بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العمالة المصرية المهاجرة

بدأ في منتصف أبريل الماضي صرف تعويضات حرب الخليج الثانية للعاملين المصرين الذي تضرروا من هذه الحرب. حيث بدأ توزيع الدفعة الأولى من هذه التعويضات وتبلغ قيمتها 58 مليون 335 دولار أمريكي. ينتهي بهذا فصل آخر من فصول مشاكل العاملين المصريين بالخارج، ولكنه بالتأكيد ليس الفصل الأخير.

هذه التعويضات التي تأخر صرفها 6 سنوات كاملة ليست سوى أحد أوجه المشكلة أو المشاكل التي تتفاقم وتزداد وطأتها في ظل الأزمة التي تشهدها الرأسمالية المصرية. فالعمالة المصرية المهاجرة تشهد الآن أسوأ أوقاتها على الإطلاق وتتنوع أشكال الاستغلال التي تتعرض لها تنوعًا شديدًا غير مسبوق.

ورغم هذا لا تزال الأزمة الرأسمالية التي تنعكس في الارتفاع المتزايد في نسب البطالة وفي عدد العاملين (الذي ارتفع من حوالي 175 ألف عام 1960 إلى ما يزيد عن المليونين في عام 1986 في حين زادت نسبة البطالة من 2.2% عام 1960 إلى 7.7% عام 1976 ثم إلى 14.7% عام 1986، لا تزال هذه الأزمة تدفع بالآلاف من المصريين للبحث عن فرص عمل بالخارج لتقدمهم الرأسمالية والحكومة المصرية لقمة سائغة للرأسماليات العربية وليتم التضحية بهم على مذبح التراكم الرأسمالي.

فالارتفاع في عدد المصريين العاملين في الدول العربية من 70.000 فرد عام 1975 إلى 1.050.000 عام 1980 ثم إلى حوالي المليونين في أغسطس 1990، هذا العدد الكبير من العاملين بالخارج هو نتيجة منطقية للسياسات الرأسمالية الساعية إلى التجارة بهذه العمالة كوسيلة من وسائل خروجها من أزمتها. ومنذ بدايتها كانت سياسات تشجيع هجرة العمالة واضحة في مضمونها الطبقي وضوحًا لا يحتمل اللبس، ولعل أصدق مثل على هذا المضمون هو أحد تصريحات ممدوح سالم رئيس الوزراء المصري في بداية السبعينات وهي الفترة التي شهدت بدء السياسات الرامية لزيادة هجرة العمالة، والذي يقول فيه “لابد أن يكون هدفنا بالنسبة لتصدير القطن والأرز وأن نكسر الكلام الخاص بتقييد الهجرة وعدم تصدير البشر”.

تصدير البشر كسلعة كان هو – ومازال – الحل الذي لجأت إليه الحكومة المصرية للحصول على العملة الصعبة ولتخفيف حدة البطالة، تصدير البشر والمتاجرة فيهم كشكل مختلف من أشكال استغلال العمالة، هذه التجارة انعكست في ارتفاع أرقام تحويلات المصريين من الدول العربية والتي وصلت إلى 2664.8 مليون جنيه مصري عام 1984 وزادت إلى 9763.7 مليون جنيه مصري في الفترة 1989 – 1990.

هذا المنطق في التعامل مع العمالة المهاجرة وتشيئها كان دائمًا حائل بين الحكومة المصرية وبين قيامها لأي دور أو عمل إيجابي في الدفاع عن حقوق أو أوضاع هؤلاء المصريين. هذه الحقوق التي انتهكت ومازالت تنتهك من قبل البرجوازية العربية التي لا تتوانى هي الأخرى عن اعتصار العمالة المهاجرة واستغلالها أسوأ استغلال.

بدءًا من قوانين استقدام العمالة في هذه الدول التي تكرس لهذا الاستغلال. حيث تفرق هذه القوانين تفرقة واضحة بين الحقوق الممنوحة للعمال الأجانب بالمقارنة بالعالمين من نفس البلد. ففي السعودية مثلاً، تضع القوانين المنظمة لعمل الأجانب قيودًا على حق الإضراب، ولا يحق للعمال تغيير وظائفهم بدون مراجعة جوازات السفر، هذا بالإضافة بالطبع لنظام الكفيل الذي يعد عودة لنظام العبودية. فهو يتيح للكفيل (صاحب العمل غالبًا) الفرصة في التحكم الكامل في العامل عنده بل أنه من الممكن أن يمنعه من السفر والعودة لبلده نظرًا لاحتجاز لجواز السفر.

بالإضافة إلى ما سبق تقوم الحكومة من وقت لآخر بعمليات طرد جماعي للعمالة المهاجرة مما يلقي بالرعب في نفوس العاملين ويشعرهم بالتهديد الدائم في حالة أي اعتراض. دولة أخرى مثل الأمارات أكدت في قوانينها على الحق في ترحيل أي عامل أجنبي يعصي أوامر صاحب العمل أو يحاول تنظيم إضراب عن العمل، كذلك في حالة إهانة صاحب العمل أو من يمثله.

أما الهدف من مثل هذه القوانين والتشريعات فهو واضح تمامًا. فهي تحقيق مجموعة من الفوائد للحكومات ولأصحاب الأعمال. أول هذه الفوائد وأهمها هو الحيلولة دون اندماج العمالة المهاجرة وذوبانها في النسيج الوطني. فمثل هذا الاندماج سوف يفقدها الفائدة الأولى التي تحققها من استخدام عمالة مهاجرة وهو استفادتها من هذه القوة البشرية بدون اضطرارها لتحمل تكاليف إعادة إنتاج العمالة. فالعمالة التي تأتي لها هي عمالة مؤهلة بالفعل تحملت دول الإرسال تكاليف إعادة إنتاجها وتأهيلها حتى تصبح قادرة على العمل. تذهب هذه العمالة إلى دول الاستقبال التي تستخدمها وتشغلها بدون أن تضطر إلى القلق على التكاليف إعادة إنتاج عمالة أخرى. فعائلات هؤلاء العمال في دول الإرسال تتحمل عبئها هذه الدول، حتى في حالة وجود عائلتهم معهم في دول الاستقبال فهم لا يتمتعون بالخدمات نفسها التي يتمتع لها الوطنيون بالطبع، لأن تصنيفهم كغير مواطنين لا يعطيهم نفس الحقوق. فتظل دائمًا دول الإرسال هي المتحملة لتكاليف إعادة إنتاج وتضمن دول الاستقبال وجود جيش من العمالة المؤهلة المستعدة دائمًا للانضمام لجيش العمال في هذه الدول.

ومن ناحية أخرى التفرقة بين العمالة الوطنية والعمالة المهاجرة وتعميق إحساس مواطنيها بهذه الفروق تمنع إحساس بالتضامن بين هاتين الفئتين مما يتيح لرأسمالي هذه الدول بإشعال المنافسة بينهم والتي تنعكس في انخفاض الأجور التي تمنح لكلا الفئتين. كذلك يتيح وجود عمالة مهاجرة لدول الاستقبال إلقاء اللوم على هذه العمالة (في حالات الأزمات الاقتصادية) واتهامها بأنها السبب في المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها هذه الدول وأنها السبب في ارتفاع نسب البطالة بين مواطنيها وبالتالي يصبح التخلص من هذه العمالة المهاجرة في نظر القوى العاملة الوطنية هو الحل لأزماتها وليس التخلص من الاستغلال الرأسمالي الذي يعد السبب الحقيقي في أزمتها.

أخيرًا، وضع العمالة المهاجرة الحساس في دول الاستقدام بالإضافة إلى وجود منافسة بين مختلف الجنسيات لا يسمح بوجود أي شكل من أشكال التضامن بينهم وبالتالي لا يمكنهم من مقاومة الاستغلال الواقع عليهم أو المطالبة بحقوقهم والضغط لنيلها. لهذه الأسباب مجتمعة نلحظ ارتفاع أعداد العمالة الغير الوطنية التي تستخدمها الدول العربية. ففي دولة مثل السعودية كانت نسبة العمالة المستورة إلى نسبة العمالة الوطنية تتراوح ما بين 44% و59% أما في الكويت فكانت نسبة العمالة الوافدة 79% وفي الإمارات 89% أما في العراق فقد تراوحت ما بين 19% و25%.

هذه الأرقام تظهر بوضوح إلى مدى استغلت البرجوازيات العربية العمالة المهاجرة لتحقيق التراكم عن طريق استغلال وتكريس وضع العمالة المهاجرة الضعيف. هذا الوضع أتاح لها أيضًا أن تتعامل مع هذه الفئة بشكل غير آدمي وأن تكثف من استغلالها بمختلف الأساليب خاصة في فترة أزمتها التي بدأت في منتصف الثمانينات بسبب الانخفاض العالمي في أسعار البترول. أشكال الاستغلال عديدة ومختلفة ويكفي هنا أن نذكر بعض الأمثال الدالة والموضحة لظروف هذا القسم من الطبقة العاملة. فعلى سبيل المثال يقوم أصحاب الأعمال بالاستغناء عن العمال قبل انتهاء فترة الاختيار المحددة بثلاثة أشهر ثم يتم ترحيلهم من البلاد. هذا الوضع أدى لخلق أسواق في هذه الدول تعرف بأسواق العمالة المخالفة في بعض المدن الكبيرة مثل جدة والرياض وغيرها. في هذه الأسواق تعرض العمالة المخالفة في انتظار أي فرصة عمل وبأي شروط وأصبحت هذه الأسواق معروفة لأصحاب الأعمال الذين يلجئون إليها للحصول على العمالة اللازمة وبأرخص الأجور.

نوع آخر من أنواع الابتزاز تشهده هذه العمالة وهو المتعلق بالأجور، فبعد الاتفاق على أجر معين في العقد وعندما يصل العامل المصري إلى الخارج يحاول صاحب العمل تغيير العقد وخفض الأجر حتى يصبح أقل من الحدود الدنيا (التي حددتها وزارة القوى العاملة) حتى أن العامل في هذه الحالة لا يستطيع بأي شكل من الأشكال استرداد الأموال التي دفعها من أجل السفر. أما الأمثلة الأكثر بشاعة والتي تتعدى الاستغلال بشكله المعروف فهي كثيرة، لعل أخرها كان مأساة الطبيب المصري الذي قامت السلطات السعودية بالحكم عليه بالجلد ونفذ الحكم لأنه تجرأ وأتهم ناظر مدرسة ابنه باغتصابه.

إلى هذا الحد وصل المال وصلت درجة المهانة ونكران أبسط الحقوق الإنسانية. وبالطبع لم تحرك حكومتنا ساكنًا ولم تحاول إثارة أي مشكلة مع الحكومة السعودية ردًا على هذا الاعتداء. وغير هذه الحادثة الكثير الذي تمتهن فيه الحقوق المادية والإنسانية للعاملين في الخارج بدون أي تحرك للمحافظة على هذه الحقوق.

أن حاجة الرأسمالية الدائمة للتراكم والتوسع في الأسواق، وما يؤدي إليه ذلك من حركة للاستثمارات وانتقال الرساميل بين بلد وآخر، كانت دافعًا رئيسيًا وراء هجرة العمالة وانتقال جموع واسعة من الأيدي العاملة بين القارات على امتداد تاريخ الرأسمالية. ومع صعود الشركات متعددة الجنسية والاتجاه إلى عولمة الاقتصاد في تقسيم عمل عالمي لعملية الإنتاج، ازدادت حدة حركة انتقال الرساميل بين البلدان المختلفة ومعها ازدادت أيضًا حركة هجرة العمالة. لكن لأن ذلك يحدث في ظل أزمة رأسمالية حادة فإنه يؤدي إلى تكثيف استغلال العمالة المهاجرة، حيث تمارس ضدها أشكال مضاعفة من الاضطهاد تفرض عليها العمل بأجور متدنية وفي ظل شروط عمل غاية في السوء.

إن الطريق الرئيسي أمام هذه العمالة للتخلص من الاستغلال المكثف الذي تتعرض له، هو الاندماج في النسيج الاجتماعي لدول الاستقدام والدفاع عن وحدتهم مع العمال الوطنيين، والنضال معهم من أجل الحصول على حقوق متماثلة. والعمل على خلق التنظيمات العمالية التي توحد حركة الطبقة العاملة في مواجهة الرأسمالية، العدو الرئيسي سواء للعمال الوطنيين أو المهاجرين.