بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المهنيون في مصر

مثلت تحركات المهنيين واحدة من أهم ملامح الوضع السياسي في مصر في الأشهر الماضية. فقد فوجئ الكثيرون بتصاعد مطالب المدرسين بوضع كادر جديد للأجور، والتي وصلت إلى حد توزيع المنشورات والتهديد بالإضراب وعدم الإشراف على الامتحانات. كذلك اتخذ المهندسون عديدأ من الإجراءات للمطالبة برفع الحراسة عن نقابتهم، التي فرضتها الحكومة منذ 14عاماً. فقد قام تجمع “مهندسون ضد الحراسة” بمحاولة عقد الجمعية العمومية في مقر النقابة، والدعوة إلى وقفات احتجاجية، والتهديد بإعلان العصيان المدني، والإضراب لفترات محدودة في مواقع العمل. وشهدت الفترة الماضية أيضاً تحركات من جانب الأطباء وأطباء الأسنان للمطالبة بوضع كادر خاص للأجور، وعقد الصيادلة جمعية طارئة أواخر العام الماضي احتجاجاً على حملات التفتيش والتنكيل الذي تقوم به الحكومة ضد الصيدليات.

ومن الملفت أن هذه الفئات لم يكن معهوداً بالنسبة لها أن تتخذ مبادرات صدامية مع الحكومة، بل أنها ظلت لفترات طويلة في وضع متميز نسبياً على الأقل مقارنة بغالبية السكان من العمال والفلاحين وفقراء المدن. وفي كل الأحوال، لا يمكن فهم الصعود الراهن في حركات المهنيين دون الوقوف على أثر التغيرات التي لحقت بوضعية الطبقة الوسطى في ظل سياسة الليبرالية الجديدة، التي توجهت نحوها الدولة بثبات منذ نحو خمس عشرة سنة.

ويمكن القول إن الطبقة الوسطى شهدت صعوداً واضح في الحقبة الناصرية، حيث أدى التوسع في التعليم والتصنيع وتصاعد دور الدولة في تقديم الخدمات الاجتماعية إلى اتساع هذه الطبقة بشكل غير مسبوق، بحيث تمكن الكثير من أبناء الفقراء من عمال وفلاحين من الانتقال إلى صفوف هذه الطبقة. ورغم اختلاف التوجهات الاقتصادية والاجتماعية خلال حقبة السادات، وما ترتب عليها من انحسار لدور الدولة، وارتفاع في الأسعار، إلا أن وضع تلك الطبقة ظل متماسكاًُ إلى حد كبير نتيجة عدد من العوامل. فقد استمر دور الدولة في تعيين الخريجين، وإن كان بشكل أبطأ وأقل كفاءة عما كان عليه الحال في الحقبة الناصرية. من ناحية أخرى، أدى الانفتاح والتوسع في دور القطاع الخاص والاستثماري إلى حدوث نوع من الرواج أسفر عن فتح آفاق جديدة للأعداد المتزايدة من خريجي الجامعات. غير أن التطور الأهم في تلك الحقبة كان فرص العمل في دول الخليج، عقب ارتفاع أسعار النفط بعد حرب أكتوبر. فقد مثل هذا التطور مخرجاً للطبقة الوسطى –وكذلك الطبقة العاملة والبرجوازية الصغيرة من الحرفيين— حتى أن الكثير من أبناء تلك الطبقة استطاعوا تكوين ثروات هائلة وتحولوا إلى رجال أعمال وأصحاب مشروعات كبرى.

غير أوضاع الطبقة الوسطى شهدت تراجعاً مضطرداً في عهد مبارك. فمن جهة توقفت دول الخليج عن كونها منفذ يستوعب تدفق أعداد كبيرة من المهنيين المصريين، نتيجة لاستكمال أعمال البنية التحتية في تلك الدول، وتفضيل العمالة المحلية والآسيوية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية نسبياً لدى بعض هذه الدول. ومن ناحية أخرى، تخلت الدولة عن دورها الاقتصادي والاجتماعي كلية، فتوقفت عن تعيين الخريجين نهائياً وعن الخدمات الاجتماعية الأساسية، من تعليم وصحة وإسكان وغيرها. كذلك فقد أدى بيع القطاع العام إلى تدهور في أحوال قطاع كبير من أبناء هذه الطبقة الذين كانوا يتمتعون بأوضاع حياتية مستقرة نسبياً. وفي نفس الوقت، فشلت الحكومة المصرية في جذب الاستثمارات التي يمكن أن تعوض أفول الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة. وأصبحت الفرص المتاحة في المجالات الأكثر تميزاً مثل البنوك الاستثمارية والشركات الكبرى تتطلب مهارات غير متوفرة لغالبية الشباب من الحاصلين على التعليم العام والذين لم يكن بمقدور أسرهم إلحاقهم بالتعليم المتميز، مما جعل هذه الفرص حكراً على من تمكنوا من تلقي تعليم مرتفع الثمن.

كذلك فإن سياسة الليبرالية الجديدة وما يترتب عليها من فتح أبواب الاستثمار أمام الشركات العملاقة وتصاعد ظاهرة الاحتكار التي هي نتيجة طبيعية لهذا الوضع، أثرت سلباً على بعض قطاعات الطبقة الوسطى. ولعل حالة الصيادلة ذات دلالة في هذا الشأن. فقد قامت الحكومة بحملات تفتيش واسعة على العديد من الصيدليات في القاهرة والمحافظات خلال الشهور الأخيرة من العام الماضي، وتم إلقاء القبض على بعض الصيادلة. وكان الهدف من ذلك هو التضييق على هذه الفئة لصالح سلاسل الصيدليات العالمية التي بدأت تنشئ فروعاً لها في مصر. وأصبح الكثيرون من الصيادلة يحذرون من أن الموارد الهائلة المتوفرة لهذه الصيدليات العالمية تجعل الصيدليات الصغيرة غير قادرة على المنافسة وتهدد بخراب بيوت الكثير من أصحابها.

لكل الأسباب السابقة، شهد الربع قرن الأخير تدهوراً ملموساً في حالة الطبقة الوسطى بشكل عام، وذلك باستثناء الشريحة الأعلى الضيقة من الذين تؤهلهم قدراتهم التعليمية وصلاتهم العائلة من تأمين مستقبل مستقر. وظلت القطاعات الأوسع من أبناء هذه الطبقة تعاني تدهوراً مستمراً في حياتها المعيشية، وأصبحت قطاعات كثيرة منهم تقترب من أوضاع الطبقة العاملة، سواء فيما بتعلق بانخفاض الأجور، أو بصعوبة ظروف العمل، أو حتى بنوع المهن نفسها، حيث أصبح من الشائع أن نرى خريجين الجامعة يعملون عمالاً في المحلات والمطاعم وغيرها. لذلك فإن إغلاق الأفق أمام القطاعات الأوسع من الطبقة الوسطى يجعل التقارب في المصالح بين تلك الطبقة وبين الطبقة العاملة أعلى منه من أي وقت في الماضي القريب، ويتيح إمكانية أن تتصاعد مساهمة الطبقة الوسطى في مقاومة الآثار المدمرة لليبرالية الجديدة.