة والتي ينساها الشعب بسرعة. وربما تصوروا أيضا أن المدرسيين يستطيعون تدبير أمورهم عن طريق الدروس الخصوصية، غير مدركين أن الغالبية الساحقة من المدرسيين لا يعطون دروسا خصوصية.

وهكذا كان الوعد بالكادر الخاص مجرد حبر على ورق، وانتهى الكلام عنه بمجرد انتهاء الحملة الانتخابية. ولكن ما أثاره الوعد بالكادر الخاص (الذي يضع حداً أدنى للأجور) من توقعات كان النار التي أشعلت الهشيم، وذلك بعد أن اكتشف المدرسون كذب هذه الوعود.

وهكذا بدأت موجة من المطالبات بتنفيذ وعد “السيد الرئيس”، حتى أن الاحتجاج والغضب الصامت بدأ يظهر فى مناشدات من نقابة المعلمين لتنفيذ وعد الرئيس. وكانت حركة النقابة غير متوقعة من النظام. فطوال الوقت كانت نقابة المعلمين موالية بشكل واضح للدولة، ولا تعبر عن المطالب الحقيقية للمعلمين. فعلى مدار سنوات لم يتساهل النظام مع انتخابات نقابة المعلمين ولجانها الفرعية، حتى أن الأمن لم يسمح لأية عناصر خارجة عن فكره هو والحزب الوطني بالاندساس في قوائم المرشحين للنقابة العامة أو لجانها الفرعية.

المدرسون يتحدثون:

استمر غضب المدرسين في التصاعد، فلقد أصبح الكادر الخاص موضوعا يوميا للمناقشة، وأصبح المدرسين ينتظرون الكادر بشغف مشوب بالقلق. ويقول طارق، مدرس تربية فنية،: “أنا عارف من الأول إن الموضوع هيخلص على خصم عشرة جنيه من المرتب من كل مدرس”!!! ويضيف محمد، مدرس لغة انجليزية، ضاحكا: “والله يعملوها لأنهم متأكدين إننا مش هنتحرك”.

ويتصاعد السخط العام في أوساط المدرسين بسبب الشائعات المستمرة التي يلقى بها المسئولون من حين لآخر. فلقد أصبح الكادر مادة صحفية للاستهلاك اليومي في جرائد الحكومة، التي تحمل صفحاتها الأولى عناوين من قبيل: “مناقشة الكادر الخاص”، “وضع الإطار العم للكادر الخاص”، “الكادر في مجلس الشعب”، وبينما تنهال التصريحات ينتظر الكل دون أن يفهم شيئا. فالتصريحات متضاربة وملتبسة ومشروع القانون غامض والتصريحات ينفي بعضها بعضا. كذلك هناك ارتباط بين تهديدات المدرسين وتصاعد وتيرة التصريحات، ووصل الأمر إلى أن وزير التعليم نفى تطبيق الكادر الخاص وفى اليوم التالي صرح أحمد نظيف بأنه سيُطبَق بداية من العام المالي القادم.

وبمناقشة عدد كبير من المدرسين، أجمعوا على الشك في تنفيذ الكادر الخاص. أحمد، مدرس ثانوي فني صناعي، يقول إنه يشعر بالإهانة بسبب هذا الموضوع “يعني الحكومة بتستغفلنا ولا إيه بالظبط”. بينما يقول طارق، مدرس لغة عربية: “الكادر الخاص خلاص عام وباش”. بينما علق أمجد، مدرس جغرافيا، قائلاً: “الظاهر لازم نعمل مظاهرات زى عمال المحلة، مفيش حدد بياخد حقه من غير مظاهرات اليومين دول”. أما الأستاذ فرج فعبر عن حيرته وقلقه، مؤكداً أنه لا يفهم مشروع القرار الذي نشر منذ أسابيع، ولكنه يشعر بالخطر لأن الكادر لن يطبق سوى على ربع المدرسين فقط، قائلاً:”من الواضح إن الكوسة هتبقى للركب لأن مفيش معايير لاختيار مدرس دون آخر”.

ما العمل:

يبدو الكادر الخاص حتى الآن حلما يتبخر، بعد أن داعب خيال مئات الألوف من المدرسين الذين تصوروا أنهم سيعيشون حياة طبيعية. هذا الحلم الضائع ترك في نفوسهم مرارة ورغبة في التحرك حتى ولو وصل الأمر إلى التظاهر أو الإضراب عن العمل.

لكن الحركة الجماعية للمدرسين تحتاج إلى ناظم يدفعها في الاتجاه الصحيح وهذا أمر غاية في الصعوبة. فموقف النقابة لن يتجاوز تقديم العرائض لرئيس الجمهورية كي ينفذ وعده. ومن جهة أخرى فالنظام قد تمرس على المماطلة والمراوغة وترك المشاكل حتى تتراكم وتتفاقم ثم يعهد بها إلى الأمن المركزي .أما حركة التغيير السياسي فقد تمترست على سلالم نقابة الصحفيين، متجاهلة المطالب الاجتماعية والاقتصادية للمعلمين وغيرهم من فئات المجتمع من عمال ومهنيين. لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد أمل. فأمام الضغوط التي يتعرضوا لها، لن يكون أمام المدرسين سوى اكتشاف أن الطريق لتحسين أوضاعهم ليس انتظار وعود “السيد الرئيس”، بل النضال بأنفسهم من أجل انتزاع حقوقهم. والطريق الوحيد لذلك هو الدفع في اتجاه تنظيم أنفسهم من أجل أن تكون حركتهم مؤثرة وفعالة.