بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

الصحفيون غير النقابيين الوقود الحقيقي لماكينة الصحافة في مصر

المحررون الفقراء في الشارع

“احنا اتفصلنا من الجورنان من غير سبب، كنا شغالين وجايين من تغطية خبر في الشارع، وفعلا جينا الجورنان، وشربنا شاي، وبعدين، جه رئيس القسم، وكلمنا كأننا عبيد فى مزرعته، وقال لنا يلا يا جماعة روحوا، انتوا في اجازة دائمة، احنا فصلناكم ، ولما سألناه يعني ايه ؟ قال لنا هو كده. وما لكمش حق عندنا ولا باطل.. ولما رفضنا نمشي قال لنا بكل برود: رئيس التحرير شايط ومش عايز دوشة.. يلا مع السلامة، مش عايزين غلبة، وبعدين اللى مش عاجبه يروح يقدم فينا شكوى لأوباما”.

هكذا تحدث 24 محرر ومحررة في صحيفة المسائية فى 18 يوليو الماضي لجريدة الاشتراكي.

هذه حكاية صغيرة من حكاوى الفصل التعسفى التى هبت فى الفترة الأخيرة على معظم الصحف ، القومية التى يديرها المجلس الأعلى للصحافة ، ويرأس تحريرها موظفون لدى أجهزة الأمن والحزب الحاكم ، و الصحف الخاصة التي يملكها رجال أعمال ، ويرأس تحريرها صحفيون أغنياء يحصلون على عشرات الآلاف من الجنيهات. والسطور التى قرأتموها هى سيناريو بالكربون لحالات فصل عشرات الصحفيين الفقراء فى صحف الفجر والأهالى وصوت الأمة والغد والوطنى اليوم وغيرها . وفى آخر كل حكاية نصل الى الشارع الذي يجمع المفصولين جميعا على رصيف واحد . !

نقابة بلا فاعلية

فى مواجهة ظروف عمل قاسية، وصحفيون مقهورون في مواجهة إدارات صحف متجبرة . ونقابة غائبة ، وقانون نقابة بالطبع أشبه بورق التواليت . فالغريب أن القانون 96 لسنة 1996 ينص فى مادته السابعة عشر على أنه لا تجوز إحالة أى صحفى الى اللجنة الثلاثية قبل إخطار مجلس نقابة الصحفيين كتابة بالأسباب ومنح النقابة فرصة زمنية للتوفيق بين الصحفى ومؤسسته . ورغم أن النص حاسم وواضح إلا أنه لا يطبق ولا يجد من يطبقه ويدافع عنه ، حيث أنه بعد إقرار قانون العمل الموحد الذى حوّل اللجنة الثلاثية إلى خماسية بإضافة عنصرين قضائيين إليها ، لا يزال الصحفيون يمثلون فى هذه اللجنة بواسطة ممثل المنظمة النقابية العمالية المفترض جهله بعلاقات العمل الصحفية، وليس من خلال نقابة الصحفيين المسئولة عن شئون المهنة وعلاقات العمل!

صحفيين فوق وصحفيين تحت الأرض

هنا يكمن جوهر الصراع داخل الصحف الخاصة والمؤسسات القومية . الصراع الذي يفرز وقائع طرد وفصل محررين فقراء لا يملكون سوى مهارتهم وكفائتهم المهنية ، ويبقى في صدارة المشهد صحفيين أغنياء في التكييف ، تندهش أنهم يكتبون مقالات نارية عن الفساد والاستغلال ، وهم يملكون كل شيء : رؤساء تحرير يقبضون بعشرات الآلاف، وهم متواطئون مع ملاك الصحف ، ورؤساء مجالس إدارات ورؤساء تحرير مؤسسات قومية يحصلون غالبا على مئات الآلاف من الجنيهات ، هم وحاشيتهم من مرتزقة الإعلانات والموظفين . وهنا يمارس الطرف الأقوى الذي يملك المال وادوات العمل ، والنفوذ ، سلطته على الطرف الأضعف، من المحررين الذين لا يجدون من يدافع عنهم ، سواء كانوا أعضاء فى نقابة الصحفيين أو غير معينين داخل المؤسسة الصحفية . ويزداد تسلط الطرف الأقوى فى هذه المعادلة مع غياب نقابة الصحفيين التي ترعى مصالح الطرف الأقوى وتعبر عنه في مقابل جمعية عمومية غائبة ومشتتة ، ا تضغط على مجلس النقابة، ولا تتجمع إلا فى مناسبات عرض فيلم سينمائي أو مسرحي داخل مبنى النقابة.

هذا كله دافع لنا للبحث عن طريق جديد، يحفظ للصحفيين حقوقهم ووحدتهم، ويرعى مصالحهم، وهو طريق لا يمكن أن تسير فيه الجماعة الصحفية إلا بوحدتها على مطالب محددة تتمثل في تعديل قانون نقابة الصحفيين الذى عفى عليه الزمن، فما يحتاجه الصحفيون حاليا هو قانون جديد للنقابة، يحميهم من تجبر إدارات الصحف، ويضع قواعد جديدة للقيد فى النقابة، بحيث ينقذ الصحفيين من قهر إدارات الصحف لهم، فالصحفيون غير النقابيين أصبحوا الآن هم الوقود الحقيقى لماكينة الصحافة فى مصر، ورغم ذلك لا يجدون من يحميهم أو يمنهحم فرصة أفضل فى الإنضمام للنقابة، التى أصبح دورها منع الصحفيون من الالتحاق بها، وعلى القانون المنشود أن يجبر إدارات الصحف على تحديد فترة لتعيين الصحفيين، تتراوح من 6 أشهر إلى عام، وذلك عن طريق وضع آلية حقيقية لمراقبة الصحف، وحصر اسماء الصحفيين فيها بطريقة دورية، بالإضافة لضرورة التعامل مع عقد العمل والأرشيف الصحفى باعتبارهما المسوغان الرئيسيان للقيد فى النقابة، دون الحاجة لخطاب رئيسي التحرير ومجلس الإدارة، والذى أصبح سيفا مسلطا على رقاب الصحفيين، خاصة فى الصحف المستقلة.

ولمواجهة شلال الفصل التعسفي الذى يجرف معه مستقبل الصحفيين الشبان فإنه من الضرورى، وحتما ، أن يكون هناك ضغط مستمر من الجمعية العمومية للصحفيين لإجبار مجلس النقابة على أن يقوم بدوره في انقاذ الصحفيين، وصرف اعانة مادية فورية لهم حتى عودتهم إلى أعمالهم ، ومحاسبة رؤساء التحرير المسئولين عن فصل الزملاء فى كل الصحف، وتفعيل الاقتراح الذي قدمه الزميل أحمد النجار ، عضو مجلس نقابة الصحفيين بفرض رسم إعانة فقر وبطالة قدره مائة جنيه سنويا، على كل أعضاء النقابة، على أن يتم تحصيله منهم عند تجديد بطاقات العضوية، بحيث تستخدم حصيلته في تقديم إعانات للصحفيين الفقراء والمفصولين والمتعطلين رغما عنهم، كبداية لخلق حالة تضامنية بين أبناء مهنة واحدة تتعرض لتوحش رأس المال.