بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الموظفون ينضمون لحركة الاحتجاج

سادت مصر في الآونة الأخيرة موجة عارمة من الإضرابات شملت فئات متعددة لم تقتصر على عدو الرأسمالية الأول الطبقة العاملة، ولكن اتسعت دائرة الإضرابات لتشمل قطاعات أخري منها الفلاحين في الأراضي، والموظفين في الدواوين، والعطشى في البرلس واحتجاجات رغيف الخبز أمام المخابز، بالإضافة إلى إضراب موظفي الضرائب العقارية.

فرغم أن أخبار الإضرابات و الاحتجاجات أصبحت معتادة في مصر، الا أن إضراب موظفي الضرائب العقارية حظي بأهمية خاصة، ليس فقط بسبب العدد الضخم لموظفي الضرائب العقارية المضربين عن العمل الذين يصل عددهم إلى 55 ألف موظف، أو لانتشارهم في كل محافاظات الجمهورية، أو للطريقة التي أعلنوا بها احتجاجهم في البداية بشكل رمزي في مظاهرة سبتمبر الماضي في الجيزة التي ضمت عدة آلاف ثم قاموا بإضراب عام بعد إجازة عيد الفطر صاحبه اعتصام ضم حوالي أربعة آلاف منهم أمام مقر وزارة المالية وانتقلوا بعدها إلى مقر رئاسة الوزراء، مما أدي إلى تعرضهم للضغوط و التهديدات خلال مسيرتهمالاحتجاجية وتخلي التنظيم النقابي الرسمي عنهم وما رافقه من صمودهم رغم كل هذه العراقيل، وكذلك مطلبهم المتمثل في ضمهم إلى وزارة المالية ومساواتهم في الأجور بموظفي الوزارة أسوة بموظفي الضرائب العامة و موظفي ضريبة المبيعات بدلا من انتسابهم للمحليات. كل هذه الاشكاليات المهمة جدا ليست أهم ما في إضراب موظفي الضرائب العقارية، فإضراب موظفي الضرائب العقارية كان يعني دخول رافدا مهم وفعال إلى الحركة الاجتماعية في مصر هذا الرافد هو موظفي الدولة.

الموظفون.. إفقار مستمر

حسب تقرير الاتجاهات الاستراتيجية الصادر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية لعام 2002 فإن عدد العاملين في الحكومة 5,1 مليون موظف وفي بيانات أحداث للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمصر يقترب العدد من ستة ملايين موظف. نفس المصادر تشير إلي أن إجمالي قوة العمل في مصر ما بين 22 إلى 23 مليون، يعني هذا أن العاملين بالحكومة في مصر يمثلون أكثر من ربع قوة العمل وهي نسبة ضخمة جدا تجعل الدولة في مصر أكبر صاحب عمل علي الإطلاق. هذا القطاع الواسع من العاملين اتسم بالاستقرار والهدوء عادة ولم تكن قطاعات العاملين بالدولة تشهد حركات احتجاجية ذات شأن إلا على سبيل الاستثناء، مثل إضراب العاملين في هيئة النقل العام في 1976 وإضراب سائقي السكة الحديد عام 1986 وبعض الاحتجاجات الجزئية المتباعدة و غير المؤثرة، وكان الاستقرار والهدوء هو السمة الغالبة للعاملين بالدولة دائما. فإن ضمان استقرار وهدوء ربح قوة العمل واستبعادهم عن أي قلاقل أو اضطراب محتملة يعد عاملا مهما جدا عن عوامل استقرار النظام نفسه. هذا الاستقرار لم يكن انعكاسا في أي وقت لتحسن أوضاع وظروف موظفي الدولة، فبيانات الدولة نفسها تؤكد عكس ذلك.

إذ يشير تقرير الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية الصادر عن الأهرام عام 2007 إلى أن الأجرالشامل لخريج الجامعة لدي عمله في الحكومة لا يتجاوز 170 أي حوالي 36 دولارا شهريا بسعر الصرف، هذا الأجر أقل من تكلفة ايجار سكن متواضع بأسعار الإيجار العمول به في مصر. الموازنة العامة للدولة تؤكد تدني أوضاع الموظفين فيشير البيان الإحصائي للسنة المالية 2007- 2008 إلي أن إجمالي بند الأجور يبلغ 59 مليار و 574 مليون جنيه مما يعني أن متوسط أجر الموظف حوالي عشرة آلاف جنيه سنويا أي أكثر من 800 جنيه شهريا بقيمة تقريبية 125 دولار شهريا، و رغم تواضع هذه القيمة فإنها أيضا غير حقيقية إذ تتسم الأجور بالتفاوت الشديد، وبالإشارة إلي ما قاله عوض سعيد (رئيس قسم التحصيل بمأمورية يوسف الصديق بمحافظة الفيوم) حول أجره الشامل منذ ثلاثين عاما يتمثل في 480 جنيها شهريا و نظرائه في الضرائب العامة و الضريبة علي المبيعات تتراوح أجر الواحد منهم من 2500 إلي 3000 جنيها شهريا، يتضح من ذلك أن هناك تفاوت شاسع في الأجور، يتضح أكثر من قراءة البيان المالي عن مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2007- 2008، إلا أن نسبة الأجور الأساسية إلى إجمالي الأجور في الموازنة هي 24.5% والباقي هو أجور متغيرة في صورة مكافاءات وبدلات ومزايا، والقاعدة هي أن تلك البنود المتغيرة تذهب لمن يرضي رؤسائهم عنهم، هذه البيانات تعني أن متوسط الأجر الأساسي – المضمون للموظف – لا يتجاوز 200 جنيه، وحتى إذا أهملنا التفاوت سيظل هذا المتوسط ضئيل جدا بالنسبة لمعدلات التضخم في مصر.

الموظفون وحركة الإحتجاج

هذه الأوضاع المتدنية لأجور الموظفين في مصر تتناقض مع حالة الهدوء الطويلة التي شهدها هذا القطاع و لا يمكن تفسيرها إلا بما كان يحدث عبر تعميم الحلول الفردية التي كان يلجأ لها الموظفين و التي تشكل دخلا موازيا إن لم يكن دخلا أساسيا للموظف، هذه الحلول كانت تتمثل في تقاضي إكراميات و العمل في وظيفة أخري بعد ساعات العمل الرسمية سواء كانت تتصل بنفس العمل الأصلي مثل الدروس الخصوصية وفصول التقوية بالنسبة للمدرسيين أو أي مهن أخري لا تتصل بالعمل الأصلي للموظف، كذلك الإجازات بدون أجر من الوظيفة للسفر لدول الخليج و العمل مؤقتا بها، كل هذه الحلول الفردية ليست المعممة لدي قطاع الموظفين أو الدور الأساسي في صنع انفجار الموظفين لعقود طويلة، فما يشهده قطاع موظفي الدولة هذه الفترة في مصر يؤكد أن الأوضاع لم تعد كما هي، ليس المقصود فقط إضراب موظفي الضرائب العقارية، فإذا ألقينا نظرة سريعة علي تحركات الموظفين ستجد أن قطاعات أخري كثيرة سبقت موظفي الضرائب، فبالنظر إلي عام 2007 نجد في بدايته وبالتحديد منذ فبراير الماضي تصاعدت احتجاجات العاملين بإدارة بولاق التعليمية بسبب اغتصاب حقوقهم وإهدارها وتفشي الواسطة والمحسوبية في الإدارة، وتزامن ذلك في نفس الشهر مع تصاعد حالة من الغليان في صفوف المعلمين و هددوا بالاضراب عن العمل بالمدارس ليوم واحد في جميع المدارس ومقاطعة أعمال الامتحانات في حالة عدم الاستجابة لمطالبهم.

و في شهر مارس اعتصم العشرات من ممرضات كفر الدوار أمام ديوان عام المحافظة وذلك اجتجاجا علي قرار وزير الصحة بندبهن للعمل في التثقيف الطبي بالقري والنجوع مما يجعلهم عرضة للمضايقات، والتشريد في الأماكن النائية و رافق ذلك تهديد العاملين بمديرية القوي العاملة بالجيزة بالإعتصام بديوان عام الوزارة احتجاجا علي موجة من الانتقام الجماعي بواسطة وكيل وزارة سابق تعمد في تخفيض درجات تقاريرهم.

وفي الإسماعيلية من نفس الشهر تصاعدت وتيرة اجتجاجات موظفي الضرائب العقارية الذين قضوا 7 أشهر في الوظيفة دون الحصول علي مرتباتهم رغم اجتيازهم كافة الاختبارات ولم يستمر شهر مارس إلا وكان لموظفي مترو الأنفاق نصيبهم حيث طالب أكثر من ألفي موظف بالعقود المؤقتة بتسوية أوضاعهم وتطبيق نظام العاملين المدنيين بالدولة عليهم وهو ما يفي حقهم في التعيين بعد قضاء 3 سنوات بالوظيفة.

وجاء شهر أبريل ليشهد احتشاد 5 آلاف طبيب داخل دار الحكمة طالبوا فيها بتطبيق الكادر الخاص و هددوا بالإضراب عن العمل لحين تطبيقه.في نفس الشهر منح العاملون بهيئة الطاقة الذرية مهلة للجنة النقابية للعاملين بالهيئة بعد أن هددوا بتنظيم اعتصام احتجاجا علي عدم تثبيتهم وتوجهوا بعد ذلك لقصر عابدين لتقديم مذكرة تشرح أوضاع أكثر من 900 موظفا لم يتم تثبتهم كان علي رأسهم رئيس اللجنة النقابية بهيئة الطاقة الذرية و رئيس اللجنة النقابية بهيئة الأمان النووي.

وفي ذات الشهر هدد 260 موظفا من المتعاقديين بمديرية الشباب والرياضة في الدقهلية بالاعتصام أمام مبنى رئاسة مجلس الوزراء احتجاجا علي عدم صدور قرارا بتثبيتهم في وظيفتهم.

وشهد شهر مايو اعتصاما لعدد كبير من محصلي وصرافي تذاكر مترو الأنفاق للمطالبة بصرف البدل اليومي للعطلة الرسمية أسوة بجميع العاملين بالمصالح الحكومية.

حتى مؤسسة التليفزيون الرسمية لم تخلو من الاحتجاج، حيث تذمر 53 من العاملين بقطاع الصيانة والتشغيل بالقناة السابعة وذلك ضد قرار إدارة شئون العاملين التي ألغت اشتراكهم بالرعاية الطبية. كما تظاهر موظفي مكتبة الاسكندرية أمام ديوان عام المحافظة وذلك احتجاجا علي قرار مدير المكتبة بنقل 44 من العاملين الدائمين بالمكتبة إلي وظائف إدارية بالمحافظة. واعتصم 57 صرافا في مديرية المالية بسوهاج خلال شهر يونيه احتجاجا على عدم تلقيهم أجورهم منذ تعينهم في فبراير 2006 ورفض المحافظ استقبالهم أو الاستماع لشكواهم.

ونأتي لشهر يوليو ليتظاهر 200 موظف بالضرائب العقارية بأسيوط أمام ديوان عام المحافظة احتجاجا على عدم صرف مرتباتهم طوال 12 شهرا، وعلى جانب آخر هدد 350 موظفا مؤقتا بجامعة المنصورة بالاعتصام داخل الإدارة احتجاجا على عدم تثبيتهم رغم تجاوزهم عشر سنوات في العمل.

وجاء اعتصام عمال البريد الذي فضه الأمن بالقوة ليمثل انعطافا حادا في علاقة الدولة بالموظفين عندما اعتصم 350 موظفا أمام مقر الهيئة القومية للبريد احتجاجا على عدم تثبيتهم رغم تعيين زملاء لهم من نفس الدفعة وبرز هذا الاعتصام الدور المحوري الذي قد يلعبه عمال وموظفي الخدمات في ظل التوسع الأفقي في بنية النظام الرأسمالي.

ثم جاء شهر أغسطس وبرز الموظفين كفئة قادرة على خوض نضالات من أجل انتزاع حقوقها المهدرة من براثن الأخطبوط الرأسمالي، وعبرت عن ذلك باعتصام العشرات من موظفي الطب الشرعي أمام مبنى مصلحة الطب الشرعي بزيهم احتجاجا على تخطيهم في حركة التعينات وانتشار الواسطة والمحسوبية لصالح أبناءه الكبار على حساب هؤلاء الموظفين.

ونأتي أخيرا لأهم تلك التحركات وأقواها وهو ما بدأه موظفي الضرائب العقارية في الجيزة في سبتمبر الماضي، ولعل أهم ملامح هذه الاحتجاجات أنها طالت فئات مختلفة من الموظفين رغم أنه من المفترض أنهم يتمتعوا بثبات وظيفي و استقرار مهني، وتنوعت القطاعات التي دخلت فيها الاحتجاجات سواء من مدرسين أو موظفي المستشفيات أو موظفي الطب الشرعي والبريد والضرائب العقارية وموظفي الجامعات، وهيئة الطاقة الذرية وغيرها.

الملمح الآخر هو توسع النطاق الجغرافي لهذه الاحتياجات سواء في محافظات الدلتا أو الوجه البحري والإسكندرية وصولا لأقصي صعيد مصر بما ينبئ بأن الأزمة طالت جميع الفئات والقطاعات الجغرافية.

والمطلوب الآن هو خلق روابط وبؤر جذب يلعب فيها الثوريين دورا محوريا لجذب هذه القطاعات وتوجيه قوة فعلها السياسي نحو هدف واحد، وربط كل جزء بتحركات شقيقتها الكبري الطبقة العاملة في خيط يجمع بين ما هو اجتماعي مطلبي وما هو سياسي كلي ضد العدو الطبقي الممثل في دولة رجال الأعمال.