بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العمال والأجور والصراع الطبقي

كما يعلم كل عامل من خلال تجربته المريرة، تعرضت الطبقة العاملة المصرية في العقود الأخيرة لأشرس الهجمات التي واجهتها في تاريخها. فتحت شعار “الإصلاح الاقتصادي” مارست الدولة – متضامنة مع ومعبرة عن الرأسماليين الأفراد – سياسة تكثيف الاستغلال بمعناها المباشر الفظ. وبالرغم من أن تلك السياسة تمتد لتشمل كل أوجه الحياة المادية للعمال والفقراء، من صحة وإسكان ومواصلات ومرافق وخدمات، إلا أن مجالها المركزي – كما أن نقدر – كان هو تقليص الأجور بأقسامها المختلفة.

تستحق قصة تخفيض الأجور في مصر أن تروي، ليس فقط لأنها تعكس معاناة الجماهير العاملة في ظل سياسات السوق الحر، ولكن أيضًا لأنها تكشف عن جوانب عديدة من المعركة الطبقية الدائرة في المجتمع. فالصراع حول الأجور واتجاهات تطورها وأقسامها المختلفة يلخص بشكل مكثف وذو دلالة الخصائص ن مجالها الأساسية للنضال الطبقي في وضعه الراهن، سواء كما يظهر داخل المصنع يظهر على المستويات السياسية الأعم.

وحتى نستطيع أن نفهم ما يحدث بالضبط، ربما تكون أفضل بداية هي إعطاء لمحة إحصائية عن تطور الأجور واتجاهاتها، سواء في جانبها المباشر (الأجر النقدي الذي يحصل عليه العامل) أوفي جانبها غير المباشر (الأجر الاجتماعي الذي يصل للعامل في صورة دعم وخدمات مجانية أو مخفضة تقدمها الدولة).

تدهور الأجور المباشرة:
أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء – وهو جهاز الإحصاء الرسمي – تقدم صورة مشكوك فيها إلى حد كبير لتطور الأجور المباشرة في العقود الثلاثة الأخيرة. وقبل الحديث عن أسباب الشك في أرقام الدولة، خاصة بالنسبة للعقد الأخير،

نبدأ أولاً بالنظر إلى الصورة الإجمالية لنصيب الأجور من الدخل القومي كما تلخصها إحصاءات الحسابات القومية. تشير تلك الإحصاءات إلى التدهور المستمر لنصيب الأجور من إجمالي الدخل القومي منذ أواسط السبعينات وحتى اليوم. ففي الفترة من 1974 إلى 1985 أنخفض نصيب الأجور من 50 % إلى 33 %. ثم تواصل الانخفاض لتصل نسبة الأجور من الناتج المحلي الإجمالي بتكلفة عوامل الإنتاج إلى 38.3 % في 1989 / 1990، ثم إلى 26 % في 1994 / 1995.

جانب آخر مختلف نسبيًا من الصورة تستطيع أن نكشفه من خلال النظر إلى إحصاءات متوسطات الأجور التي تحسب من خلال البحوث الميدانية في مواقع العمل. إذ تقول إحصاءات “التوظف والأجور وساعات العمل” أن الأجور مالت بشكل عام نحو التصاعد في المرحلة الممتدة من بداية النصف الثاني للسبعينات وحتى نهاية النصف الأول من الثمانينات. فقد ارتفع الرقم القياسي للأجر الحقيقي خلال هذه المرحلة من 103 عام 1976 (سنة الأساس 1972) إلى 137 عام 1985. ثم تضيف الأرقام؛ في حديثها عن المرحلة التالية، أن منحنى الأجور الحقيقية قد شهد انهيارًا كبيرًا بدءًا من 1985 وحتى 1992. حيث انخفض الرقم القياسي للأجور من 137 في 1986 (كما ذكرنا) على 77 في 1992! وهذا بالطبع انهيار مروع بكل المقاييس.

تتقدم الأرقام بعد ذلك إلى الحديث عن أعوام التسعينات لتشير إلى أن الرقم القياسي للأجور على مدى معظم سنوات هذا العقد قد استقر عند المعدل ما بين 77 و81. إذ وصل الرقم القياسي للأجر إلى 81 في 1993، ثم هبط قليلاً إلى 78 في 1995 ثم ارتفع بعض الشيء في 1998 ليصل إلى 80 % ولكن نلاحظ أنه لم يعد أبدًا إلى مستواه في بداية السبعينات، ناهيك عن عودته إلى نقطة ذروته في أواسط الثمانينات. ولذلك، فوفقًا لأرقام الدولة – لو صدقناها – يمكننا أن نقول بثقة أن العامل المصري كان يحصل في 1998 على أجر حقيقي أقل بنسبة 20 % من مما كان يحصل عليه في مطلع السبعينات (لا ننسى هنا أن الرقم القياسي للأجر في 1972 كان 100).

عند هذا الحد تتوقف سلسلة أرقام الجهاز المركزي. ولكنها في الواقع تثير شكًا كبيرًا حول مصداقية المؤشرات التي تقدمها بالنسبة للأعوام بدءًا من 1993. فهل حدث بالفعل أن استقرت الأجور في هذه السنوات؟ وهل لم تشهد تراجعًا إضافيًا؟ وإذا كانت هذه هي الحقيقة، فكيف يمكن تفسيرها على خلفية الوقائع الملموسة للإفقار والتشريد التي تصاعدت في تلك المرحلة التي شهدت تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي؟

الحقيقة هي أننا لا ينبغي أبدًا أن نقبل تلك الأرقام على علاتها. فإضافة إلى الميل المتأصل لجهاز الدول لفبركة الأرقام عن الإنجازات غير المسبوقة – وهو ميل استفحل في سنوات النصف الثاني من التسعينات تحت حكومة الجنزوري – يمكننا أن نرصد عدة عوامل تشير كلها إلى أن أرقام الأجور في التسعينات تميل لتضخيم الحقيقة.

أول هذه العوامل هو أن إحصاءات الجهاز لا تأخذ في اعتبارها الجانب الأساسي في عملية الإفقار الذي بدأ مع برنامج الإصلاح، ثم تسارع مع انطلاقة الخصخصة بدءًا من 1996. نعني بذلك عمليات الطرد والتشريد التي شهدها القطاع العام. فبينما كانت الأجور – حسب رواية الدولة المشكوك فيها – تستقر في التسعينات، كان مئات الآلاف من العمال يطردون من مصانعهم ف إطار سياسة المعاش المبكر المعروفة لنا جميعًا. ويشير إحصاء الإنتاج الصناعي السنوي مثلاً في هذا الصدد إلي أن عدد العمال في القطاع العام قد تقلص بين عامي 1997 و1998 بنسبة 13.2 % فقط. وهو ما يعني أن الزيادة الحقيقية في الأجور الإجمالية في ذلك العام كانت سلبية. وهكذا فإن استقرار الأجور في القطاع العام في التسعينات – إذا ما نزعنا عنه غطائه تدهور الأجور متلازم مع مجزرة تشريد أتت على خلفية تناقص حاد في الأجر بأكثر من 40 % على مدار السنوات التي سبقت التباطؤ!

عامل ثاني ينبغي وضعه في الاعتبار لتصحيح الصورة التي تقدمها إحصاءات الدولة هو ذلك المتعلق بتدهور شروط العمل في كافة القطاعات الإنتاجية. فقد تضمنت إعادة هيكلة الرأسمالية ليس فقط الطرد والتشريد، وإنما تشديد شروط الاستغلال في الجانب المتعلق بطول يوم العمل، وبالرقابة شبه العسكرية على عملية الإنتاج. وقد تزايدت في السنوات الأخيرة نسبة الإضرابات احتجاجًا على تعسف الإدارة وتشديد لوائح الجزاءات ورفع العقوبات. وقد تزامن هذا مع سحب معظم الخدمات المقدمة من مصانع القطاع العام للعمال، كما نرى في التخلي عن سياسة إسكان العمال، بل واللجوء إلى طرد العمال من مساكن سبق وأن حصلوا عليها في أوقات سابقة (أنظر مثلاً لما يحدث في مصنع الحديد والصلب).

عامل أخير مركزي بالنسبة لكل مناضل يريد أن يفهم وضعية الصراع الطبقي الراهنة، هو ذلك المتعلق بتقديرات اتجاهات الأجور على مدار السنوات الثلاث الماضية بدءًا من نقطة توقف إحصاءات الدولة. المفارقة هي أن إحصاءات الجولة توقفت في عام 1998، وهو بالضبط العام الذي اندلعت فيه الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي تحولت في العام الحالي إلى ما يشبه القنبلة الموقوتة. وعلى ذلك يمكننا القول أنه إذا كان صحيحًا أن تدهور الأجور قد تباطأ على مدار بعض سنوات التسعينات، فالأكيد اليوم أن دورة جديدة من التدهور قد انطلقت في الأعوام الثلاثة الأخيرة، وهي الأعوام التي تضاعف فيها معدل الإضرابات العمالية التي يدور معظمها حول تخفيض الأجور أو الامتناع عن دفعها.

تقليص الأجر الاجتماعي:
اللافت للانتباه فيما يتعلق الأجر الاجتماعي أن العملية التي كانت الدول تفخر بها حتى وقت قريب، ونعني بها النجاح “منقطع النظير” في إعادة التوازن للميزانية بعد مرحلة الثمانينات التي ارتبطت بسياسة التمويل بالعجز، هي بالضبط العملية التي أدت إلى إفقار الجماهير الشعبية المصرية – وفي قلبها الطبقة العاملة- على نطاق غير مسبوق. فالمعنى الحقيقي لعملية إعادة هيكلة الميزانية المصرية من خلال سلسلة الإجراءات التقشفية، كان تقليص كل عناصر “الأجر الاجتماعي”، وهو مكتسب كانت الجماهير قد اقتنصته لنفسها من خلال نضالها الطويل.

الرقم القياسي للأجور الحقيقية:

العام الرقم القياسي للأجر
1972 100
1976 103
1985 137
1989 98
1990 94
1991 84
1992 77
1993 81
1994 81
1995 78
1998 80

قامت الدولة بإتباع عدد من الإجراءات كان من شأنها تخفيض العجز في الميزانية من 20 % في 1990 /1991 إلى 1 % في 1997 / 1998. وبتصاعد العجز في العامين الأخيرين ليراوح حول 3 % ، فتحت شهية الدولة مرة أخرى للإجراءات التقشفية المتوحشة. وكان آخر الهجمات في هذا السياق هو تطبيق المرحلتين الثانية والثالثة من ضريبة المبيعات بما لها من آثار معروفة على دخول المستهلكين الأقل دخلاً.

هدف الإجراءات التقشفية كان بالتحديد تحميل الفقراء عبء أزمة لم يساهموا في صنعها. أما وسائلها فقد تركزت على ضبط الميزانية من خلال تقليص الإنفاق وزيادة الإيرادات بواسطة الروشتة التقليدية لليبرالية المتوحشة. ومن الأمور ذات الدلالة أن جانب الإنفاق قد تحمل العبء الأكبر في هذه العملية. حيث تتابع التخفيض في الإنفاق بين بداية التسعينات وآخرها ليصل مجموع التخفيضات المتراكمة في 1998 إلى حوالي 13 مليار جنيه، وذلك في مقابل زيادة قدرها 5 مليار في الإيرادات.

انخفضت نسبة الإنفاق العام الاجتماعي (وهو الإنفاق على الدعم السلعي، والمعاشات، والتعليم والصحة، والصندوق. الاجتماعي للتنمية) إلى إجمالي الإنفاق العام من 30.7 % في 1981 / 1982 إلى 19.7 % في متوسط الفترة من 90 / 91 إلى 94 / 95. ثم تواصل الانخفاض حتى نهاية التسعينات. فوفقًا لأرقام وزارة المالية انخفضت القيمة الحقيقية للإنفاق الاجتماعي فيما بين عامي 90 / 91 و97 / 98 بنسبة 4.3 %.

الأجور وسياسات الأجور:
مثلث سياسات الأجور أداة هامة استخدمتها الدولة في العقدين الأخيرين لتصعيد هجومها على الجماهير العمالية على المستويين الاقتصادي والسياسي. فعلى المستوى الاقتصادي نجحت تلك السياسة – كما رأينا – في تحقيق الهدف الملح لتكثيف الاستغلال الرأسمالي. أما على المستوى السياسي، فقد لعبت هذه السياسة – بتطوراتها الحاسمة على مدى الثمانينات والتسعينات – دورًا خطيرًا في تفتيت الحركة العمالية، وفي إخضاعها هي وقياداتها لسلطان رأس المال ممثلاً بالذات في إدارات المصانع في القطاع العام. ولا شك أننا يمكن أن نفهم العلاقة الوثيقة بين الشقين الاقتصادي والسياسي في سياسات الأجور. فلولا النجاح في تفتيت الطبقة العاملة، لما كانت عملية الإفقار غير المسبوقة قد نجحت.

المكون الحاسم في سياسة الأجور التي دشنتها الدولة مع تصاعد أزمتها الاقتصادية في منتصف الثمانينات، كان هو تغيير التوازن ما بين الأجر الثابت والأجر المتغير لصالح ذلك الأخير. هذا الانقلاب في التوازن – الذي وصل اليوم إلى أن معظم الأجر قد أصبح متغيرًا – أعطى الرأسمالية الفرصة لربط الأجر بشكل أو بآخر بالإنتاجية وبالربحية، وهو الأمر الذي يهدد بشكل مباشر مصالح العمال. فنرى مثلاً أن حافز التميز الذي يصل إلى 20 % لا يصرف إلا بقرار سنوي من وزارة قطاع الأعمال العام تقوم فيه بتحديد توزيع الحافز بناء على نتائج أعمال كل قطاع وشركة. هذا بالطبع ناهيك عن الأرباح السنوية التي تحدد وفقًا للمفاوضات ما بين النقابة العامة والشركة، وبناء أيضًا على نتائج الأعمال. أما الحوافز الشهرية فهي مربوطة بالإنتاجية بشكل مباشر.

تلعب هذه السياسة دورًا مزدوجًا في إضعاف الطبقة العاملة، خاصة في مراحل تراجع الصراع الطبقي. فهي من ناحية أولى تخضع العمال أكثر فأكثر لرأس المال من حيث أن “نوعية العمل وشدته يصبحان خاضعين لرقابة الأجر بالذات”. ثم هي من ناحية ثانية تقضي على فرص التضامن العمالي، حيث تتقلص شيئًا فشيء الأقسام من الأجر التي لا يتأثر مستواها بالتمايزات ما بين القطاعات العمالية، وتزيد بالتزامن مع هذه نسبة الأجر القائم بالذات على هذا التمايز، وهو ما يعني بالضرورة – في أزمنة ضعف الطبقة العاملة – تفتيت المصلحة، ومن ثم تفتيت الحركة وانقسامها.

على أن هذه السياسة الخبيثة احتاجت حتى تنجح إلى تحقق عدد من الشروط، كانت للأسف متوفرة في مرحلة الثمانينات والتسعينات. أول هذه الشروط هو وجود جيش بطالة احتياطي ضخم يضغط على الطبقة العاملة ويهيئ فرصة التخفيض المعمم للأجور. وثاني هذه الشروط هو غياب أشكال نقابية ذات طابع مقاتل تستطيع أن تدفع الأجر المتغير لأعلى من خلال المفاوضات والإضراب. وكلا من هذين الشرطين، كما ذكرنا، كانا سائدين في سنوات الأزمة في الثمانينات والتسعينات. بل يمكننا القول أن الاتجاه العام لزيادة سلطوية البناء النقابي خلال سنوات الثمانينات، إضافة إلى إقرار قانون قطاع الأعمال في مطلع التسعينات، يمكن فهمهما في الأساس كأداتين من أدوات تنفيذ السياسية الجديدة للأجور.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن التحليل الذي قدمناه في السطور السابقة، بالرغم من أنه يصدق فقط على بالطبقة العاملة في القطاع العام، إلا أن أثره يمتد ليطول كل عمال مصر، بما في ذلك عمال القطاع الخاص. وهذا لأن عمال القطاع العام يمثلون حتى اليوم – وبالرغم من أزمتهم – القطاع القائد للطبقة العاملة المصرية، وهو ما عنى أن ضرب حركتهم والتحول في سياسات أجورهم قد أعاد تشكيل البيئة الشاملة للحركة العمالية. وذلك بالذات لأن القطاع الخاص، بقوانينه المجحفة، ومع تصاعد البطالة، كان مهيئًا تمامًا لتبني سياسات تفتيت الطبقة العاملة، وربط الأجر بالربحية ونتائج الأعمال.

الأجور والصراع الطبقي:
كما تشير الوقائع، كان للنجاح الذي حققته الدولة في مجال سياسات الأجور أثرًا حاسمًا على طبيعة وشكل الحركة العمالية. فاليوم أصبحت معظم النضالات العمالية –ذات الطبيعة المفتتة والجزئية – تدور حول مقاومة تدهور الأجور وشروط العمل في مصنع واحد أو حتى عنبر واحد داخل أحد المصانع. اليوم أيضًا انحسرت بشكل شبه كلي كل مظاهر التضامن العمالي. وفي إطار البيئة السياسية الديكتاتورية، وعلى خلفية أزمة الرأسمالية المصرية، تمارس أجهزة الدولة البوليسية تكتيك “قطع الطريق” على أي إمكانية لبروز أشكال تسمح بتجاوز الوضع الراهن الذي يكبل توسع الحركة العمالية.

وبالطبع يكون اختزالاً للحقائق القول بأن تحول سياسات الأجور قد أدى وحده إلى تفتيت وإضعاف الحركة العمالية. فالحقيقة أن هذا التحول ذاته كان من نتائج انتصار الدولة – لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا – في سنوات النصف الثاني من الثمانينات. في تلك السنوات انفجرت سلسلة من الإضرابات الحاسمة في مصانع القطاع العام (إسكو، غزل المحلة، الحديد والصلب، السكة الحديد، كفر الدوار)، وكان من أثرها أن نجحت الدولة في فرض خططها الجديدة. وقد دفع العمال ثمنًا باهظًا لمقاومتهم الباسلة في الثمانينات، وصل في بعض الأحيان (كفر الدوار) إلى سقوط شهداء من أوساط العمال.

وعلى خلفية “التسوية” التي تمخضت عنها الثمانينات تم ترتيب أسس جديدة لإخضاع الطبقة العاملة، كان في جوهرها التحول في سياسات الأجور وما واكبه من تحطيم لأسس النضال العمالي الجماعي. وقد كانت تلك هي الأرضية التي سهل على أساسها تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي الموقع مع صندوق الدولي في مايو 1991، بما له من أثار لا يمكن لأي عامل أن يخطئها.

غير أننا نشهد اليوم تأكلاً في الأسس التي أنبني عليها استقرار التسعينات – هذا إذا صح من الأساس وصف حال التسعينات بالاستقرار! ففشل برنامج الإصلاح في تحقيق أهدافه، وهو ما تكشفه الأزمة الاقتصادية الأخيرة، وما يتزامن مع هذا من تصاعد في النضالات العمالية وفي الهبات الجماهيرية، إضافة على الفراغ السياسي الشامل الذي خلقته سياسات الطبقة الحاكمة المصرية، كل هذه العوامل مجتمعة – وفي جدلها – تمهد الأرضية لمرحلة جديدة قادمة من التصاعد في النضال الطبقي. وليس في مقدورنا – ولا من الإيجابي – أن ننفق وقتنا في توقع كيف ومتى وأين بالضبط ستندلع المعركة القادمة. ولكن ربما يكون من المفيد والصحيح أن نؤكد أن هذه المعركة – بتغييرها للتوازن الطبقي – سوف تخلق الأساس لإعادة النظر ليس فقط في مستوى الأجور العمالية، ولكن في علاقة النضال من أجل تحسين الأجر بالنضال الأشمل والأعم من أجل تغيير المجتمع.